
الدّبلوماسيّة الفِلسطينيّة في عَالمٍ مُتغيّر: من شَرعيّةِ القَضيّةِ إلى صِناعةِ التَأثيرِ الدّوليِّ ، بقلم : د. شحادة غريب
لم تَعدّ الدّبلوماسيّة الفلسطينيّة تعمل في بيئة دَوليّة تُحكمها القَواعد التقليديّة للعَلاقات الدّوليّة وَحدها، بل أَصبحت تتحرك وسط تَحولات جيُوسياسيّة مُتسارعة، وتنافس مُتصاعد بين القُوى الكُبرى، وتَراجع في قُدرة المُؤسسات الدّوليّة على تحويل القَرارات السياسيّة والقانونيّة إلى نتائج مَلموسة، وفي هذا السيّاق، تُواجه فلسطين مُعادلة استراتيجيّة مُركبة: كيف يُمكن تحويل الشَرعيّة التاريخيّة والقانونيّة للقضيّة الفلسطينيّة إلى تأثير سياسيّ قادر على تغيير مَوازين المَواقف الدّوليّة، ودفع المُجتمع الدّوليّ نَحو خُطوات عمليّة تفضي إلى إِنهاء الاحتلال وتَجسيد الدّولة الفلسطينيّة المُستقلة؟
تتجاوز هذه المُعضلة حُدود النشاط الدّبلوماسيّ التقليديّ؛ إذ تتعلق بطبيعة الأَدوات المُستخدمة، وفاعليّة التَحالفات الدّوليّة، والقُدرة على استثمار التَحولات في الرأيّ العام العالميّ، وبناء مُقاربة مُتكاملة تَربط بين القانون، والسياسة، والاقتصاد، والإِعلام، فامتلاك الحُجة القانونيّة لا يعني بالضرورة امتلاك القُدرة على فَرض نتائجها، كما أنّ اتساع التضامن الدّوليّ لا يتحول تِلقائياً إلى ضغط سياسيّ مُؤثر ما لم يُترجم إلى مَواقف مُؤسسيّة وإِجراءات قابلة للقياس والتنفيذ.
عَالم مُتغير وفُرص دبلوماسيّة غير مَضمونة:
تَفرض التحوّلات في بُنيّة النّظام الدّوليّ على الدّبلوماسيّة الفلسطينيّة إِعادة تقييم البيئة التي تتحرك داخلها، فتنافس الولايّات المُتحدة والصين، واستمرار الدّور الرُوسيّ في قَضايا الأَمن الدّوليّ، وتنامي أَدوار قُوى إِقليميّة ومُتوسطة، كُلها عوامل تُعيد تشكيل حسابات المَصالح والتحالفات، غير أنّ تعدد مراكز القُوّة لا يعني تلقائياً تحسن موقع فلسطين؛ إذ قد يفتح منافذ جديدة للحركة الدّبلوماسيّة، لكنه قد يُؤدي أيضاً إلى توظيف القضيّة ضمن صّراعات النُفوذ بين الدول.
وعليهِ، لا يكفي أن تُراهن الدّبلوماسيّة الفلسطينيّة على تَراجع نُفوذ طرف دوليّ، أو صُعود طرف آخر، بل ينبغي أن تَبني سياسة خارجيّة قَادرة على التعامل مع اختلاف المصالح، وتوسيع الشراكات، وتجنب الارتهان لمحور واحد، فالهَدف ليس استبدال تَبعيّة سياسيّة بأُخرى، وإِنّما تنويع العلاقات الدّوليّة بما يُحافظ على استقلاليّة القرار الفلسطينيّ، ويزيد من قُدرة القيادة الفلسطينيّة على حشد الدعم للحُقوق الوطنيّة.
وتَكمن الفُرصة الأَساسيّة في تطوير علاقات مُتوازنة مع الدول العربيّة والإِسلاميّة، والاتحاد الأُوروبي، والدّول الآسيويّة والأَفريقيّة، وأَمريكا اللاتينيّة، إلى جانب تعزيز التَواصل مع القُوى السياسيّة، والبَرلمانيّة، والمُجتمعيّة داخل الدول الغربيّة، لكن نجاح هذا التوجه يظل مُرتبطاً بوُجود أَولويات واضحة، ورسائل دبلوماسيّة مُتسقة، وآليات لمُتابعة الالتزامات وتحويلها إلى نتائج سياسيّة، وقانونيّة، واقتصاديّة.
من شَرعيّة القَضيّة إلى فَاعليّة القَرار:
تَمتلك القضيّة الفلسطينيّة رَصيداً مُهماً من الشَرعيّة الدّوليّة، يَستند إلى حَق الشَعب الفلسطينيّ في تقرير المصير، وقَرارات الأُمم المُتحدة، وقواعد القانون الدّوليّ ذات الصلة بالأَرض المُحتلة، غير أنّ التحديّ الاستراتيجيّ لا يَكمن في إعادة تأكيد هذه الحُقوق فحسب، بل في تضييق الفجوة بين الاعتراف بها وبين تطبيقها على أَرض الواقع.
ومن هُنا، يُصبح ضرورياً الانتقال من دبلوماسيّة تُركز أَساساً على إِصدار المواقف وإدانة الانتهاكات إلى دبلوماسيّة تُتابع مسارات التنفيذ، وتُحدد المَسؤوليات، وتبني تحالفات حول مَطالب مُحددة، وتربط كُل تحرك بأهداف قابلة للتقييم، فكُل قرار دوليّ ينبغي أن يُقرأ من زاويتين مُتكاملتين: ما الذي يُقرره من حيث المبدأ، وما الأَدوات السياسيّة، والقانونيّة، والمُؤسسيّة المُتاحة لدفعهِ نحو التنفيذ؟
ويقتضي ذلك تعزيز التنسيق بين التحرك الدّبلوماسيّ والعمل القانونيّ الدّوليّ، وتطوير ملفات مُوثقة تستند إلى الأدلة، والاستفادة من المُؤسسات القضائيّة والحُقوقيّة المُختصة وفق ولاياتها وإجراءاتها، كما يتطلب بناء مَسارات مُتابعة مُنتظمة مع الحُكومات، والبَرلمانات، والمُنظمات الدّوليّة، بدلاً من الاكتفاء بحشد التأييد عند انعقاد المُؤتمرات، أو تصاعد الأَزمات.
إنّ التأثير الدّوليّ لا يُقاس بعدد البيانات الصادرة، أو اللِقاءات المُنعقدة وحدها، وإِنّما بمَدى انعكاس الجُهد الدّبلوماسيّ على السياسات، والقَرارات، والمُمارسات، وهذا يستدعي وَضع مُؤشرات واضحة لقياس التقدم، مثل اتساع الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، وتطور المواقف الرَسميّة، وتبني إِجراءات قانونيّة ودبلوماسيّة مُحددة، وتعزيز الحمايّة الدّوليّة للحُقوق الفلسطينيّة.
الاعتراف الدّوليّ: مَكسب سياسيّ يَحتاج إلى استراتيجيّة مُتابعة:
شَهد عامي (2025-2026) تَطورات دبلوماسيّة مُهمة تَمثلت في اعتراف دول جديدة بدولة فلسطين، بالتوازي مع اعتماد الجمعيّة العامة للأُمم المُتحدة، في (12 سبتمبر)، إِعلان نيويورك بشأن التسويّة السلميّة للقضيّة الفلسطينيّة وتنفيذ حلّ الدولتين، بأَغلبيّة (142) صوتاً مُؤيداً، وتُمثل هذه التطورات مُؤشراً على اتساع نطاق التأييد الدّوليّ للاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، لكنها لا تعني، بمُفردها، تجاوز العقبات التي تَحول دُون تجسيد السيادة على الأَرض.
وتكمن الأَولويّة في تحويل الاعترافات السياسيّة إلى مَسارات عَمليّة تدعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير، وتُواجه الاستيطان والضم، وتُعزز فُرص إِقامة دولة فلسطينيّة مُستقلة على حُدود الرابع من يونيو (1967)، وعاصمتها شرق القُدس، ويتطلب ذلك التعامل مع الاعتراف بوصفه نُقطة انطلاق لمَرحلة جديدة من العمل الدّبلوماسيّ، لا محطة نهائيّة للاحتفاء بالإنجاز.
وفي هذا الإِطار، يُتيح الرأيّ الاستشاريّ لمَحكمة العدل الدّوليّة الصادر في (19 يوليو 2024) بشأن الآثار القانونيّة الناشئة عن سياسات إِسرائيل وممارساتها في الأَرض الفلسطينيّة المُحتلة، بما فيها شرق القُدس، أساساً قانونياً مُهماً لتعزيز التحرك الدّوليّ، غير أنّ القيمة السياسيّة لهذا المسار تظل مُرتبطة بقُدرة الدول والمُؤسسات المَعنيّة على الوفاء بالتزاماتها القانونيّة، ومُتابعة تطبيق القواعد الدّوليّة ذات الصلة.
الدّبلوماسيّة الرَقميّة ومَعركة تَشكيّل الرَأيّ العَام:
لم تعدّ صناعة التأثير الدّوليّ حِكراً على السفارات، ووزارات الخارجيّة، وقاعات الأُمم المُتحدة؛ فقد أَصبحت المَنصات الرَقميّة والفَضاءات الإِعلاميّة جُزءاً أَساسياً من البيئة التي تَتشكل فيها المواقف العامة والضُغوط السياسيّة، وأَظهرت التحولات في التفاعل العالميّ مع القَضيّة الفلسطينيّة أَهميّة الصُور، والمعلومات، والشهادات الميدانيّة في نقل آثار الصّراع إلى جُمهور يتجاوز الحُدود الجغرافيّة والسياسيّة.
لكن الدّبلوماسيّة الرَقميّة لا ينبغي أن تُختزل في سرعة النَشر، أو حجم التفاعل، بل يجب أن تتحول إلى منظومة مهنيّة تجمع بين التوثيق الدقيق، والتحليل مُتعدد اللُغات، والتواصل مع الصحفيين، والباحثين، والبَرلمانيين، ومُؤسسات المُجتمع المَدنيّ، كما ينبغي تطوير القُدرة على مُواجهة التضليل بالمَعلومات القابلة للتحقق، وتقديم الروايّة الفلسطينيّة ضمن خطاب يَستند إلى الوقائع، والقَانون، والحُقوق، بعيداً عن المُبالغة، أو المعلومات غير المُوثقة.
ويقتضي ذلك الاستثمار في الكفاءات المُتخصصة في الاتصال الاستراتيجيّ، وتحليل اتجاهات الرأيّ العام، واستخدام أَدوات الذكاء الاصطناعيّ في التَرجمة، والرصدّ، وتحليل الخطاب، مع الحفاظ على الدقة، والخُصوصيّة، والاستقلاليّة التحريريّة، فالتكنولوجيا لا تصنع التأثير وحدها؛ وإنّما تتوقف قيمتها على جَودة الرسالة، ومَصداقيّة مَصدرها، وقُدرتها على الوُصول إلى الجهات التي تملك أَدوات التأثير في القرار.
التَحديّ الدّاخليّ ووحدَة المَسار الدّبلوماسيّ:
لا يُمكن فصل فاعليّة الدّبلوماسيّة الفلسطينيّة عن البيئة السياسيّة والمُؤسسيّة الدّاخليّة، فتعدد الرسائل، وتباين الأَولويات، وغِياب التنسيق بين المَسارات السياسيّة، والدّبلوماسيّة، والإِعلاميّة قد يحدّ من الاستفادة من الفُرص الدّوليّة، حتى عندما تتوافر مَساحات واسعة للتَعاطف، أو التأييد، ومن ثُمّ، فإنّ تطوير الأَداء الدّبلوماسيّ يتطلب رُؤيّة وَطنيّة واضحة تُحدد الأَهداف المَرحليّة والاستراتيجيّة، وتربط التحرك الخارجيّ ببرنامج سياسيّ قابل للمُتابعة، وتُعزز التنسيق بين المُؤسسات الفلسطينيّة، والبعثات الدّبلوماسيّة، والقُوّى المُجتمعيّة، كما أنّ تجديد الثقة بالمُؤسسات، وتوسيع المُشاركة السياسيّة، وتعزيز الشَفافيّة والمُساءلة، تُمثل عوامل مُساندة للقُدرة على بناء شَراكات دوليّة مُستدامة.
ولا يعني ذلك أنّ الإِصلاح الداخليّ وحده كفيل بتغيير موازين القُوّة، أو أنّ مَسؤوليّة تَعثر التسويّة تقع على الجانب الفلسطينيّ؛ فالمَسألة تتصل أيضاً بمواقف القُوّى الدّوليّة، واختلالات النُفوذ، ومدى استعداد الدول لاتخاذ إِجراءات تتجاوز التصريحات السياسيّة، غير أنّ تحسين الأَداء المُؤسسيّ يُوسع قُدرة الفلسطينيين على استثمار الفُرص، ويَمنح خِطابهم الدّبلوماسيّ مَزيداً من الاتساق والمِصداقيّة.
نَحو دِبلوماسيّة تَصنع النَتائج:
إنّ الانتقال من شرعيّة القضيّة إلى صناعة التأثير الدّوليّ يتطلب، في المرحلة المُقبلة، استراتيجيّة تَقوم على خمسة مَسارات مُترابطة: توسيع التحالفات الدّوليّة دُون الارتهان لمَحاور مُتنافسة؛ وتفعيل الأَدوات القانونيّة، والمُؤسسيّة لمُتابعة تنفيذ القَرارات الدّوليّة؛ وتحويل الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة إلى خُطوات عمليّة تدعم السيادة، وتُواجه الضم، والاستيطان؛ وتطوير الدّبلوماسيّة الرَقميّة والاتصال الاستراتيجيّ؛ وتعزيز التنسيق الداخليّ والقُدرة على قياس نتائج التحرك الخارجيّ.
كما ينبغي أن تَستند هذه الاستراتيجيّة إلى تحديد أَولويّات واضحة، وتوزيع الأدوار بين المُؤسسات، وتقييم دَوريّ للإِنجازات والإِخفاقات، فالدّبلوماسيّة الفاعلة ليست تلك التي تتحرك باستمرار فحسب، وإِنّما التي تَعرف ما تُريد تحقيقه، وكيف تصل إليه، وما الأَدوات التي يُمكن استخدامها، وكيف تَقيس أثرها في سُلوك الأَطراف الدّوليّة.
في المُحصلة، تقف الدّبلوماسيّة الفلسطينيّة أمام اختبار يتجاوز الدّفاع عن عدالة القضيّة إلى القُدرة على التأثير في البيئة السياسيّة التي تُحدد مُستقبلها، فالشَرعيّة الدّوليّة تَظل رصيداً أساسياً، لكنها لا تتحول تلقائياً إلى سيادة، والاعتراف السياسيّ يَفتح الأَبواب، لكنه لا يضمن وحده إِنهاء الاحتلال، أو إِقامة الدّولة.
لذلك، فإنّ الرهان الحقيقيّ يَتمثل في بناء دبلوماسيّة مُبادرة، مُتعددة المَسارات، مُتماسكة الأَهداف، تجمع بين القانون، والسياسة، والإِعلام، والعمل المُؤسسيّ، وتتعامل مع التَحولات العالميّة بوصفها فُرصاً مَشروطة لا مكاسب مَضمونة، عندئذ يُمكن أن تنتقل القضيّة الفلسطينيّة من مَوقع الحُضور في أَجندة المُجتمع الدّوليّ إلى موقع أَكثر فاعليّة في التأثير في قراراتهِ، بما يَخدم الحُقوق الوَطنيّة الفلسطينيّة ويُعزز فُرص تحقيق السلام العادل القائم على إِنهاءِ الاحتلال، وتَجسيد الدولة الفلسطينيّة المُستقلة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.