
تداعيات إمبريالية على الدبلوماسية الدولية ومسار القضية الفلسطينية في منع غير مسبوق ، بقلم : نسيم قبها
في سابقة خطيرة في العلاقات الدولية وفي خطوة هي الأولى من نوعها منذ تأسيس الأمم المتحدة، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية يوم الجمعة 29 أغسطس 2025 منع الرئيس الفلسطيني محمود عباس والوفد الفلسطيني برمته من المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة المزمع عقدها في نيويورك خلال سبتمبر القادم. هذا القرار الاستثنائي يشكل انتهاكاً صريحاً لاتفاقية مقر الأمم المتحدة (1947) والتي تلتزم بموجبها واشنطن بمنح تأشيرات الدخول لجميع الممثلين المدعوين بغض النظر عن الخلافات السياسية.
إن الأبعاد القانونية والدبلوماسية للقرار الأمريكي ، تبدأ من انتهاك أمريكا للالتزامات الدولية ، حيث يُمثل هذا القرار خرقاً واضحاً للاتفاقية المبرمة بين الولايات المتحدة والأمم المتحدة في امتيازات الدخول لبعثات الدول الأعضاء. فالاتفاقية تنص صراحة على التزام الدولة المضيفة (الولايات المتحدة) بتسهيل دخول ممثلي الدول الأعضاء لحضور اجتماعات المنظمة الدولية، دون عوائق سياسية. وقد استخدمت الولايات المتحدة ثغرة “الأسباب الأمنية” لتبرير منعها، لكن الوقائع تشير إلى أن القرار سياسي بحت ، خاصة أنه يشمل إلغاء جميع التأشيرات الفلسطينية الصادرة قبل 31 يوليو 2025.
ولأنها سابقة خطيرة ، فلم يسبق في تاريخ الأمم المتحدة أن مُنع وفد رسمي كامل، بما في ذلك رئيس دولة، من المشاركة في أعمال الجمعية العامة. حتى في ذروة الحرب الباردة، التزمت الولايات المتحدة بمنح التأشيرات لجميع الوفود. يشير هذا التصرف إلى تآكل التعددية الدولية وهيمنة الفردانية الأمريكية (القوة الأحادية) على النظام الدولي.
قد تكون الأسباب المعلنة والخلفيات السياسية و المبررات الأمريكية الرسمية وفقاً للبيانات الرسمية التي أصدرتها وزارة الخارجية الأمريكية، سواء كانت رداً على “عدم التزام” منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بالالتزامات المتفق عليها وفق القوانين الأمريكية ، أو بسبب “المساعي القانونية الدولية” التي يقودها الفلسطينيون في المحاكم الدولية (مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية) ، أو “السعي للاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية” دون انتظار نتائج المفاوضات ، كلها أسباب توضّح منطق الوقاحة السياسية الأمريكية التي تمتهن المكيال برؤيا إمبريالية استعمارية مغلفة بديموقراطية كفرت بها شعوب العالم .
إن الشروط الأمريكية لاستعادة العلاقات الحوارية مع الفلسطينيين ، والتي بنّدتها بالتخلي عن ما اسمته “الإرهاب” وضرورة “نبذ إرهاب 7 أكتوبر” ، ووقف المساعي القانونية الدولية ضد ( إسرائيل) ، بالإضافة إلى وقف السعي للاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية ، كلها شروط استعمارية احتلالية لا تعني إلا بقاء الجلاّد في وظيفته ، وأنها مع الرواية الصهيونية التي جعلت حجة أكتوبر طامسة لإباداتها المتكرة منذ ما قبل النكبة.
إن السياق السياسي والأبعاد الإقليمية لهذا القرار في توقيته ودوافعه الخفية يأتي في توقيت بالغ الحساسية ، ابتداء من التحضير لإعلان دستوري فلسطيني حول الاستقلال كان مقرراً أن يقدمه الرئيس عباس خلال الجمعية العامة،
و انتهاء بتزايد الدعم الدولي للاعتراف بدولة فلسطين، حيث من المتوقع أن تعلن عدة دول غربية اعترافها خلال الدورة القادمة.
كل ذلك فعّل الضغوط الداخلية الأمريكية من جانب اللوبي المؤيد (لإسرائيل) في الكونغرس ، للوقوف جديا بشكل حاسم وحازم أمام الإعلان عن هذه الخطوة ، ما يعكس هذا القرار الأمريكي تحولاً جوهرياً في الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية، حيث تخلت واشنطن عن دورها كوسيط نزيه وأصبحت طرفاً منحازاً بشكل كامل لرواية إسرائيل. هذا التحول يدفع نحو تقويض أي أمل في استئناف عملية سلام حقيقية رغم سخافة العملية في منطق التداول الفعلي ، بالإضافة إلى دفع الفلسطينيين نحو خيارات أحادية الجانب كملاذ سياسي حتمي للتصدي لمحاولات تكريس الاحتلال الإسرائيلي للوقائع المصطنعة على الأرض ، ومحاولة إفلاته من المحاسبة.
قد تكون ردود الفعل الدولية المتوقعة ، من موقف الأمم المتحدة والأطراف الدولية ، بأن تواجه هذه الخطوة الأمريكية إدانات واسعة من غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، خاصة أنها تمس هيبة المنظمة الدولية وتقوض مبدأ التمثيل المتكافئ للدول. وقد عبرت العديد من الدول سابقاً عن تأييدها لحق الفلسطينيين في الدولة الكاملة، حيث صدر قرار الجمعية العامة في مايو 2024 بأغلبية 143 صوتاً يدعم عضوية فلسطين ويوصي مجلس الأمن بإعادة النظر في الطلب.
في مواجهة هذا القرار، يمكن للقيادة الفلسطينية أن تتقدم بشكوى رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة حول انتهاك الولايات المتحدة لاتفاقية المقر ، وتطلب عقد جلسة طارئة للجمعية العامة لمناقشة هذه الإجراءات ، وأن تسعى لتنظيم مشاركة افتراضية للرئيس عباس عبر الفيديو بكل فاعلية.
إن التداعيات المستقبلية على النظام الدولي في قرار الولايات المتحدة بمنع الرئيس عباس والوفد الفلسطيني من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة ليس مجرد إجراء عقابي سياسي ضد الفلسطينيين، بل هو ضربة للتعددية الدولية ومبدأ المساواة في السيادة بين الدول. هذه الخطوة تؤكد أن النظام الدولي يعيش أزمة عميقة تحت هيمنة القوة الأحادية، مما يستدعي وقفة جادة من المجتمع الدولي للحفاظ على مبادئ المساواة والعدالة التي تأسست عليها الأمم المتحدة.
إن هذه الإجراءات الأمريكية التي كشفتها القضية الفلسطينية وعدالتها الدولية لن تثنِ الشعب الفلسطيني عن مواصلة مساعيه المشروعة لتحقيق الحرية والاستقلال، بل ستدفع بدول العالم إلى تكثيف دعمها للقضية الفلسطينية في معركة واضحة العدالة دوليا ، منتصرة شعبيا عالميا .