
أَزمة الماليّة العامة الفلسطينيّة: انعكاساتها على الاستقرارِ المُؤسسيّ والقُدرة على تَقديمِ الخَدماتِ ، وَرقة تَقدير مَوقف ، بقلم : د. شحادة غريب
أولاً: المُلخص التَنفيذيّ:
تُواجه الماليّة العامة الفلسطينيّة أزمة هيكليّة مُتفاقمة تَجاوزت حُدود العجز الماليّ التقليديّ، لتتحول إلى تحدٍّ استراتيجيّ يَمس استمراريّة المُؤسسات العامة، وقُدرتها على تقديم الخَدمات الأَساسيّة، ومُستوى الثقة بين المُواطن ومُؤسسات السُلطة الوَطنيّة الفلسطينيّة، وتتداخل في هذه الأَزمة عوامل سياسيّة، واقتصاديّة، وماليّة، في مُقدمتها احتجاز عَائدات المَقاصة، وتَراجع النشاط الاقتصاديّ، ومَحدوديّة المُساعدات الخارجيّة، وتَراكم الالتزامات الماليّة، واتساع الفَجوة بين الإِيرادات والنَفقات العَامة.
وتَكتسب الأَزمة خُطورتها من طبيعة الاقتصاد الفلسطينيّ، الذي يَعتمد بدرجة كبيرة على الإِيرادات الضريبيّة المُحولة من الجانب الإِسرائيليّ، في ظلِّ مَحدوديّة أَدوات السياسة النقديّة والماليّة المُتاحة للسُلطة الفلسطينيّة، وقد أَقر مَجلس الوزراء الفلسطينيّ في (مارس/آذار 2026) مُوازنة طوارئ تقوم على ترشيد الإِنفاق وتوجيه الموارد المُتاحة نحو القطاعات الأَساسيّة، بما يَعكس حجم الضُغوط التي تُواجه الماليّة العامة.
وتَخلص الورقة إلى أنّ استمرار الأَزمة يُهدد بتحويل الاختلال الماليّ إلى اختلال مُؤسسيّ واجتماعيّ مُمتد، عبر تَأخر الرواتب، وتراجع كَفاءة الخدمات الصحيّة والتعليميّة، وتَزايد المُتأخرات المُستحقة للقطاع الخاص، وتصاعد الضُغوط على الجهاز المَصرفيّ، ومن ثُمّ، فإنّ احتواء الأَزمة يَتطلب الجمع بين التحرك السياسيّ لاستعادة الإِيرادات المُحتجزة، والإِصلاح الماليّ والمُؤسسيّ، وتوفير دعم دوليّ أَكثر انتظاماً، وبناء آليات تضمن استمراريّة الخَدمات العامة.
ثانياً: إِشكاليّة المَوقف وأَبعاده الاستراتيجيّة:
تَتمثل الإِشكاليّة المَركزيّة في السُؤال الآتي: إلى أيّ مَدى تَستطيع السُلطة الوطنيّة الفلسطينيّة المُحافظة على الاستقرار المُؤسسيّ واستمراريّة الخَدمات العامة في ظلِّ استمرار أَزمة الماليّة العامة، وتَراجع قُدرتها على الوفاء بالتزاماتها؟ لا تنحصر المَسألة في نقص السيولة اللازمة لدفع الرواتب، أو تسديد النفقات التشغيليّة، بل تَمتد إلى قُدرة المُؤسسات على أداء وَظائفها القانونيّة، والإِداريّة، والاجتماعيّة، والمُحافظة على انتظام الخدمات، والاستجابة لاحتياجات المواطنين، فالماليّة العامة تُمثل إِحدى الركائز الأَساسيّة لاستمراريّة المُؤسسات، وأيّ خَلل مُمتد في مَواردها ينعكس على قُدرتها التنفيذيّة، وعلى العلاقة بين الدّولة والمُجتمع.
وتَزداد حساسيّة المَوقف في ظلِّ الظُروف الاقتصاديّة والسياسيّة التي تَمر بها الأَراضيّ الفلسطينيّة، وتَداعيات الحرب على قطاع غزة، والقُيود المَفروضة على الحركة، والتجارة، والعمل، وتَراجع قُدرة قِطاعات واسعة على توليد الدّخل، وفي هذه البيئة، تُصبح الأَزمة الماليّة عاملاً مُضاعفاً للمَخاطر القائمة، بدلاً من أن تَكون مُشكلة مُستقلة يُمكن احتواؤها بإجراءاتٍ مُحاسبيّة مَحدودة، وعليهِ، فإنّ تقدير الموقف يَستوجب الانتقال من مُعالجة العجز بوصفهِ مُشكلة نقديّة قصيرة الأجل إلى تحليل انعكاساته على استمراريّة المُؤسسات، والعدالة في توزيع المَوارد، والقُدرة على حمايّة الفِئات الأَكثر هَشاشة.
ثالثاً: مُحددات الأَزمة الماليّة الفلسطينيّة:
- احتجاز عائدات المَقاصة والاعتماد على الإِيرادات المُحولة:
تُمثل عائدات المَقاصة أَحد أَهم مَصادر الإيرادات العامة الفلسطينيّة، وتشمل الضرائب والرُسوم التي تُحصّلها إسرائيّل نيابةً عن السُلطة الفلسطينيّة وفق الترتيبات الاقتصاديّة القائمة، ويجعل الاعتماد على هذه الإِيرادات المُوازنة الفلسطينيّة شديدة التأثر بالقرارات، والإِجراءات الإِسرائيليّة المُتعلقة بتحويل الأَموال، أو اقتطاع أَجزاء منها.
وفي (فبراير/شباط 2026)، نَقلت وكالة الأَنباء والمعلومات الفلسطينيّة “وفا” عن وَزير الماليّة والتخطيّط أنّ إِسرائيّل لم تحول عائدات المَقاصة للشهر العاشر على التواليّ، وأنّ الأَموال المُحتجزة بلغت نحو (4.4) مليارات دولار وفق التصريح المَنشور آنذاك.
ويُؤدي استمرار هذا الوضع إلى حرمان الخزينة من مورد رئيسيّ، وتعطيل قُدرتها على التخطيط الماليّ المُنتظم، وزيادة الاعتماد على الاقتراض وتأجيل الالتزامات، كما يَكشف عن هشاشة نَموذج الإِيرادات العامة في مُواجهة المُتغيرات السياسيّة، ويُؤكد أنّ مُعالجة الأَزمة لا يُمكن أن تَعتمد على إجراءات التَقشف وحدها، مَهما بلغت درجة صَرامتها.
- تَراجع النشاط الاقتصاديّ وتآكل القاعدة الضريبيّة:
تَتأثر الإِيرادات المحليّة الفلسطينيّة بمُستويات الاستهلاك، والإنتاج، والتشغيل، والاستثمار، وعندما تتراجع هذه الأنشطة، تنخفض قُدرة الاقتصاد على توليد الإِيرادات الضريبيّة، بالتزامن مع تَزايد الاحتياجات الاجتماعيّة والإِنسانيّة، وقد أَشار البنك الدّوليّ في تحديثه الاقتصاديّ الصادر في (مايو/أيار 2026) إلى استمرار الضُغوط الشديدة على الماليّة العامة الفلسطينيّة، وتزايد الاعتماد على المُتأخرات والاقتراض المحليّ في ظلِّ مَحدوديّة البدائل التمويليّة.
وتنشأ بذلك حلقة مُترابطة: يُؤدي تَراجع النشاط الاقتصاديّ إلى انخفاض الإيرادات، فتضطر الحُكومة إلى تقليص الإنفاق، أو تأجيل المدفوعات، الأمر الذي يُضعف بدوره الطلب المحليّ والسيولة المُتاحة للقطاع الخاص، ويُؤثر في فُرص التعافيّ الاقتصاديّ، وكُلما طالت هذه الحلقة، ازدادت صُعوبة استعادة التوازن الماليّ دُون تدخلات تتجاوز حُدود السياسة التقشفيّة.
- مَحدوديّة المُساعدات الخَارجيّة وتَراكم الالتزامات:
لا تستطيع المُساعدات الخارجيّة، على أهميتها، أن تُشكل بديلاً مُستداماً عن الإِيرادات العامة المُنتظمة، خُصوصاً إذا كانت غير كافيّة، أو غير مُتوقعة، أو مُخصصة لمشروعات بعينها، كما أنّ تَراكم المُستحقات للمُوظفين، والمُوردين، والمُتقاعدين يخلق التزامات مُؤجلة تنتقل آثارها إلى الاقتصاد والمُجتمع.
وتُؤدي هذه الظُروف إلى تضييق هامش المُناورة أَمام الحُكومة، إذ تُصبح إدارة السيولة اليوميّة أَولويّة تَتقدم على التخطيط التنمويّ طويل الأَجل، وهُنا تتحول المُوازنة تدريجياً من أداة لتحديد الأَولويّات الوطنيّة إلى آلية لتوزيع النقص في المَواردِ.
رابعاً: انعكاسات الأَزمة على الاستقرارِ المُؤسسيّ:
- انتظام العمل الحُكوميّ وكَفاءة الأداء:
يُؤدي تأخر الرواتب وعدم انتظام المُستحقات إلى ضُغوط مُباشرة على المُوظفين العُموميين، ويحد من قُدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأَساسيّة، وقد يُؤثر في الحُضور الوظيفيّ، والدافعيّة، والإِنتاجيّة، ولا تَقتصر النتائج على العاملين أَنفسهم، بل تَمتد إلى قُدرة المُؤسسات على إنجاز المُعاملات، ومُتابعة المَلفات، وتقديم الخَدمات في مَواعيدها.
ومع استمرار القيود الماليّة، قد تتراجع قُدرة المُؤسسات على صيانة مَرافقها، وتَوفير مُستلزماتها التشغيليّة، وتحديث أَنظمتها الإِداريّة والتقنيّة، ويُؤدي ذلك إلى اتساع الفجوة بين المَسؤوليات القانونيّة المُلقاة على عاتق المُؤسسات والمَوارد المُتاحة لتنفيذها.
- الثقة العامة والشَرعيّة المُؤسسيّة:
تَتأثر ثقة المُواطنين بالمُؤسسات العامة بقُدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتقديم خدمات مُنتظمة وعادلة، وعندما تتكرر الأَزمات الماليّة دُون أُفق واضح للمُعالجة، قد تتزايد مَشاعر الإحباط، وتتراجع الثقة بفاعليّة الإِدارة العامة، خُصوصاً لدى الفئات التي تعتمد على الرَواتب والخدمات الحُكوميّة.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين النتائج الناجمة عن القيود الخارجيّة على الموارد وبين أوجه القُصور المُرتبطة بالإِدارة الماليّة، أو الحوكمة، فالتقييم المَوضوعيّ يتطلب تحديد المَسؤوليات بدقة، وتعزيز الشفافيّة في عرض الإِيرادات، والنفقات، والمُتأخرات، وإِتاحة المعلومات للمواطنين بشأن أَولويات الإِنفاق وأَسباب القرارات المُتخذة، وتبرز هُنا أَهميّة الإِفصاح الماليّ المُنتظم، والرقابة على الإنفاق، وتوضيح معايير توزيع الموارد المَحدودة، بما يُساعد على حمايّة الثقة العامة والحد من اتساع الفجوة بين المُؤسسات والمُجتمع.
- التَرابط بين الأَزمة الماليّة والاستقرار المَصرفيّ:
يُؤدي الاعتماد المُتزايد على الاقتراض المحليّ وتَراكم المُستحقات إلى توثيق العلاقة بين الوضع الماليّ للسُلطة الفلسطينيّة والقطاع المَصرفيّ، كما أنّ تَأخر الرواتب يضع المُوظفين أَمام ضُغوط إضافيّة لسَداد القُروض والالتزامات الأُسريّة، في حين يُواجه المُوردون والشركات صُعوبات في تحصيل مُستحقاتهم.
وحذر البنك الدّوليّ في تحديثه الاقتصاديّ لعام (2026) من تصاعد المَخاطر المُرتبطة بزيادة تَعرض المَصارف للقطاع العام، إلى جانب ضُغوط السيولة والقُيود التي تُؤثر في العمليات الماليّة، وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فقد تَتقلص قُدرة المَصارف على تمويل النشاط الاقتصاديّ، وتزداد مَخاطر تعثر المُقترضين، وتتراجع السيولة المُتاحة للشركات الصغيرة والمُتوسطة، ولذلك، فإنّ الاستقرار المَصرفيّ ليس مَسألة مُنفصلة عن أَزمة المُوازنة، بل أَحد مُكونات الأَمن الاقتصاديّ الفِلسطينيّ.
خامساً: تَداعيات الأَزمة على تَقديم الخَدمات العَامة:
- القِطاع الصحيّ:
يَحتاج القطاع الصحيّ إلى تمويل مُستمر للأَدويّة والمُستلزمات الطبيّة، وتشغيل المَرافق، وصيانة الأَجهزة، وتغطيّة التحويلات الطبيّة، وأيّ اضطراب في التدفقات الماليّة قد يُؤدي إلى تَأخر سداد الالتزامات للمُوردين والمُستشفيات، أو تقليص بعض الخدمات، أو زيادة الضغط على المرافق العاملة.
وتزداد خُطورة ذلك في ظلِّ الاحتياجات الصحيّة المُتراكمة في الأراضيّ الفلسطينيّة، والأَعباء الاستثنائيّة التي يُواجهها قطاع غزة، فاستمراريّة الخدمة الصحيّة تتطلب توفير التمويل التشغيليّ في مواعيدهِ، وليس الاكتفاء بإعلان المُخصصات الماليّة على الورق.
- التَعليم:
يُمكن أن تُؤثر الأَزمة الماليّة في انتظام العمليّة التعليميّة من خلال صُعوبات دفع الرواتب، ونقص المُستلزمات، وتأجيل الصيانة، وتقليص الإِنفاق التشغيليّ، وقد تنعكس هذه العوامل على أيام الدّراسة، وجودة التعليم، وقُدرة المُؤسسات التعليميّة على تعويض الفاقد التعليميّ، ويحمل استمرار هذه الضُغوط آثاراً تتجاوز المُوازنة السنويّة، لأنّ تَراجع جَودة التعليم يُهدد رأس المال البشريّ ويَحد من فُرص التشغيل والإنتاج مُستقبلاً، ومن ثُمّ، ينبغي التعامل مع تمويل التعليم بوصفهِ استثماراً في القُدرة الوطنيّة على التعافي، لا بنداً قابلاً للتخفيض دُون تقدير لتبعاتهِ.
- الحمايّة الاجتماعيّة والخَدمات المَحليّة:
تُؤدي الأَزمة الماليّة إلى تَضييق قُدرة الحُكومة على توسيع المُساعدات الاجتماعيّة، وتلبية احتياجات الأُسر الفقيرة، وتسديد الالتزامات للهيئات المحليّة ومُقدمي الخدمات، وقد تُواجه البلديات، وشَركات المياه، والكهرباء، ضُغوطاً ماليّة إضافيّة عندما تتأخر المُستحقات، أو تَتراجع قُدرة المواطنين على السداد.
وتَنعكس هذه التطورات بصُورة أَكبر على الأُسر مَحدودة الدخل، والنساء المُعيلات، والأطفال، وكبار السن، والأَشخاص ذَوي الإِعاقة، ولذلك، فإنّ توزيع الأَعباء الماليّة دُون مُراعاة التفاوت الاجتماعيّ قد يُؤدي إلى تعميق الفقر وتَوسيع فَجوات الحُصول على الخدمات الأَساسيّة.
سادساً: السِيناريوهات المُحتملة:
السِيناريو الأَول: استمرار إِدارة الأَزمة، يَستمر احتجاز الإِيرادات، أو تَحويلها بصُورة غير مُنتظمة، مع مُواصلة دفع أَجزاء من الرواتب، وتأجيل بعض الالتزامات، والاعتماد على الاقتراض والمُساعدات المُتاحة، ويَسمح هذا المَسار باستمرار الحد الأَدنى من العمل المُؤسسيّ، لكنه يبقي الخَدمات تحت الضّغط ويزيد المُتأخرات والمَخاطر المَصرفيّة.
السِيناريو الثانيّ: احتواء ماليّ تَدريجيّ، يتحقق تحسن نسبي في تدفقات الإِيرادات، بالتوازي مع دعم خارجيّ أَكثر انتظاماً وإِصلاحات في إِدارة الإِنفاق والتحصيل، وقد يُتيح ذلك تَحسين انتظام الرواتب، وتَسديد جُزء من المُستحقات، وحمايّة الخَدمات الأَساسيّة، شرط ألاّ يَقتصر التَحسن على تمويل مُؤقت لا يُعالج الاختلالات الهيكليّة.
السِيناريو الثالث: تَفاقم الأَزمة وتحولها إلى اختلال مُؤسسيّ أَوسع، تتراجع الإِيرادات المُتاحة، وتتزايد صُعوبات الاقتراض، وتَتراكم المُتأخرات، بما يَفرض ضُغوطاً أَشد على المُوظفين، والمُوردين، والخَدمات، وفي هذه الحالة، تَتسع مخاطر تَراجع الأَداء المُؤسسيّ وارتفاع الأَعباء الاجتماعيّة، ويُصبح التعافيّ أَكثر كُلفة وتعقيداً.
ولا تُمثل هذه السيناريوهات تَنبؤات حتميّة، بل مَسارات تحليليّة تتوقف على تَطورات الإِيرادات والتحويلات الخارجيّة، والقُدرة على التمويل، وفاعليّة التَدخلات السياسيّة والماليّة، ويُمكن رصدّ اتجاه الأَزمة عبر مُؤشرات تشمل انتظام الرواتب، وحجم المُتأخرات، ومُستوى الإِنفاق التشغيليّ الصحيّ والتعليميّ، وحجم الاقتراض المحليّ، وانتظام تحويل عائدات المَقاصة.
سابعاً: الخيارات والتَوصيّات الاستراتيجيّة:
أولاً، تَكثيف التحرك السياسيّ والقانونيّ لاستعادة عائدات المَقاصة، من خلال المَسارات الثنائيّة، والدّوليّة، والقانونيّة المُتاحة، وربط المُطالبات الماليّة بآليات شفافة للتوثيق والمُتابعة، باعتبار هذه الإِيرادات حقاً مالياً أَساسياً لا يُمكن تَعويضه بالكَامل بالمُساعدات.
ثانياً، إِقرار ترتيب واضح لأَولويات الإنفاق العام، يضمن حمايّة الحد الأَدنى من الخدمات الصحيّة، والتعليميّة، والاجتماعيّة، ويُحدد معايير مُعلنة لتوزيع السيولة المُتاحة، وينبغي أن تَستند الأَولويات إلى تقييم دَوريّ للاحتياجات، مع تجنب تحميل الفئات الأَضعف العِبء الأَكبر للأَزمة.
ثالثاً، تَعزيز الشفافيّة والمُساءلة الماليّة من خلال نشر بيانات دَوريّة عن الإِيرادات الفعليّة، والنفقات، والمُتأخرات، والاقتراض، وتَوضيح الفُروق بين المُخصصات المُدرجة في المُوازنة والمَدفوعات المُنفذة، كما ينبغي تَقويّة الرَقابة على الإِنفاق وقِياس كَفاءة استخدام المَوارد.
رابعاً، تَطوير الإِيرادات المحليّة بصُورة عادلة عبر تحسين الامتثال الضريبيّ، ومُكافحة التهرب، وتحديث الإِدارة الضريبيّة، وتوسيع القاعدة الإِنتاجيّة، مع مُراعاة قُدرة المُنشآت الصغيرة والأُسر مَحدودة الدّخل على تحمل الأَعباء، فزِيادة التحصيل وَحدها لن تكون كافيّة ما لم تقترن بتنشيط الاقتصاد وتحسين بيئة الأَعمال.
خامساً، تَنسيق الدّعم الدّوليّ ضمن إِطار تمويليّ أَكثر استدامة، بحيث يتجاوز التَدخلات القصيرة الأَجل إلى دعم المُوازنة والخَدمات الأَساسيّة، وتَسويّة الالتزامات ذات الأَولويّة، وتمويل التعافيّ الاقتصاديّ، مع اعتماد آليات واضحة للرقابة على الأَموال واستخدامها.
سادساً، احتواء المَخاطر المَصرفيّة والمُتأخرات من خلال تنسيق مُنتظم بين الحُكومة، وسُلطة النقد، والمَصارف، وتقييم مُستويّات التعرض للقطاع العام، ووضع مَسارات واقعيّة لتسويّة المُستحقات، بما يُحافظ على قُدرة المَصارف على تمويل النشاط الاقتصاديّ.
سابعاً، إِنشاء مَنظومة للإِنذار المُبكر الماليّ والمُؤسسيّ تُتابع مُؤشرات السيولة، والرواتب، والمُتأخرات، وجودة الخدمات، وتحدد مُستويات التدخل المَطلوبة قبل انتقال الضُغوط الماليّة إلى تعطيل واسع للمَرافق العامة.
ثامناً: الخُلاصة التَقديريّة:
تَكشف أَزمة الماليّة العامة الفلسطينيّة عن تداخل عميق بين التبعيّة الإِيراديّة، والقُيود السياسيّة، والاختلالات الاقتصاديّة، والضُغوط المُؤسسيّة، وتتمثل خُطورتها الأَساسيّة في احتمال انتقالها من أَزمة سيولة وتمويل إلى تَراجع مُستدام في قُدرة المُؤسسات على أداء وظائفها وتوفير الخدمات التي يعتمد عليها المُواطنون.
ولا يكفي التقشف وحده لمُعالجة هذا المسار، كما لا تستطيع المُساعدات الخارجيّة أن تحل بصُورة دائمة محل الإِيرادات العامة المُنتظمة، فالمُعالجة الفاعلة تستلزم مَساراً مُتكاملاً يَجمع استعادة المَوارد المُحتجزة، وتحسين إِدارة المال العام، وحمايّة الخدمات الأَساسيّة، وتوسيع القاعدة الإِنتاجيّة، وتعزيز الشفافيّة والثقة المُؤسسيّة.
وعليهِ، فإنّ مِعيار نجاح الاستجابة لا ينبغي أن يقتصر على قُدرة الحُكومة على تدبير السيولة من شهر إلى آخر، بل يجب أن يشمل قُدرتها على استعادة انتظام المُؤسسات، وتقليص المُتأخرات، وضمان عدالة الوُصول إلى الخدمات، وحمايّة الاستقرار الاجتماعيّ، فاستدامة المُؤسسات الفلسطينيّة ليست مُجرد نتيجة للانضباط الماليّ، وإِنّما شَرط أَساسيّ للحفاظ على القُدرة الوطنيّة على الصُمود، والتعافيّ، ومُواصلة تقديم الخَدمات في بيئة شَديدة التعقيد.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.