
السليمانية تحتضن صوت التغيير : مؤتمر التحالف الديمقراطي الاجتماعي في العالم العربي ، بقلم: محمد علوش
في مدينة السليمانية، حيث الجبال تعانق السماء، وتتحول الطبيعة إلى مرآةٍ لصلابة الشعوب وحنينها الأبدي إلى الحرية، ينعقد مؤتمر التحالف الديمقراطي الاجتماعي في العالم العربي، ليخطّ صفحة جديدة في مسار العمل التقدمي والديمقراطي في المنطقة، وهذا المؤتمر ليس مجرد مؤتمر عابر أو لقاء بروتوكولي، بل هو محطة مفصلية لتيار واسع يضم أحزاباً ديمقراطية اجتماعية واشتراكية من مختلف البلدان العربية، اجتمعت على كلمة سواء: النضال من أجل العدالة والكرامة والديمقراطية، ومواجهة التحديات المشتركة بروح تضامنية راسخة.
هذا المؤتمر يشكّل منصة جامعة، حيث تتقاطع الأفكار والتوجهات التقدمية لتعيد صياغة معنى النضال المشترك في زمن التحولات العاصفة، ومن على منبره، تتعانق التجارب وتلتقي الرؤى في سياق البحث عن طريقٍ جديد يعيد الاعتبار للقيم التي لطالما حملتها الحركة الديمقراطية والاجتماعية: الحرية، المساواة، العدالة الاجتماعية، والتمسك بالقضايا العادلة التي تشكّل ضمير الإنسانية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ففلسطين لم تكن غائبة عن جدول أعمال المؤتمر، بل حضرت كقضية مركزية تختصر معاني النضال ضد الظلم والاحتلال والتمييز، وتجد في هذه المنصة صدى التضامن العابر للحدود.
وليس حضور فلسطين وحده ما يمنح المؤتمر عمقه، بل أيضاً ما يحمله انعقاده في السليمانية من دلالات، فهذه المدينة الكردية التي عانت مثلما عانت فلسطين، والتي تجسّد هي الأخرى نضال شعب يفتش عن حريته وحقه في تقرير مصيره، تحوّلت إلى رمز للتلاقي بين قضايا الشعوب المقهورة، وإلى فضاء يمدّ الجسور بين العرب والكرد، بين تجارب التحرر الوطني والديمقراطي، وإن احتضان كردستان العراق لهذا المؤتمر رسالة بالغة المعنى، فالشعوب تتكامل في نضالها، ولا عدالة حقيقية من دون الاعتراف المتبادل بحقوق الجميع.
وقد جاءت المشاركة اللافتة من الأحزاب الأعضاء في الاشتراكية الدولية والتحالف التقدمي العالمي لتمنح المؤتمر بعداً إضافياً، يربطه بالحركة التقدمية العالمية ويوسّع أفقه السياسي والفكري، وإن الاهتمام العراقي والكردستاني بتنظيم المؤتمر ورعايته يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية مثل هذا الإطار، بوصفه صوتاً بديلاً في المنطقة، يواجه مشاريع التفتيت والتسلط، ويفتح أفقاً للتعاون والتغيير.
أما الحضور الفلسطيني، فقد كان وازناً ومعبّراً؛ إذ شاركت وفود قيادية من جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وحركة فتح، وحركة المبادرة الوطنية، لتؤكد أن فلسطين، رغم الجراح العميقة والانقسام المرهق، ما زالت حاضرة في ميادين النضال العربي والدولي، تبحث عن حلفاء حقيقيين يقاسمونها عبء المواجهة، ويقفون إلى جانبها في معركتها من أجل الحرية والاستقلال.
إن هذا المؤتمر ليس مجرد اجتماع، بل هو دعوة مفتوحة لإعادة الاعتبار للعمل الديمقراطي الاجتماعي في منطقتنا، وتجديد دماء المشروع التقدمي العربي في لحظة بالغة التعقيد.
من السليمانية، ينطلق نداء التضامن، ليقول إن الطريق إلى المستقبل يمر عبر قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وإن الشعوب – رغم الجراح – قادرة على أن تصنع بدائلها، متسلحة بالأمل، وبالتجارب المتراكمة، وبالإصرار على ألا يختزل مصيرها في صفقات القوة ولا في حسابات المستبدين.