
من مكناس إلى ستراسبورغ… رحلة هاجر أوحسين مع الأدب ، بقلم : نزار موسى أبو دهيم
ليست المدن العريقة مجرد أماكن نمرّ بها، أو معالم تاريخية نتوقف أمامها لالتقاط الصور؛ إنها ذاكرة متراكمة، تختزن في شوارعها وبيوتها وأسواقها حكايات أجيال تعاقبت عليها، وتركت في تفاصيلها شيئًا من حياتها وثقافتها. ومكناس المغربية واحدة من تلك المدن التي لا تحتاج إلى كثير من الكلام كي تكشف عن عراقتها؛ فأبوابها وأسوارها وأزقتها القديمة شواهد حاضرة على تاريخ طويل، ما زالت ملامحه جزءًا من الحياة اليومية لأهلها.
في مكناس، لا ينفصل الماضي عن الحاضر. فالمكان يحتفظ بخصوصيته في العمارة والأسواق والعادات والتقاليد، كما تظهر ملامح هويته في تفاصيل الحياة الاجتماعية والمطبخ المحلي. وتبدو المدينة، لمن يتأملها، كأنها صفحات مفتوحة من كتاب التاريخ؛ لكل باب حكاية، ولكل زقاق ذاكرة، ولكل بيت خصوصية تميّزه.
ولا تكتمل صورة المدن من خلال مبانيها وآثارها وحدها، فهناك جوانب أخرى تحفظ روح المكان، من بينها الموروث الغذائي الذي ينتقل من جيل إلى آخر. والمطبخ المغربي مثال واضح على هذا الثراء، بما يضمه من أطباق ونكهات تجمع بين تنوع المكونات وأصالة التقاليد. ومن أطباقه المعروفة طاجين المروزية، الذي يجمع اللحم بالزبيب والعسل والتوابل، والرفيسة المحضّرة بالمسمن والمرق والعدس والدجاج. أما حلويات الملوزة والغريبة باللوز، فتحتفظ بمكانة خاصة في ذاكرة المذاق المغربي، بما تمتاز به من نكهة اللوز والسكر وماء الزهر.
لكن الحديث عن مكناس لا يقف عند حدود تاريخها ومعالمها وموروثها الثقافي، بل يقودنا أيضًا إلى أبنائها الذين حملوا شيئًا من هويتها في مساراتهم وتجاربهم. ومن هؤلاء الكاتبة والمترجمة المغربية هاجر أوحسين، التي تنتمي إلى هذه المدينة، وتخوض تجربتها الأدبية عبر لغتين، تجمع فيهما بين الكتابة والترجمة، وبين أشكال أدبية متعددة.
وُلدت هاجر أوحسين في مدينة مكناس، وجمعت في مسيرتها بين التكوين العلمي والاهتمام بالأدب واللغات. فقد درست العلوم الجيوماتيكية والهندسة الطبوغرافية، وحصلت على دبلوم مهندسة دولة من معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط. غير أن مسارها لم يقتصر على مجال تخصصها العلمي، بل امتد إلى عالم الكتابة والإبداع، حيث تكتب بالعربية والفرنسية، وتتنقل بين القصة القصيرة جدًا والنصوص النثرية والشعر.
وتكشف مسيرة هاجر أوحسين عن موهبة أدبية تتجاوز حدود الاهتمام العابر بالكتابة؛ فقد اتخذت من الأدب مساحة للتعبير عن رؤيتها، وتنقّلت بين أجناسه المختلفة، من القصة القصيرة جدًا إلى النص النثري والقصيدة الشعرية. كما أن كتابتها بالعربية والفرنسية تمنح تجربتها مجالًا أوسع للتعبير، وتتيح لها التعامل مع اللغة بوصفها أداة للإبداع واكتشاف المعاني. ويبدو هذا التنوع في إصداراتها الأدبية ومشاركاتها الثقافية، حيث لا تكتفي بالكتابة والتأليف، بل تنفتح على الترجمة والقراءة والإلقاء وورشات الكتابة الإبداعية، في مسار يعكس شغفًا بالأدب وحرصًا على تنمية أدواتها وتوسيع آفاق تجربتها.
وقد أصدرت كتاب «أضغاث أحلام»، وهو مجموعة من القصص القصيرة جدًا، عن دار مقاربات للنشر والصناعات الثقافية بفاس، كما أصدرت كتاب «كواليا»، الذي يضم نصوصًا نثرية، عن منشورات أوريون. وفي باريس صدر لها ديوان شعري باللغة الفرنسية بعنوان Habiter le presque، عن منشورات لو ليس بلو (Le Lys Bleu).
ولم تتوقف مشاركاتها عند مؤلفاتها الخاصة، بل امتدت إلى الأعمال الأدبية الجماعية، إذ شاركت في مجموعة قصصية يُنتظر صدورها عن دار خطوط وظلال في الأردن، إلى جانب اشتغالها على مشاريع أدبية جديدة باللغتين العربية والفرنسية.
وتحتل الترجمة جانبًا آخر من تجربتها؛ فهي تترجم بين العربية والفرنسية والإنجليزية، وقد ترجمت عددًا من أعداد مجلة «الهوبوز» الموجّهة للأطفال في مصر. والترجمة هنا ليست مجرد انتقال من لغة إلى أخرى، بل عمل يتطلب إدراكًا لمعاني النص وروحه، والقدرة على نقل ما يحمله من دلالات إلى قارئ ينتمي إلى لغة وثقافة مختلفتين.
أما نشاطها الثقافي، فيتواصل من خلال مشاركتها في الفعاليات الأدبية بمدينة ستراسبورغ الفرنسية، حيث تسهم في القراءات الأدبية وتقديم المحاضرات، وتيسير ورشات الكتابة الإبداعية، إلى جانب انتمائها إلى جمعيات تضم أدباء وشعراء. كما تهتم بالأداء والإلقاء الصوتي باللغتين العربية والفرنسية، وتنشر تسجيلاتها الأدبية عبر قناتها على يوتيوب.
ومن اللافت في تجربة هاجر أوحسين هذا التنوع بين التكوين العلمي والكتابة والترجمة والعمل الثقافي؛ فهي لا تحصر اهتمامها في جنس أدبي واحد، ولا في لغة واحدة، بل تفتح لنفسها مساحات مختلفة للتعبير والتواصل. وهذا التنوع يمنح تجربتها ملامح خاصة، ويجعل التعريف بها مدخلًا للتعرف إلى جانب من الحراك الأدبي المغربي خارج حدوده الجغرافية.
ولعل الحديث عن انتمائها إلى مكناس يفتح أمامنا بابًا آخر للتأمل في علاقة الكاتب بالمكان. فالمدن ليست مجرد عناوين في السير الذاتية، بل هي فضاءات تتشكل فيها ذاكرة الإنسان، وتبقى صورها وتفاصيلها جزءًا من تجربته، وإن لم يكن من الضروري أن تظهر آثارها بصورة مباشرة في كتاباته.
وهكذا تجمع حكاية مكناس وهاجر أوحسين بين ذاكرة المكان وتعدد مسارات الإبداع؛ مدينة تصون تاريخها في عمارتها وأبوابها وأسواقها، وكاتبة تشق طريقها بين العربية والفرنسية، وتضيف إلى تجربتها الأدبية والترجمية محطات جديدة. وبين المكان الذي يحفظ حكايات الماضي والكلمة التي تعبر الحدود، تبقى الثقافة جسرًا يصل الإنسان بمكانه، ويعرّفه إلى الآخرين.
نزار موسى أبو دهيم – كاتب من الأردن
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.