
وَرقة تَقدير مَوقف: الانتخابات الإِسرائيليّة وتَداعياتها الاستراتيجيّة على مُستقبل الضِفة الغَربيّة: سِيناريوهات التَحوّل السياسيّ ومَآلات الاستيطان والضّم وانعكاساتها على القَضيّة الفِلسطينيّة ، بقلم: د. شحادة غريب
أولاً: المُلخص التنفيذيّ:
تَأتي الانتخابات الإِسرائيليّة للكِنيست السادس والعشرين في سيّاق سياسيّ وأَمنيّ بالغ التعقيد، تتداخل فيه أَزمة الثقة الداخليّة، والخلافات حول إِدارة الصّراعات الإِقليميّة، ومُستقبل الائتلافات الحَاكمة، واتجاهات السياسة الإِسرائيليّة تِجاه الفلسطينيين، ولا تقتصر أَهميّة هذه الانتخابات على تحديد هُويّة رئيس الحُكومة المُقبلة، بل تمتد إلى طبيعة التوازنات الحزبيّة التي ستتحكم في القَرارات المُتعلقة بالضفة الغربيّة، والاستيطان، والسيّطرة الأَمنيّة، ومُستقبل التَسويّة السياسيّة.
وتنبع الأَهميّة الاستراتيجيّة للانتخابات من أنّ نتائجها ستتفاعل مع مسار قائم من التوسع الاستيطانيّ، وتَعزيز السيطرة الإِداريّة الإِسرائيليّة على أَجزاءٍ من الضفة الغربية، وقد حذرت الأُمم المُتحدة، في إِحاطتها أمام مجلس الأَمن بتاريخ (28 سبتمبر/أيلول 2026)، من أنّ التدابير الإِسرائيليّة الراميّة إلى تعميق السيطرة الإِداريّة والإِقليميّة في الضفة الغربيّة تُسهم في توسيع الاستيطان وتَقويض فُرص التَوصل إلى حلّ الدولتين.
وتَنطلق هذه الوَرقة من فَرضيّة أَساسيّة مَفادها أنّ تغيير الحُكومة الإِسرائيليّة لا يعني بالضرورة حُدوث تحول جَوهريّ في السياسة تجاه الفلسطينيين؛ إذ تتوقف طبيعة التحول ومداه على تركيبة الائتلاف الحاكم، وأَولويات الأَحزاب المُشاركة فيه، والقُيود الأَمنيّة، والقانونيّة، والدّوليّة المُحيطة بصناعة القرار، وتَطرح الورقة ثلاثة سيناريوهات رئيسيّة: استمرار النهج القائم مع تعميق الوقائع الاستيطانيّة؛ وتَشكيل حُكومة أَكثر اعتدالاً نسبياً في إِدارة الملف الفلسطينيّ دُون تحول استراتيجيّ شامل؛ واستمرار الانسداد السياسيّ بما يفضي إلى هشاشة حُكوميّة، أو تَجدد الأَزمة الانتخابيّة، وتُرجح الورقة، على سبيل التقدير التحليليّ لا التنبؤ بنتيجة الاقتراع، أن يَظل مُستقبل الضفة الغربيّة مَحكوماً بالتفاعل بين اتجاهات السياسة الإِسرائيليّة، ومواقف الائتلافات، وقُدرة الفلسطينيين على تَعزيز صُمودهم السياسيّ والمُؤسسيّ، ومُستوى الضغط الدّوليّ الفِعليّ.
ثانياً: إِشكاليّة الوَرقة والسُؤال المركزيّ:
تَتمثل إِشكاليّة الورقة في تحديد مدى قُدرة الانتخابات الإِسرائيليّة على إِحداثِ تغيير مَلموس في السياسات المُرتبطة بالضفة الغربيّة، في ظلِّ التداخل بين التنافس الحزبيّ الداخليّ واستمراريّة التَوجهات الأَمنيّة والاستيطانيّة، وتَنبثق عن هذه الإِشكاليّة مَجموعة من الأسئلة: ما أَثر تَوازنات القُوى الحزبيّة في تَشكيل الحُكومة المُقبلة؟ وإلى أيّ مَدى يُمكن أن تتغير سياسات الاستيطان والضم الفعليّ؟ وما انعكاسات هذه التَحوّلات على السُلطة الفلسطينيّة، والجَغرافيّا السياسيّة للضفة الغربيّة، وإِمكانات إِقامة دولة فلسطينيّة قَابلة للحياة؟ وما الخيارات المُتاحة أَمام القيادة الفلسطينيّة للتعامل مع السيناريوهات المُحتملة؟، وتعتمد الوَرقة مَنهج تقدير الموقف، من خلال تحليل البيئة السياسيّة الإِسرائيليّة، وتحديد المُتغيرات المُؤثرة في صُنع القرار، وبناء سِيناريوهات مُستقبليّة مَشروطة، ثُمّ استخلاص التَداعيّات الاستراتيجيّة والبَدائل السياسيّة المُمكنة.
ثالثاً: السيّاق السياسيّ للانتخابات الإِسرائيليّة:
تَجري الانتخابات في ظلّ تنافس بين مُعسكر يَقوده بنيامين نتنياهو، مُستنداً إلى حزب الليكود وشُركاء من اليمين الدّينيّ والقوميّ، ومُعسكرات مُعارضة تتباين في تَوجهاتها السياسيّة والأَمنيّة، رغمّ اشتراك قطاعات منها في انتقاد إِدارة الحُكومة الحاليّة، ووفقاً لخدمة الأَبحاث التَابعة للبرلمان الأُوروبيّ، فإنّ استطلاعات الرأيّ المنشورة قبل الانتخابات تُشير إلى صُعوبة حَسم أَغلبيّة مُستقرة لأيّ من المُعسكرين، في ظلّ حاجة أيّ حُكومة إلى دعم (61) عُضواً على الأَقل من أصل (120) عُضواً في الكنيست، كما تحد الخلافات بشأنّ مُشاركة الأَحزاب العربيّة في الائتلافاتِ من خيارات تَشكيل الحُكومة، وتَكشف هذه المُعطيات أنّ التصويت الشعبيّ لا يُمثل وحده المُحدد النهائيّ لاتجاه السياسة الإِسرائيليّة، بل تُؤدي المُفاوضات الائتلافيّة دَوراً مِحورياً في تحويل نتائج الانتخابات إلى سياسات حُكوميّة، فقد تَحصل الأَحزاب الصغيرة على قُدرة تَفاوضيّة تفوق حَجمها الانتخابيّ النسبيّ إذا كانت أَصواتها ضروريّة لتَأمين الأَغلبيّة البرلمانيّة.
وفي المَلف الفلسطينيّ، لا ينبغي افتراض وُجود قطيعة كاملة بين المُعسكرات الإِسرائيليّة المُتنافسة، فقد أَشار تقرير لرويترز بتاريخ (22 أُكتوبر/تشرين الأول 2026) إلى وُجود اختلافات بين نتنياهو، ومُنافسه غادي آيزنكوت بشأن بعض جوانب الاستيطان، بما فيها التعامل مع البُؤر غير المُرخصة ومنطقة (E1)، مع استمرار تَقارب مَواقفهما في رفض قيام دولة فلسطينيّة مُستقلة وفي الإِصرار على ترتيبات أَمنيّة إِسرائيليّة واسعة النطاق، وبالتاليّ، فإنّ المَسألة المَركزيّة ليست فقط تحديد الحزب الفائز، وإِنّما فهم المَسافة بين البرامج الانتخابيّة والقَرارات الحُكوميّة، ومدى قُدرة الشُركاء الائتلافيين على فَرض أَولوياتهم في المَلفات الإِقليميّة والفِلسطينيّة.
رابعاً: الضفة الغربيّة بوَصفها سَاحة للصّراع على الجَغرافيا والسيّادة:
تُمثل الضفة الغربيّة مِحوراً استراتيجياً في الصّراع الفلسطينيّ–الإِسرائيليّ؛ إذ تَرتبط أَهميتها بموقعها الجغرافيّ، وامتدادها السُكانيّ، واتصالها بشرق القُدس، ودَورها المُفترض في أيّ تسويّة سياسيّة مُستقبليّة، ولا يقتصر التأثير الاستيطانيّ على زيادة عدد المُستوطنات، أو تَوسيع حُدودها، بل يشمل أيضاً شبكات الطُرق، والقُيود المَفروضة على الحركة، وتوزيع المَوارد، والتخطيط العمرانيّ، والسيطرة على الأَراضيّ، وتُؤثر هذه العناصر مُجتمعة في قُدرة التَجمعات الفلسطينيّة على النمو، والتواصل الجغرافيّ، والاقتصاديّ، وتَكتسب منطقة (E1) أَهميّة خاصة بسبب مَوقعها بين شرق القُدس ومُستوطنة معاليه أدوميم؛ إذ يُمكن للتوسع العمرانيّ الاستيطانيّ فيها أن يُفاقم تجزئة المجال الجغرافيّ المُحيط بالقدس ويُعقد التواصل بين أَجزاء من الضفة الغربيّة، وقد أَبرزت التغطيّة التحليليّة لرويترز هذا الملف ضِمن نقاط الاختلاف بين نتنياهو وآيزنكوت.
ومن الناحيّة التحليليّة، ينبغي التمييز بين الضّم القانونيّ المُعلن، الذي يَتخذ شَكل إِخضاع الأَراضيّ للسيّادة الإِسرائيليّة عَبر إِجراء رسميّ، والضّم الفعليّ، أو الزاحف، الذي يتقدم عبر تغييرات إِداريّة، وقانونيّة، وميدانيّة مُتراكمة، حتى دُون إِعلان رسميّ شامل، وتَكمن خُطورة النَمط الثانيّ في أنّه قد يُعيد تشكيل الواقع على الأرض تدريجياً، ويَزيد تَكلفة التراجع عن التدابير المُتخذة، ويُضعف الأَساس الجغرافيّ والسياسيّ الذي تَستند إليه مُفاوضات الحل النهائيّ، وفي هذا السيّاق، حَذرت الأُمم المُتحدة من أنّ التدابير الإِسرائيليّة لتَعميق السيطرة على الضفة الغربيّة، إلى جانب هدم المُنشآت المدنيّة وعَمليات التهجير، تُثير مَخاوف بشأنّ حُقوق الفلسطينيين وإِمكانات التوصل إلى تسوية قائمة على دولتين.
خامساً: المُتغيرات الحَاكمة لمُستقبل الضفة الغربيّة:
يُمكن تحديد خمسة مُتغيرات رئيسيّة ستُؤثر في اتجاهات السياسة الإِسرائيليّة بعد الانتخابات:
- طبيعة الائتلاف الحُكوميّ: كُلما اعتمدت الحُكومة على أَحزاب تجعل توسيع الاستيطان، أو فَرض السيّادة الإِسرائيليّة عَلى أَجزاء من الضفة الغربيّة أَولويّة سياسيّة، ازدادت احتمالات تَرجمة هذه الأَهداف إلى إِجراءات تنفيذيّة، أمّا الائتلافات الأَوسع والأَكثر تَنوعاً فقد تُواجه قُيوداً داخليّة تحدّ من سُرعة اتخاذ تلك القَرارات.
- التوازن بين الاعتبارات الأَمنيّة والاعتبارات السياسيّة: قد تستخدم الحُكومة الاعتبارات الأَمنيّة لتبرير استمرار السيطرة المَيدانيّة والقُيود المَفروضة على الحركة، وفي المُقابل، قد تدفع الاعتبارات الاقتصاديّة والدّبلوماسيّة بَعض الأَطراف إلى تَفضيل إِدارة الصّراع بدلاً من توسيعهِ.
- الوضع المُؤسسيّ الفلسطينيّ: تُؤثر قُدرة السُلطة الفلسطينيّة على تقديم الخدمات، والحفاظ على الاستقرار المُؤسسيّ، وتعزيز الشَرعيّة السياسيّة، في طبيعة البيئة التي تتخذ فيها القَرارات الإِسرائيليّة، كما أنّ استمرار الأَزمة الماليّة والمُؤسسيّة يَرفع تَكلفة الأَزمات على المُجتمع الفلسطينيّ ويحد من خيارات الاستجابة.
- البيئة الدّوليّة: تُشكل المَواقف الأَمريكيّة، والأُوروبيّة، والأُمميّة عاملاً مُؤثراً في حسابات الحُكومة الإِسرائيليّة، لكن أثرها يتوقف على مدى تحول التصريحات السياسيّة إلى إِجراءات دُبلوماسيّة، أو اقتصاديّة، أو قانونيّة قابلة للتنفيذ.
- التَطورات الإِقليميّة: تَرتبط حسابات الأَمن الإِسرائيليّ بتَطورات غَزة، ولُبنان، وإِيران، والبَحر الأَحمر، وبمُستوى التوتر الإِقليميّ، وقد تُؤدي الأَزمات الأَمنيّة إلى تَعزيز الاتجاهات المُتشددة، أو إلى زيادة الضُغوط الداخليّة والدّوليّة باتجاه تَرتيبات أَكثر استقراراً.
سادساً: السِيناريوهات المُحتملة:
- السِيناريو الأَول: استمرار النهج القائم وتعميق الوقائع الاستيطانيّة، يَفترض هذا السيناريو تشكيل حُكومة تعتمد على أَحزاب اليمين، والقُوى الدّينيّة، والقَوميّة التي تدعم توسيع الاستيطان، أو تعزيز السيطرة الإِسرائيليّة على الضفة الغربيّة، وفي هذه الحالة، قد يَستمر التوسع الاستيطانيّ، وتتزايد الإِجراءات الإِداريّة التي تُعزز السيطرة الإِسرائيليّة، مع احتمال اتخاذ خُطوات إِضافيّة في المناطق ذات الأَهميّة الجَغرافيّة والاستراتيجيّة، ولا يَشترط هذا السيناريو إِعلان ضم قانونيّ شامل؛ فقد يتقدم عبر إِجراءات تَدريجيّة، وتوسيع صَلاحيات المُؤسسات الإِسرائيليّة في الأَراضيّ المُحتلة، وتكريس واقع ميدانيّ يَصعب تغييره لاحقاً، وتَتمثل تداعياته المُحتملة في زيادة التجزئة الجغرافيّة، وتَفاقم الضُغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة على الفلسطينيين، وتَراجع فُرص التوصل إلى تَسويّة سياسيّة مُتفاوض عليها، كما قد يَرفع احتمالات التوتر الميدانيّ ويَزيد الضُغوط على المُؤسسات الفلسطينيّة، غير أنّ تَحقق هذا السيناريو يظل مَشروطاً بتماسك الائتلاف وقدرته على تمريرِ سياساتهِ، فضلاً عن مُستوى الاعتراض الدّوليّ، وحجم القُيود الأَمنيّة، والاقتصاديّة التي قد تُواجهها الحُكومة.
- السِيناريو الثاني: حُكومة أَكثر اعتدالاً نِسبياً في إدارةِ الملف الفلسطينيّ، يقوم هذا السيناريو على تشكيل حُكومة تَقودها قُوى مُعارضة، أو ائتلافات أَكثر تنوعاً، تكون أَقل استعداداً لدعم بعض أَشكال التوسع الاستيطانيّ، أو أَكثر ميلاً إلى ضبط البُؤر غير المُرخصة والعُنف المُرتبط بالمُستوطنين، وقد يُؤدي هذا التحول إلى اختلاف في أَدوات إِدارة الضفة الغربيّة، بما يَشمل تشديد الرقابة على بعض الأَنشطة الاستيطانيّة، أو الحدّ من إِجراءات مُعينة، أو إعادة ترتيب الأَولويات الدّبلوماسيّة والأَمنيّة، لكن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة انتقالاً إلى تَسويّة نهائيّة، أو اعترافاً بدولة فلسطينيّة مُستقلة، فقد أَشار تقرير رُويترز إلى أنّ بعض المواقف الأَساسيّة المُتعلقة بالدولة الفلسطينيّة والسيطرة الأَمنيّة الإِسرائيليّة لا تَزال مُشتركة بين نتنياهو وآيزنكوت، على الرغم من اختلافهما بشأن جوانب من سياسة الاستيطان، وعليهِ، قد يَتمثل التغيير في إدارة بعض الملفات، لا في إعادة صياغة شاملة للعلاقة السياسيّة مع الفلسطينيين، وستعتمد مساحة التحول على هُويّة الشُركاء الائتلافيين، ومَدى استعداد الحُكومة لتحمل تَكلفة القرارات التي قد تُواجه اعتراضاً من قُوى اليمين.
- السِيناريو الثالث: الانسداد السياسيّ وهشاشة الحُكم، يفترض هذا السيناريو عدم قُدرة أيّ مُعسكر على تشكيل حُكومة مُستقرة، أو تشكيل حُكومة بأَغلبيّة مَحدودة تُعاني خلافات داخليّة بشأن القضايّا الأَمنيّة، والدّينيّة، والاقتصاديّة، والفلسطينيّة، وفي هذه الحالة، قد تَتراجع قُدرة الحُكومة على اتخاذ قَرارات استراتيجيّة بعيدة المَدى، لكن ذلك لا يعني بالضرورة توقف التوسع الاستيطانيّ، أو تَراجع الإِجراءات الميدانيّة، فقد تَستمر السياسات القائمة بفعل القَرارات الإِداريّة السابقة، أو بفعل صَلاحيّات المُؤسسات الحُكوميّة، أو نتيجة غياب تَوافق سياسيّ يَسمح بتغييرها، وقد يخلق الانسداد السياسيّ فُرصة لبعض الأَطراف لتعزيز الوقائع الميدانيّة قبل استقرار الحُكومة، كما قد يُؤدي إلى تأجيل قَرارات كُبرى، أو إِعادة الانتخابات، وتَكمن المُخاطرة الأَساسيّة في اتساع الفجوة بين غياب الاستقرار السياسيّ في إِسرائيّل واستمرار التَغيرات على الأَرض الفلسطينيّة.
سابعاً: التَداعيّات الاستراتيجيّة على القَضيّةِ الفلسطينيّةِ:
تَتجاوز تداعيات الانتخابات مَسألة العلاقة الثُنائيّة بين الحُكومة الإِسرائيليّة والقيّادة الفلسطينيّة، لتطال مُستقبل المَشروع الوطنيّ الفِلسطينيّ في أَبعادهِ السياسيّة، والجَغرافيّة، والمُؤسسيّة، وذلك على النحو الآتي:
أولاً، قد تُؤدي استمراريّة التوسع الاستيطانيّ إلى زيادة صُعوبة تحقيق التواصل الجغرافيّ الضروريّ لقيام دولة فلسطينيّة قابلة للحياة، فكُلما تراكمت التغييرات الميدانيّة، ازدادت الحاجة إلى ترتيبات أكثر تعقيداً لمُعالجة قضايا الحُدود، والقُدس، والأَراضيّ، والمَوارد.
ثانياً، يُمكن أن تتفاقم الضُغوط على السُلطة الفلسطينيّة إذا تزامن استمرار القُيود الميدانيّة مع أَزمة ماليّة وتَراجع الثقة السياسيّة، وقد يَضع ذلك المُؤسسات الفلسطينيّة أَمام مُعادلة صعبة بين الحفاظ على قُدرتها على أداء الوظائف الأَساسيّة، وبين الاستجابة للمَطالب السياسيّة والشعبيّة.
ثالثاً، قد يَتأثر الحُضور الدّوليّ للقَضيّة الفلسطينيّة بمدى قُدرة القيادة الفلسطينيّة على تحويل المواقف المُؤيدة لحُقوق الفلسطينيين إلى خُطوات دبلوماسيّة وقانونيّة ملموسة، فالمواقف الدّوليّة المُعلنة، على أهميتها، لا تُؤدي وحدها إلى تغيير السياسات ما لم تقترن بآليات تنفيذ ومُتابعة.
رابعاً، يَحمل استمرار التدهور الميدانيّ مَخاطر أَمنيّة واجتماعيّة، بما في ذلك تصاعد الاحتكاكات وتراجع فُرص التهدئة، وقد تَنعكس هذه التطورات على الاستقرار الإِقليميّ وعلى حسابات الأَطراف الدّوليّة المعنيّة بمنع اتساع الصّراع، ومن ثُمّ، لا ينبغي التعامل مع الانتخابات باعتبارها حَدثاً مُنفصلاً عن مسار الصّراع، بل بوصفها مُتغيراً مُؤثراً يتفاعل مع بُنيّة سياسيّة وميدانيّة قائمة، وقد يُعزز بعض اتجاهاتها، أو يحدّ من بَعضها الآخر.
ثامناً: الخيارات والتَوصيّات الفلسطينيّة:
في ضُوءِ السيناريوهات السَابقة، يُمكن تحديد مَجموعة من الخيارات العمليّة أمام القيّادة الفلسطينيّة والمُؤسسات المَعنيّة:
- تَعزيز الرصدّ الاستراتيجيّ: إِنشاء آلية مُتابعة مُنتظمة لقرارات الحُكومة الإِسرائيليّة والكنيست المُتعلقة بالاستيطان، والأَراضيّ، والتخطيط والقُيود الميدانيّة، وربطها بمُؤشرات قابلة للقياس تَسمح بتحديث تقديرات الموقف بصُورة دوريّة.
- تَفعيل المسار القانونيّ والدّبلوماسيّ: توثيق القَرارات والإِجراءات التي تمس الأَراضيّ والحُقوق الفلسطينيّة، وعَرضها على المُؤسسات الدّوليّة المُختصة، مع التركيز على الاتساق القانونيّ ودقة الأَدلة واستمراريّة المُتابعة.
- تَثبيت الأَولويات الوطنيّة: تطوير مُقاربة فلسطينيّة تَستند إلى حمايّة الحُقوق السياسيّة والجغرافيّة، وتعزيز الصُمود المُجتمعيّ، والحِفاظ على المُؤسسات والخَدمات الأَساسيّة، وتجنب اختزال الاستراتيجيّة الوطنيّة في هُويّة الحُكومة الإِسرائيليّة المُقبلة.
- تَعزيز التنسيق الدّوليّ: العمل مع الدول والمُنظمات التي تدعم حلّ الدولتين من أجل ربط المواقف الدّبلوماسيّة بخُطوات عمليّة، ومُتابعة تنفيذ القرارات الدّوليّة ذات الصلة، والحدّ من آثار الإِجراءات التي تُعرقل التسويّة السياسيّة.
- تَطوير القُدرة على الاستجابة للسيناريوهات: إِعداد خِطط مُختلفة للتعامل مع استمرار التوسع الاستيطانيّ، أو حُدوث تغييرات مَحدودة في السياسة الإِسرائيليّة، أو دُخول إسرائيّل في حالة انسداد سياسيّ، ويجب أن تتضمن هذه الخطط مُؤشرات إِنذار مُبكر ومُراجعة دوريّة للفَرضيّات.
- تَعزيز التماسك المُؤسسيّ الفلسطينيّ: مُعالجة مَواطن الضعف الماليّ، والإِداريّ، والسياسيّ بما يدعم قُدرة المُؤسسات على الاستمرار في تقديم الخدمات، ويُعزز الثقة العامة، ويُوسع القُدرة على التعامل مع الضُغوط الخارجيّة، ولا تعني هذه التوصيّات أنّ جميع السيناريوهات مُتساويّة الاحتمال، أو أنّ تنفيذها يضمن تغيير السياسة الإِسرائيليّة؛ بل تهدف إلى توسيع الخيارات الفلسطينيّة وتقليل الاعتماد على تطورات لا تتحكم فيها القيادة الفلسطينيّة مُباشرة.
تاسعاً: الخُلاصة التَقديريّة:
تُشير المُعطيات المُتاحة إلى أنّ الانتخابات الإِسرائيليّة تُمثل مَحطة مُهمة في تحديد تركيبة الحُكم المُقبلة، لكنها لا تَكفي وحدها للاستدلال على حُدوث تحول استراتيجيّ في السياسة تجاه الضفة الغربيّة، فالمُتغير الحاسم يَتمثل في طبيعة الائتلاف الحُكوميّ، وقُدرته على تحويل مَواقفه إلى قرارات، ومدى خُضوع تلك القَرارات للقُيود الداخليّة، والإِقليميّة، والدّوليّة، ويظل التمييز ضرورياً بين تغيير أَدوات إِدارة الصّراع وتغيير أهداف السياسة ذاتها، فقد تَشهد المرحلة المُقبلة اختلافاً في وتيرة الاستيطان، أو في التعامل مع بَعض البُؤر والإِجراءات الميدانيّة، من دُون أن يُؤدي ذلك بالضرورة إلى تغيير الموقف من قيام الدولة الفلسطينيّة، أو من ترتيبات السيطرة الأَمنيّة.
وعلى المُستوى الفلسطينيّ، يَتمثل التحديّ في منع تحََولات الواقع الميدانيّ من التحول إلى قُيود دائمة على إِمكانات التسويّة، من خلال تعزيز الصُمود المُؤسسيّ، وتَفعيل الأَدوات القانونيّة والدّبلوماسيّة، وتطوير آليات استشراف قَادرة على التعامل مع أَكثر من مسار مُحتمل، والتقدير المركزيّ للورقة هو أنّ مُستقبل الضفة الغربيّة لن تحدده نتيجة الانتخابات وحدها، بل سيتشكل من خلال التفاعل بين تَركيبة الحُكومة الإِسرائيليّة، واستمراريّة السياسات المَيدانيّة، وقُدرة الأَطراف الفلسطينيّة والدّوليّة على التأثير في كُلفة هذه السياسات ومآلاتها، لذلك، ينبغي التعامل مع الانتخابات بوَصفها نُقطة تحول مُحتملة في أَدوات إِدارة الصّراع، لا باعتبارها دَليلاً مُسبقاً على تغير اتجاهه الاستراتيجيّ.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.