
شفا – صوت الكلمة في مدارات الضوء والوجدان : مع الإعلامية اللبنانية مريم أبوزيد
حوار:عطا درغام
تتداخل في تجربتها ملامح القصيدة المكتوبة بنبرة البث التلفزيوني والمنبري، لتقدم نمطاً حوارياً وإبداعياً يمزج بين رهافة الحرف وعين الملاحظة الإعلامية. تطل علينا الشاعرة والإعلامية اللبنانية مريم أبو زيد كحالة تعبيرية متكاملة، تأخذ من الكلمة وسيلتها للعبور نحو هموم الإنسان وقضايا المجتمع، محولة المنصات الرقمية والشاشات إلى مساحات لقراءات وجدانية حية تنبض بالحياة والأمل. في هذا الحوار، نقترب من تفاصيل نصوصها، وأسلوبها الحواري، ورؤيتها للمشهد الثقافي من خلال زوايا غير تقليدية تبحث في جوهر الممارسة الإبداعية اليومية.
- حين يتحول النص المكتوب إلى مقطع مرئي ينساب بالصوت والصورة، ما الذي يتغير في جسد القصيدة لكي يتلقاها جيل الشاشات السريعة؟
لا يتغير جوهر القصيدة، بل تتغير وسيلة وصولها إلى المتلقي. فالصوت والصورة يمنحان الكلمة حياة إضافية، لكن يبقى المعنى هو الأساس.
- كيف تنجو لغة الوجدان من سطوة المشاهدة المليونية التي تبحث في الغالب عن الإثارة العابرة بدلاً من المعنى العميق؟
بالصدق والعمق. قد تجذب الإثارة المشاهدات، لكن الكلمة الصادقة وحدها تستطيع أن تبقى في الذاكرة وتلامس الروح.
- في أدائك الصوتي والإلقائي، هل يصبح الصوت امتداداً للحبر أم أنه يعيد صياغة المشاعر في لحظة المواجهة مع الكاميرا؟
بالتأكيد، فالصوت يمنح الحرف إحساسه، ويكشف ما بين الكلمات من مشاعر. أحياناً لا تكفي القراءة، بل يحتاج النص إلى صوت يشعر به.
- إلى أي مدى تفرض التكنولوجيا شروطاً خفية على اختيار المفردة وطول الجملة في قصائدك ونصوصك النثرية الحديثة؟
نعم، تفرض التكنولوجيا إيقاعاً أسرع، لكنها لا ينبغي أن تفرض علينا التنازل عن لغتنا أو هويتنا الأدبية. علينا أن نواكب العصر دون أن نفقد أنفسنا.
- ما بين التفاعل اللحظي بالتعليقات والإعجابات وبين العزلة التي تولد فيها النصوص، أين تجدين الحقيقة الكاملة للمبدع؟
في العزلة الأولى حين يولد النص، وفي صدقه حين يخرج إلى الناس. أما الإعجابات والتعليقات فهي تفاعل جميل، لكنها ليست مقياساً حقيقياً للإبداع.
- عند مناقشة القضايا الاجتماعية في برامجك الحوارية، ما هي الحدود الفاصلة بين رصد الظاهرة الإنسانية وبين الوقوع في فخ الاستعراض البرامجي؟
الفرق يكمن في الهدف؛ فالإعلام الحقيقي يبحث عن فهم المشكلة وإضاءة أسبابها، لا عن استثمار وجع الناس لتحقيق المشاهدات.
- كيف يمكن للمحاور أن يكسر الأنماط الجاهزة في عقول الضيوف ويقودهم نحو منطقة البوح الفكري الصادق؟
بالإنصات الجيد، والأسئلة العميقة، وخلق مساحة آمنة للحوار بعيداً عن الأحكام المسبقة.
- في لقاءات توقيع الكتب والندوات، كيف تصنعين هرمية متوازنة تجمع بين رغبة الجمهور العادي في الفهم وبحث المتخصصين عن العمق؟
أحرص على تقديم الفكرة بلغة واضحة لا تفقد عمقها، فالثقافة ليست حكراً على المتخصصين، والمعرفة حق للجميع.
- ما الذي ينقص الحوار الثقافي اليوم لكي يستعيد قدرته على التأثير والتحريك، بدلاً من بقائه في دائرة المجاملات التقليدية؟
ينقصه الصدق والجرأة والابتعاد عن المجاملات. نحن بحاجة إلى حوار ينتج فكراً، لا إلى لقاءات تتبادل المديح.
- كيف يسهم الميكروفون في نقل صوت الهامش والموجوعين، وتحويل الألم الفردي إلى قضية جماعية تبحث عن حل؟
الميكروفون مسؤولية قبل أن يكون أداة إعلامية، ومن واجبنا أن نمنح صوتاً لمن لا يجد من يسمعه، وأن نحول قضاياه إلى مساحة وعي ومطالبة بالحقوق.
- هل تمنحك شاشة التلفاز مساحة من الواقعية تعوضك عن التحليق الخيالي الذي يتطلبه كتاب الأدب والنثر؟
الإعلام يمنحني الاحتكاك بالواقع، والأدب يمنحني القدرة على إعادة اكتشافه. هما عالمان مختلفان، لكنهما يغذيان تجربتي الإنسانية.
- كيف يتصرف الإعلامي في داخلك عندما يرى الشاعر يندفع نحو لغة الرمز والغموض، هل يضع له كوابح مهنية؟
لا أضع كوابح للخيال، لكنني أؤمن بأن لكل مساحة لغتها. الإعلام يحتاج إلى الوضوح، والأدب يحتاج إلى حرية التأويل.
- إلى أي حد تساعد المعايشة اليومية للقصص الإنسانية في العمل الصحفي على تغذية قاموسك الفني بصور حية لا تولد في الخيال وحده؟
الإنسان هو منبع الأدب الأول. كل حكاية أعيشها أو أسمعها تترك أثراً في داخلي، وقد تتحول لاحقاً إلى صورة أو فكرة أو نص.
- حين تخلعين عباءة التقديم والبرامج الرسمية، ما هي أول الكلمات التي تبحث عن حريتها على الورق الأبيض؟
أبحث عن الكلمات التي لا تخضع لقواعد الأسئلة والأجوبة، عن تلك التي تشبه روحي، وتحمل دهشتي وأسئلتي وما لا أقوله أمام الكاميرا.
- هل ترين أن الكتابة الأدبية هي الحقيقة الثابتة للإنسان، بينما الإعلام هو اللحظة المتغيرة التي يفرضها الإيقاع اليومي؟
الأدب ذاكرة الإنسان وامتداد روحه، والإعلام مرآة اللحظة. لكن كليهما يستطيع أن يوثق الحقيقة ويترك أثراً في الوعي.
- في نصوصك التي تحمل طابع الوجع، كيف يتحول الألم الشخصي إلى لغة عامة يجد فيها كل قارئ حكايته الخاصة؟
حين أكتب بصدق، أتجاوز حدود تجربتي الشخصية، فيجد القارئ شيئاً من نفسه بين السطور. فالمشاعر الإنسانية لا تعرف الحدود.
- ما هي الاستعارات التي تلجئين إليها عندما تضيق الكلمات المباشرة عن وصف اللحظات الإنسانية الأكثر تعقيداً؟
ألجأ إلى الصور المستمدة من الطبيعة والضوء والظل والذاكرة، لأن الرمز أحياناً يقول ما تعجز العبارة المباشرة عن قوله.
- بين الوجد والوجع مسافة خيط رفيع، كيف تديرين هذا التناقض داخل النص الواحد دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟
أراهما وجهين للتجربة الإنسانية؛ فالوجد يمنح الروح اتساعها، والوجع يمنحها عمقها، وبينهما تولد الكتابة.
19. كيف تنعكس تفاصيل وروح البيئة المعاصرة على طبيعة المفردات التي تختارينها لبناء نصوصك النثرية؟
الكاتب ابن عصره، وما يحيط بنا من تحولات اجتماعية وإنسانية ينعكس حتماً على لغتنا وصورنا وأسئلتنا.
- هل تعتقدين أن النص الناجح هو الذي يمنح القارئ إجابات مريحة، أم ذلك الذي يتركه في حالة تساؤل وبحث مستمر؟
أؤمن أن النص الناجح ليس بالضرورة ما يقدم إجابات، بل ما يوقظ في القارئ أسئلة جديدة ويدفعه إلى التفكير.
- من خلال مشاركاتك في معرض الكتاب والفعاليات الكبرى، ما الذي يربط بين الأدب المكتوب في الداخل وحركة الإبداع في المغترب؟
اللغة والذاكرة والانتماء الإنساني. قد تفصلنا الجغرافيا، لكن الإبداع يظل جسراً يربط الوطن بأبنائه في كل مكان.
- كيف يمكن للمبادرات الثقافية المستقلة والروابط الاجتماعية أن تسد الفراغ الذي تتركه المؤسسات الرسمية في دعم المبدعين؟
من خلال المبادرة والعمل الجماعي وخلق مساحات حقيقية للنشر واللقاء. فالثقافة لا تنتظر دائماً الدعم الرسمي كي تستمر.
- ما هي المقاييس الجمالية الحقيقية التي تفضلين الاعتماد عليها لتقييم النصوص بعيداً عن صراعات التيارات الأدبية؟
أبحث عن أصالة الفكرة، وخصوصية اللغة، وعمق الصورة، والقدرة على الدهشة. والأهم أن يمتلك النص روحه الخاصة.
- كيف تصنع المنتديات الحالية بيئة قادرة على احتضان الأقلام الجديدة دون تصنيف مسبق أو تنميط لأفكارهم؟
بمنحها الفرصة، وتشجيعها على التطور، واحترام اختلافها، بعيداً عن المحسوبيات والتصنيفات المسبقة.
- في فضاء تعبيري واسع ومتداخل، كيف تحافظ التجربة الأدبية على هويتها وخصوصيتها وملامحها المستقلة؟
بأن ينفتح الأدب على العالم دون أن يتخلى عن جذوره، وأن يواكب التطور دون أن يفقد صوته الخاص. فالهوية الأدبية تنبع من صدق التجربة وتفرد الكاتب.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.