10:53 صباحًا / 30 يناير، 2026
آخر الاخبار

نشيد الموتى … حين تصرخ الجماجم بأسم فلسطين ، بقلم : مروان إميل طوباسي

مروان إميل طوباسي

نشيد الموتى … حين تصرخ الجماجم بأسم فلسطين ، بقلم : مروان إميل طوباسي


عادت الى ذاكرتي في هذا الصباح أغنية بصوت مارسيل خليفة كنا نستمع اليها زمن النهوض الوطني ، “نشيد الموتى” .

لا أعلم إن كانت صدفة الآن ، أم أنها جاءت تحديدا لتُعبر عما يدور في ذهني ، وتلخص شعوراً فلسطينيا عاما في هذه اللحظة القاسية من تاريخنا . لحظة تتجدد فيها فصول الإبادة الجماعية ، والاقتلاع الممنهج، والتطهير العرقي ، وسط صمت عالمي مريب ، وتواطؤ دولي يُشرعن الجريمة بدل أن يوقفها ، وكل ذلك في ظل واقع فلسطيني داخلي أليم لا أحد يوقف هشاشتة وتفككه .


في القصيدة ، لا يُرثى الموتى بقدر ما يُستحضرون كصوت حي ، كأنهم ما زالوا يتحدثون من تحت التراب ومن القبور التي دفنوا فيها وهم أحياء أو بعد حرقهم ، يقولون : “أعطيناكم كل شيء ، حتى جماجمنا”. صوت يخرج من بين العظام ليعلن أن الموتى لم يغيبوا ، وأنهم شاهدون على جراح الحي .


وما يشبه هذا النص اليوم أكثر من فلسطين؟ حيث الموت لم يعد حدثا، بل روتيناً يومي . حيث الإبادة الجماعية تُبث مباشرة على وسائل الاعلام ، والاقتلاع يتم على مرأى من العالم ، والعالم الرسمي صامت في حين تخرج الشعوب الحرة بالملايين تصرخ من اجل الحق والعدالة ، من اجلنا نحن في فلسطين .


غزة تُباد ، عائلات وبيوت تُمحى ، أحياء تُقصف بلا تمييز ، والشهداء ليسوا أرقاما ، بل أسماء ووجوه ، وأحلام أُطفئت قبل أن تنضج . الضفة بما فيها قُدسنا تُخنق ، تُقسم ، تُستباح مستوطناتاً وجيشاً يَقتل ويُدمر يومياً . فلسطينيون الداخل الباقون في حيفا ويافا يُحاصرون بالصوت والقانون العنصري والملاحقة ، وفلسطينيون الشتات يُفرض عليهم النسيان عمداً .
“يا هذا الطارق أبواب الموتى… من أنت؟”


هو العالم الذي يطرق ليس ليُسعف ، بل ليُشهِد ، ويُدين بالصمت . عالم أعطيناه دمنا ، وما زال يطلب “ضبط النفس”. عالم لا يرى في الإبادة جريمة ما دامت تُمارس ضد شعب مُقاوِم .


لكن الألم لا يأتي من الخارج فقط ، فواقعنا الفلسطيني اليوم أيضا جرح مفتوح . أنقسام ، أستئثار بمواقع ، ضعف ووهن وصَمت وانتظار ، مناكفات غبية وفئوية وصراع سلطوي بعيدا عن أحلام التحرير والعيش الكريم ، ولعدالة غائبة عن الجميع حيث الصمود بات صعبا . شعبنا الذي صمد أمام الموت ، يُستنزف من الداخل ، بواقع سياسي مغلق وعقيم ، وبِسلطات فقدت معناها . فَحذار ، فأن القلاع تُهدم من داخلها .


“لا تحرمنا النسيان”… هذه ليست فقط صرخة الموتى ، بل صرخة الأحياء منا أيضاً . نريد أن ننسى الانقسام ، أن ننسى الصمت وطوابير الانتظار ، أن ننسى الشعارات الفارغة والخطابات المكررة . نريد ذاكرة وطنية حُرة لا مثقلة بالخذلان ومشاركة واسعة في بناء رؤية تأخذنا الى طريق الإستقلال .


ومع ذلك ، “نسير” ، نسير بلا أرجل ، لأننا شعب لا يحتاج سوى لإرادة . نسير لأن غزة لم تسقط رغم كل شيء ، لأن الطفل الذي فقد عائلته ما زال يحلم ، لأن العجوز بالضفة الذي اقتُلع من أرضه بالنكبة الاأولى ما زال يحتفظ بمفتاح البيت رغم نكبته الثانية اليوم .


“نشيد الموتى” هو نشيد فلسطين ، لا موت يُسكتها ، لا قيد يُكسرها ، ولا ظلم يُنهيها . هي تمضي ونحن معها ، نمضي رغم كل شيء .

شاهد أيضاً

الشاعرة الأديبة أفنان جولاني تصدر ديوانين شعريين جديدين وتشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب

الشاعرة الأديبة أفنان جولاني تصدر ديوانين شعريين جديدين وتشارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب

شفا – صدر عن دور نشر مصرية، بالتعاون مع مؤسسة الهاشمي الثقافية في العاصمة المصرية …