10:22 صباحًا / 20 يوليو، 2019
آخر الاخبار

الثورة هي من سيمنح الشعب السوري الحرية والكرامة بقلم : محمد فاروق الإمام

الآن، وبعد عام ونصف على الثورة فإن دم الشهداء يمنح جميع السوريين الفرصة الأخيرة للتمسك بأهداب هذه الثورة التي هي وحدها من سيمنح الشعب السوري الحرية والكرامة بعد نحو نصف قرن من العبودية والإذلال.
صحيح أن التغيير مؤلم ولكنه حتمي، والأفضل لكل السوريين أن يكونوا لاعبين فيه دون الانتظار من أحد أن يقدمه لهم لقاء ثمن قد يكون غالياً ومؤلماً ومنقصاً للسيادة واستقلال القرار.
عام ونصف مضى على الثورة السورية حار خلالها المحللون في تشخيصها وقد انطلقت من تراكمات سنين طويلة من الآلام والعذابات، ونهضت من حالة موات سريري بفعل الممارسات البوليسية والقمعية التي انتهجها النظام السادي، الذي أحكم قبضته على الإنسان السوري منذ ولادته وحتى موته مروراً بمسيرة حياته التي تعج بالكثير والكثير من المفارقات والعجائب التي قد لا يمكن للعقل البشري تصورها أو استيعابها أو تحليلها!!
سورية اليوم، كما يعتقد الكثيرون، تمر بمرحلة حساسة ومصيرية من تاريخها، فكل الأبواب مشرعة على كل الاحتمالات الرعيبة والمخيفة على ضوء تجاهل العالم.. كل العالم لكل ما يجري فيها، ونظرته القاصرة والمحدودة لقراءة الحالة التي تعيشها الثورة السورية منذ سنة ونصف، هروباً منه إلى الأمام لعدم تحمل مسؤوليته الإنسانية والأخلاقية تجاه شعب يذبح من الوريد إلى الوريد بدم بارد.
لقد حار المحللون في تشخيص الحالة السورية حيث هناك على الساحة، حسب المنظور، خطان متوازيان لا لقاء بينهما يواصلان المسير بوتيرة متسارعة كل بحسب إمكاناته وطاقاته وصبره وجلده، كل منهما ينتظر من الآخر الاستسلام ورفع الراية البيضاء، وهما خط الثوار وخط النظام، وبالتالي فإنه لا يلوح في الأفق المنظور أن هذين الخطين قد وصل إلى أحدهما اليأس والإحباط للاستسلام للطرف الآخر والاعتراف بالهزيمة، ولكل منهما أسبابه الوجيهة والخاصة التي تدفعه إلى عدم الاستسلام للطرف الأخر.
فإذا أخذنا طرف النظام نجد فيه البطش والتدمير والقتل، جراء الطاقات المتجددة بفعل الدعم غير المحدود من حلفاء يشاطرونه الخوف من المستقبل إذا ما خارت قوى هذا النظام واستسلم للطرف الآخر، فهزيمة النظام يعني بالنسبة إليهم تبخر حلم سعوا إليه وبذلوا من أجل تحقيقه الشيء الكثير من السياسة والمال والدعاية، ففي سقوط النظام ضياع مصالح الروس في المنطقة، وسورية آخر معاقلهم التي ورثوها عن الاتحاد السوفييتي في مواجهة الغرب، وتبخر حلم إيران الصفوية في رسم خارطة الهلال الشيعي الذي تريده من طهران حتى الضاحية الجنوبية ببيروت مروراً ببغداد ودمشق، ليس من أجل وضع قدمها في مواجهة إسرائيل كما تدعي وتروج المحافل الصهيونية وإعلام الصمود والتصدي المخادع، بل في حماية حصن الدولة العبرية وتكريس وجودها، وقد تحقق لهم ذلك على يد حافظ الأسد ووريثه لأكثر من أربعين سنة وهي تجربة تستحق من الصهاينة الشعور بالارتياح إذا ما وصل صفويو طهران إلى حدودها، لأن ما يخشونه هو وصول أمويو الشام إلى تلك الحدود وقد غُيبوا عنها لأكثر من أربعين سنة، عاشت خلالها الدولة العبرية في أمن وأمان لم تعشه على كل الجبهات الأخرى رغم ما أبرمته من معاهدات واتفاقات مع حكومات تلك الدول!!
يقول بعض المحللين أن النظام السوري غبي لا يعرف كيف يستفيد من كل الفرص التي أتيحت له عبر المبادرات العربية والدولية والتي كان آخرها خطة كوفي عنان لينجو من المحنة التي أوقع نفسه بها، وأنا أقول أن النظام لم يكن في أي يوم من الأيام غبي في تعامله مع الشعب السوري، لأن عقيدة هذا النظام تقوم في صلبها على قهر هذا الشعب وسرقة ماله ونهب ثرواته وقتله والتمثيل في جثث قتلاه وتعذيب جرحاه، وتغييب شبابه في السجون والمعتقلات والمنافي والإخفاء القسري، وانتهاك الحرمات والمقدسات، وهذا ما فعله النظام على يد الأب في الماضي، ويفعله على يد الابن اليوم، وقد لا يختلف معي في هذا الرأي من يقرأ واقع هذا النظام قراءة جيدة منذ نشأته وخلال مسيرته من الأب حافظ الأسد حتى وصل إلى الوريث الابن بشار الأسد، وهذا حال شريكه وحليفه النظام الصفوي الذي يحمل نفس الاعتقاد ويتبع نفس الأسلوب تجاه مخالفيه من أصحاب الديانات والطوائف والمذاهب التي تخالفه، ما عدا اليهود الذين يحظون برعاية مميزة من رموز هذا النظام الصفوي الحاكم في طهران، ولذى نجده يستميت في دعم هذا النظام ويقدم له المساعدات المادية والعسكرية واللوجستية والخبراء والمدربين والمقاتلين عبر جسر جوي وجسر بحري وآخر بري برعاية رجله في بغداد نوري المالكي، وإن كان هناك من أغبياء بين حلفاء النظام فهم الروس الذين يغامرون بسمعتهم ومكانتهم الدولية، ومكاسبهم الاقتصادية التي يحققونها في العالم العربي والإسلامي، والتي تقدر بالمليارات عبر شبكة كبيرة من المشاريع الكبيرة والعملاقة التي يفوزون بها، إضافة إلى كل ذلك عدم تقدير القائمين على الدبلوماسية الروسية للدول الإسلامية الملاصقة لحدودها أو تلك التي تعيش في داخل جغرافيتها، والتي ترى شعوبها ما يحل بإخوانهم المسلمين السوريين على يد حليف موسكو بشار الأسد، بفعل الأسلحة الحديثة والمتطورة التي تزوده بها جهاراً نهاراً عبر جسر جوي وبحري على مدار الساعة، وهي تشهد عبر أقمارها الصناعية ووسائل اتصالاتها المتطورة التي زرعتها في سورية والبحر المتوسط عمليات القتل الممنهج التي يقوم بها النظام السوري ضد شعبه، وهذا دفع المتظاهرين في سورية إلى تسمية إحدى تظاهرات الجمع تحت شعار (روسيا عدوتنا)!!
الطرف الثاني، وهو جماهير الشعب السوري الثائرة التي لم تكل أو تمل في حشد التظاهرات السلمية وارتفاع وتيرتها كماً وكيفاً.. أفقياً وعمودياً، تغطي مساحة سورية مدناً وبلدات، قرى ونجوع وواحات، رغم ما تواجه به من عمليات قمع ممنهج وعنيف يصل حتى القتل والتدمير والتجويع والتهجير وانتهاك الحرمات واستباحة المقدسات، عندما تقوم مدفعية ودبابات وراجمات الصواريخ والحوامات الحربية وجنود الجيش الخائن والشبيحة بالاشتباك مع هذه الصدور العارية التي تواجهها بهتاف (الله أكبر.. شهداء بالملاين على الجنة راحين)، (الموت ولا المذلة)، (الشعب يريد إعدام البشار)، وتستقبل هذه الصدور العارية بشجاعة نادرة رصاص الغدر ونيران الحقد.
وأمام هذا المشهد الدرامي الرعيب هب نفر من جنود الوطن الشرفاء البواسل بالانشقاق عن هذا الجيش الخائن الذي أدار ظهره للصهاينة وتوجه بآلته العسكرية الجهنمية إلى المدن والبلدات والقرى السورية يدكها على رؤوس ساكنيها من النساء والأطفال والشيوخ دون رحمة أو شفقة، انشق هؤلاء النفر القليل ببعض ما تمكنوا من حمله من سلاح فردي وأعلنوا عن قيام الجيش السوري الحر وتكفلوا بحماية المتظاهرين والمدنيين، وكان لابد لهذه الثورة من صوت يصدح باسمها في المحافل العربية والدولية ويعبر عن مطالبها وأمانيها ويجسد أحلامها، فقامت المعارضة السورية التي تجمعت من المنافي والمهاجر، وتمكنت بعد مخاض عسير من تشكيل مجلس وطني يمثل معظم أطياف الشعب السوري، ليكون المرآة التي تعكس مطالب الشعب السوري التي تتلخص في الحرية والكرامة والديمقراطية والدولة المدنية، وصمد هذا المجلس رغم المفارقات والاختلافات والرؤى بين أعضائه، ورغم الهجمات المسعورة من النظام وبعض دعاة المعارضة الداخلية والخارجية وتشكيك البعض في رموزه، فنال ثقة الجماهير السورية الثائرة عندما خصوا إحدى الجمع باسم (المجلس الوطني يمثلنا)!!
وكانت ردة فعل النظام قوية تجاه تلك التطورات، قيام المجلس الوطني وتشكيل الجيش الحر الذي نما بسرعة وقوي عوده وأصبح هاجساً يؤرق النظام ويهز قواعده، فراح بردة فعل عمياء يحاصر المدن والبلدات والقرى ويقصفها براجمات الصواريخ والمدفعية والدبابات والطائرات الحربية والبوارج البحرية، ويرتكب الأعمال البربرية البشعة التي لم يسبقه إليها أحد من مجازر يشيب لهولها الأطفال وتتمزق لمرآها نياط قلوب الكبار والصغار، دون أن يحقق أي نجاح يذكر على الأرض، وبالعكس فإنه، كما يقول الخبراء العسكريون، لم يعد يسيطر النظام إلا على مربض دبابته، وبالتالي فإن ما يقرب من 70% من المدن والبلدات والقرى قد فقد السيطرة عليها جزئياً أو كلياً، وبالتالي وصلت عمليات الجيش الحر إلى عقر داره ومقار أعوانه في دمشق وحلب.
ولابد لنا ونحن نستعرض خريطة الوضع التي ترسم الحالة السورية من الوقوف عند ما يقدمه أصدقاء الشعب السوري من دعم لثورته، فهؤلاء الأصدقاء يقدمون جعجعة عبر العديد من البيانات المنددة والمستنكرة والمستهجنة والتصريحات النارية – باستثناء الدعم المادي المحدود لبعض دول الخليج – في إدانة النظام السوري ووضع الخطط والمشاريع والمبادرات، والتي سرعان ما تنعكس حمم وبراكين ومجازر وجرائم وقتل يقوم بها هذا النظام كردة فعل تحت مقولة المؤامرة الكونية ودعم الإرهابيين والعصابات المسلحة، مستفيداً من الفرص التي تمنحه إياها مبادرات هذه الدول سواء عن طريق الجامعة العربية أو الأمم المتحدة أو مجلس الأمن.
وبعكس ذلك فإن أصدقاء النظام السوري نراهم أكثر جدية من أصدقاء الشعب السوري، فهم يقدمون السلاح والعتاد والمال والمقاتلين والشبيحة والدعم السياسي والإعلامي للنظام السوري، وقد أقدمت روسيا مرتين لاستعمال الفيتو لإبطال قرارين من مجلس الأمن لإدانة النظام السوري، ولا تزال تلوح به وتفشل أي عمل لهذا المجلس الذي بات رهينة بيد روسيا.
ويوم أمس السبت 30 حزيران المنصرم قدمت الدول الكبرى التي عقدت مؤتمراً لها في جنيف فرصة جديدة للنظام كي يوغل في قتل السوريين عندما أخفقت، بفعل الموقف الروسي، من وضع برنامج عملي ومحدود لتنفيذ بنود خطة كوفي عنان التي أيدتها بقوة، دون أن تضع لها أنياب من خلال وضعها تحت البند السابع، تشعر النظام السوري بعواقب وخيمة إن لم ينفذ هذه البنود، ولعل ما سمعناه من لافروف وزير خارجية روسيا في مؤتمره الصحفي يجعلنا نفقد أي بصيص أمل من المجتمع الدولي في إيجاد طريقة توقف شلال الدم في سورية، وعليه فإن أي حديث عن تغيير في سورية لن يكون إلا بسواعد أبناء سورية الأحرار وبواسل جيشه الحر.

شاهد أيضاً

بالفيديو.. د. عبد الحكيم عوض: قرار عباس بحل مجلس القضاء الأعلى غير قانوني والقضاء يجب أن يكون مستقلاً

شفا – قال عضو المجلس الثوري لحركة فتح، د. عبد الحكيم عوض، ، ان “القضاء …