8:57 مساءً / 30 أغسطس، 2025
آخر الاخبار

المنظومة التعليمية بين سندان الأزمات ومطرقة الحرب ، بقلم : آمنة الدبش

المنظومة التعليمية بين سندان الأزمات ومطرقة الحرب ، بقلم : آمنة الدبش

على مدار عامين متتاليين لم يتمكن طلاب الثانوية العامة “التوجيهي” في قطاع غزة من التقدم لامتحاناتهم نتيجة العدوان الإسرائيلي الذي دمّر البنية التعليمية وأوقف عجلة الدراسة تاركاً آلاف الطلبة في مهبّ المجهول بين ضياع حلمهم الجامعي وتبدّد طموحاتهم المستقبلية لتتحول قاعات الدراسة إلى ملاجئ وأحلام النجاح إلى معركة أقسى من امتحان الورقة والقلم امتحان البقاء وسط حرب لا ترحم.


▪︎ بين الدمار والصمود


في شوارع غزة المدمرة وعلى أصوات القصف ترى طلاباً يجلسون على أنقاض بيوتهم وبأيديهم دفاتر ممزقة أو كتب متفحمة كثيرون فقدوا منازلهم ومكتباتهم الصغيرة فيما تحولت المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين أو أهداف للقصف ما جعل البيئة التعليمية شبه معدومة في هذه الظروف لم يعد الامتحان مجرد اختبار للذاكرة والمعرفة بل اختبار لقدرة الطالب على التكيف وسط كارثة إنسانية متواصلة.


فكيف لطالب أن يحفظ معادلات الرياضيات فيما يبحث عن قطرة ماء أو رغيف خبز؟ وكيف لطالبة أن تستذكر دروسها بينما يخيم الحزن على بيتها بعد فقدان أحد أفراد أسرتها؟ المعادلة هنا غير عادلة فالطلاب يقاتلون على جبهتين جبهة الامتحانات الرسمية وجبهة الحياة اليومية المهددة بالموت في أي لحظة.


▪︎ إحصائيات ووقائع صادمة


أصدرت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية تقريراً مفصلًا عن الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالقطاع التعليمي منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغربية في السابع من أكتوبر 2023م كشف التقرير عن استشهاد أكثر من 16,470 طالباً وإصابة 25,374 فيما استشهد في الضفة 137 طالباً وأصيب 897 آخرون إضافة إلى اعتقال 754.
وأشارت إلى أن 914 معلما وإداريا استشهدوا وأصيب 4,363 بجروح في قطاع غزة والضفة واعتقل أكثر من 196 في الضفة.


كما حرم ما يزيد عن 88 ألف طالب وطالبة من الذهاب إلى جامعاتهم فيما حرم حوالي 39 ألف طالب وطالبة من حقهم في تقديم امتحان شهادة الثانوية العامة في قطاع غزة لعامين متتاليين.


وأكدت الوزارة تمكن بعض الطلاب من مغادرة القطاع ويتوزع هؤلاء على 37 دولة، 7 منها جرى التفاهم مع الجهات الرسمية على فتح قاعات امتحانات رسمية لتمكين الوزارة من عقد الامتحانات وفي الدول الأخرى سيجري عقدها داخل مقرات سفارات دولة فلسطين وممثلياتها.


▪︎ التعليم كمقاومة


رغم النزوح المتكرر وانقطاع الكهرباء وغياب الأمن النفسي يواصل طلاب توجيهي الدراسة كأنهم يعلنون أن المعركة ليست بالسلاح وحده، فكل صفحة تُقرأ على ضوء خافت وكل معادلة تُحل على قصاصة ورق عُثر عليها بين الركام هي فعل مقاومة الاحتلال الذي يستهدف المدارس والمكتبات والمقار التعليمية يريد أن يترك أجيالاً بلا معرفة بلا مستقبل لكن إصرار الطلاب على التمسك بحقهم بالتعليم يحول القلم إلى سلاح رمزي يحفظ الهوية ويصون الذاكرة ، فالإنسان الفلسطيني قادر على صناعة مستقبله حتى وهو تحت الحصار والدمار وآلة القتل التعليم هنا لا يُقاس بالدرجات فقط بل بما يحمله من معنى عميق مقاومة الضعف واليأس والتمسك بالأمل مهما كان الثمن ، ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال على لسان طلبة غزة “نحن باقون وسنواصل الحلم رغم الحرب وسنحمل كتبنا كما نحمل حلمنا بوطن أفضل”.


▪︎ انهيار المنظومة التعليمية


تعاني غزة منذ سنوات من أزمة متصاعدة في التعليم نتيجة الحصار ونقص الإمكانيات إلا أن العدوان الأخير وما خلفه من دمار واسع إلى جانب الأوضاع الإنسانية المتفاقمة قد دفع بالمنظومة التعليمية إلى حافة الانهيار فالمئات من المدارس إما دُمرت أو تحولت إلى مراكز إيواء فيما يقف آلاف المعلمين والطلبة أمام تحديات غير مسبوقة تهدد حاضر العملية التعليمية ومستقبل الأجيال القادمة.


إنقاذ التعليم في غزة لم يعد خياراً بل ضرورة إنسانية ووطنية يتطلب ذلك دعماً عاجلاً لإعادة بناء المنظومة التعليمية من مدارس آمنة ومجهزة وتأهيل نفسي واجتماعي للطلاب وحماية المؤسسات التعليمية من الدمار لضمان أن يبقى الحق في التعلم حاضراً، وأن تستمر العملية التعليمية حتى في أصعب الظروف.


▪︎ عتاب طلاب توجيهي


بقلوب مثقلة بالهموم يشعر طلاب التوجيهي أن صوتهم لم يسمع كما يجب فكيف لهم أن يستعدوا لامتحانات مصيرية في ظل حرب أحرقت بيوتهم وشردت عائلاتهم وحرمتهم أبسط مقومات الأمن والأمان إنهم يعيشون حالة من القلق المستمر بين فقدان ما تبقى من ذكريات طفولتهم وبين ضياع مستقبلهم الدراسي وكأنهم يدفعون ضريبة حرب لم يكونوا طرفاً فيها. كيف يقاس مستقبلهم بامتحان ورقي بينما يعيشون امتحان الحياة كل يوم تحت القصف والنزوح والجوع؟


إن عتاب طلاب التوجيهي ليس ضعفاً بل هو نداء محبة وطلب إنصاف ورسالة صادقة بأنهم بحاجة إلى من يسمعهم ويقف إلى جانبهم فلا تتركوهم وحدهم في مواجهة هذا المصير الصعب واجعلوا قراراتكم أكثر عدلاً وواقعية ومرونة في التقييم والنتائج وكونوا سنداً لهم لا عبئاً جديداً فوق معاناتهم اليومية فهؤلاء الطلبة هم أمل الغد وإنصافهم اليوم هو استثمار في مستقبل الوطن بأسره.


▪︎ ضياع الأجيال


تراكم الفجوات التعليمية في المراحل الأساسية بغزة يمثل تهديداً حقيقياً وأحد أخطر التحديات التي تواجه النظام التعليمي ويُقدر أن أكثر من نصف الطلاب قد تأثروا بشكل مباشر بانقطاع التعليم أو انخفاض جودة العملية التعليمية مما أدى إلى تراكم فجوات معرفية لا يمكن معالجتها بسهولة، هذه الفجوات المتراكمة تجعل الطلاب غير مستعدين للمرحلة الثانوية فتزداد صعوبة التحصيل الأكاديمي ويؤدي ذلك إلى تدهور التعليم العام وضياع أجيال مستقبلية.


ختاماً يشكل تدهور المنظومة التعليمية جرس إنذار خطير لمستقبل الأجيال القادمة حيث تتعثر العملية التعليمية وتتفاقم الفجوات المعرفية فبدون إعادة بناء المؤسسات التعليمية ودعم المعلمين وتأمين بيئة تعليمية ملائمة، سيظل التعليم عاجزاً عن نقل المعرفة وبناء القدرات، وستتفاقم الفجوات التي تهدد مستقبل المجتمع بأسره، التعليم هو حجر الأساس لتنشئة مجتمع متعلم قادر على مواجهة تحديات المستقبل وتحقيق التنمية الشاملة وبغير اتخاذ خطوات فعّالة وعاجلة، ستظل أجيالنا المقبلة تدفع ثمن الإهمال والحروب.

  • – آمنة الدبش – صحفية وناشطة نسوية – غزة – فلسطين .

شاهد أيضاً

ارتفاع حصيلة عدوان الاحتلال على قطاع غزة إلى 63,371 شهيدا و159,835 إصابة

شفا – أعلنت مصادر طبية، اليوم السبت، ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 63,371، …