
منع الرئيس محمود عباس من حضور اجتماع الأمم المتحدة… تغييب للرواية الفلسطينية وازدواجية في المعايير ، بقلم : محمود جودت محمود قبها
إن منظمة الأمم المتحدة وُجدت لتكون منبرًا حرًا للشعوب وساحة لعرض قضاياهم العادلة بغض النظر عن حجمهم أو قوتهم فهي المؤسسة التي يفترض أن تُجسّد ميثاق العدالة والمساواة بين جميع الأعضاء وتتيح المجال أمام صوت المظلومين كما أمام صوت الأقوياء لكن ما حدث مؤخرًا من منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يثير الكثير من التساؤلات ويكشف عن حجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية في ظل محاولات تهميشها وتغييبها عن المسرح الدولي.
إن منع الرئيس محمود عباس من حضور هذا الاجتماع لم يكن خطوة بروتوكولية عابرة بل يحمل في طياته دلالات سياسية خطيرة ويعكس ازدواجية المعايير التي يمارسها المجتمع الدولي حيث تُمنح المنابر لمن يملك القوة والدعم السياسي فيما يُحرم منها شعب يرزح تحت الاحتلال منذ أكثر من سبعة عقود.
البعد السياسي للمنع :-
لا يمكن النظر إلى هذا القرار بمعزل عن السياق السياسي العام فالقضية الفلسطينية تمر اليوم بمرحلة دقيقة في ظل تصاعد السياسات الاستيطانية الإسرائيلية ومحاولات فرض الأمر الواقع على الأرض وتراجع الاهتمام الدولي الفعلي بإنهاء الاحتلال في مثل هذا التوقيت يصبح من الأهمية بمكان أن يُتاح للرئيس الفلسطيني أن يعبّر باسم شعبه أمام المجتمع الدولي ليعرض حقيقة ما يجري من انتهاكات وجرائم يومية.
إن منع هذا الحضور يعني بوضوح محاولة إسكات الصوت الفلسطيني ومنع الرواية الفلسطينية من الوصول إلى المجتمع الدولي وترك المجال مفتوحًا للرواية الإسرائيلية المدعومة من بعض القوى الكبرى وهذا السلوك لا يُضعف الموقف الفلسطيني فحسب بل يُفقد الأمم المتحدة جزءًا من مصداقيتها كمنبر محايد يفترض أن يستمع لجميع الأطراف.
الأبعاد القانونية والدبلوماسية :-
فلسطين وإن لم تكن دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة إلا أنها تحظى باعتراف واسع النطاق كدولة مراقب وعضو في عشرات المنظمات والاتفاقيات الدولية هذا الاعتراف يفرض على الأمم المتحدة واجبًا قانونيًا وأخلاقيًا بالسماح لممثلها الشرعي الرئيس محمود عباس بالمشاركة في اجتماعاتها إن تقييد هذا الحق يمثّل خرقًا لمبادئ المساواة بين الشعوب ويُعتبر سابقة خطيرة تفتح الباب أمام التمييز ضد قضايا أخرى في المستقبل. فالمسألة هنا لا تتعلق بشخص الرئيس عباس بل بحق الشعب الفلسطيني في أن يكون له صوت في المحافل الدولية.
الأثر على القضية الفلسطينية :-
يأتي هذا المنع في وقت يُدرك فيه الفلسطينيون أنهم يواجهون معركة شرسة على الرواية والوعي فإسرائيل تسعى دائمًا لتصوير نفسها كضحية وتُحاول وصم النضال الفلسطيني بالإرهاب بينما تتستر على جرائمها اليومية بحق المدنيين في المقابل يشكّل خطاب الرئيس الفلسطيني في الأمم المتحدة فرصة ثمينة لتفنيد هذه المزاعم وعرض الأدلة والحقائق أمام المجتمع الدولي.
تغييب هذا الخطاب يعني تغييب الرواية الفلسطينية ويُتيح المجال لإسرائيل كي تنفرد بتقديم سرديتها وهو ما يشكّل خطرًا حقيقيًا على الوعي الدولي بالقضية لذلك فإن المنع لا يُعدّ مجرد إجراء بروتوكولي بل هجوم مباشر على حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن قضيته أمام العالم.
ازدواجية المعايير الدولية :-
تكشف هذه الخطوة عن ازدواجية المعايير التي لطالما انتقدها الفلسطينيون فبينما تُمنح المنابر لقادة يمارسون الحروب والاعتداءات،ويُستقبلون بحفاوة في الأمم المتحدة يُمنع ممثل الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل الحرية والاستقلال من ممارسة حقه الطبيعي في التعبير عن قضية عادلة أقرّت بها الشرعية الدولية نفسها.
هذا التناقض يضع الأمم المتحدة أمام اختبار حقيقي: هل هي بالفعل مؤسسة دولية محايدة وراعية للعدالة؟ أم أنها أصبحت أداة بيد القوى الكبرى، تُستخدم لتكريس سياسات الهيمنة وتهميش قضايا الشعوب الضعيفة؟
الموقف الفلسطيني المطلوب :-
إن الرد على هذا القرار لا يجب أن يقتصر على الاعتراض الدبلوماسي، بل يجب أن يكون من خلال خطوات عملية أهمها:
- تصعيد التحرك القانوني والدبلوماسي عبر التوجّه إلى محكمة العدل الدولية والمنظمات الدولية الأخرى لإثبات أن منع تمثيل فلسطين في الأمم المتحدة يُخالف المواثيق الدولية.
- تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية لأن تماسك الجبهة الداخلية هو السلاح الأقوى لمواجهة محاولات التهميش الدولي.
- الانفتاح على القوى الشعبية والإعلامية العالميةمن خلال إيصال الرواية الفلسطينية بطرق مبتكرة وعدم الاكتفاء بالمنابر الرسمية التي قد تُغلق في وجه فلسطين.
- إطلاق مبادرات شعبية ودبلوماسية موازية للتأكيد أن القضية الفلسطينية حاضرة وأن إسكات صوت الرئيس لن يُسكت الشعب الفلسطيني.
الأساس القانوني لحق فلسطين في التمثيل :-
إن ميثاق الأمم المتحدة، في مادته الأولى، ينص على حق جميع الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى المساواة بين الدول في الحقوق والواجبات، دون أي تمييز. وعليه، فإن منع الرئيس الفلسطيني من حضور اجتماع الأمم المتحدة يشكّل انتهاكًا مباشرًا لهذا المبدأ الأساسي، إذ يحرم شعبًا تحت الاحتلال من ممارسة حقه في التعبير عن قضيته أمام المجتمع الدولي.
الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت القرار 67/19 الصادر في 29 نوفمبر 2012، والذي منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة وهو اعتراف قانوني وسياسي واضح بوجود الكيان الفلسطيني وحقه في التمثيل الرسمي عبر قيادته الشرعية وبالتالي فإن أي محاولة لمنع الرئيس من ممارسة هذا الحق تتعارض مع ذلك القرار ومع سوابق الأمم المتحدة ذاتها.
مخالفة لمبدأ المساواة وعدم التمييز :-
إن المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة تؤكد على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها وكذلك على احترام حقوق الشعوب في التعبير عن قضاياها وعليه فإن التعامل مع فلسطين بمعايير مغايرة ومنع رئيسها من إلقاء كلمته بينما يُمنح قادة آخرون من دول متورطة في نزاعات وحروب فرصًا متساوية في التعبير يُعتبر خرقًا لمبدأ المساواة وعدم التمييز كما أن هذا المنع قد يرقى إلى تمييز سياسي مؤسسي الأمر الذي يتناقض مع المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون ويتمتعون بحماية متساوية من أي تمييز.
الالتزامات الدولية تجاه الشعوب الواقعة تحت الاحتلال:ـ
وفقًا لاتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وخصوصًا المادة 1 المشتركة فإن على جميع الدول الأطراف التزامًا قانونيًا بضمان احترام الاتفاقيات في جميع الأحوال هذا يعني أن المجتمع الدولي بما فيه الأمم المتحدة ملزم بتمكين الشعب الفلسطيني وقيادته من التعبير عن معاناته تحت الاحتلال.
إن منع الرئيس الفلسطيني من مخاطبة العالم لا يتعارض فقط مع ميثاق الأمم المتحدة بل أيضًا مع القانون الدولي الإنساني الذي يقرّ بضرورة حماية المدنيين تحت الاحتلال وهو ما لا يتحقق إلا بإسماع صوتهم أمام المجتمع الدولي.
سابقة خطيرة في عمل الأمم المتحدة :-
منع الرئيس الفلسطيني من المشاركة يشكّل سابقة خطيرة في مسار الأمم المتحدة إذ يُخشى أن يتحول إلى أداة سياسية بيد بعض القوى المهيمنة تُستخدم لإسكات الشعوب الضعيفة وتهميش قضاياها وهذا يضرب جوهر الشرعية الدولية التي تقوم على فكرة أن الأمم المتحدة هي منبر للجميع لا حكراً على الأقوياء ولذلك فإن استمرار مثل هذه الممارسات يُفقد المنظمة مصداقيتها ويُحوّلها إلى ساحة انتقائية تخدم مصالح معينةبدلًا من أن تكون إطارًا جامعًا لتحقيق العدالة والسلام العالمي.
منع الرئيس محمود عباس من حضور اجتماع الأمم المتحدة ليس قرارًا عابرًا بل هو مؤشر خطير على حجم التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية في ساحة الصراع الدولي إنه يكشف عن رغبة واضحة في تغييب الصوت الفلسطيني وإضعاف قدرته على الدفاع عن حقوقه المشروعة.
لكن هذا المنع على قسوته لن يُسكت فلسطين فصوت الشعب الفلسطيني أعمق من أن يُلغى بقرار وأقوى من أن يُحجب عن العالم سيظل الفلسطينيون بقيادتهم وشعبهم يرفعون صوتهم من أجل الحرية والاستقلال وستبقى الأمم المتحدة وغيرها من المحافل الدولية مطالبة بأن تتحمل مسؤولياتها وألّا تكون شاهد زور على تغييب قضية عادلة عمرها أكثر من سبعين عامًا.
باحث في درجة الدكتوراه في العلوم السياسية و العلاقات الدولية