
الصين تدفع “خوارزميات الرحمة” إلى صلب العمل الدولي ، بقلم : محمد مازن
دفعت الصين مجددا بمبدأ “الذكاء الاصطناعي من أجل الخير” إلى صدارة العمل الدولي، عبر قرار قدمته إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة واعتمده المجلس بالإجماع الأسبوع الماضي، بهدف تعزيز وصول الجميع إلى حقوق الإنسان والتمتع بها.
ويعكس القرار توجها لنقل التكنولوجيا من نطاق الابتكار التقني إلى توسيع فرص المشاركة الاجتماعية، بحيث تصبح التقنيات الناشئة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، أداة لتمكين الفئات الأكثر احتياجا وضمان عدم إقصائها من مسيرة التنمية.
ويركز القرار على تهيئة بيئة ميسرة تضمن مشاركة مختلف الفئات على قدم المساواة في الحياة الاجتماعية والتمتع بحقوق الإنسان. وقال جيا قوي ده، مندوب الصين الدائم لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف والمنظمات الدولية الأخرى في سويسرا، إن القرار يتناول الفرص والتحديات التي تطرحها التقنيات الناشئة، داعيا الدول إلى إعطاء الأولوية للابتكار والشمول والانفتاح والإنصاف والسلامة والأمن عند تطويرها.
وقبل اعتماد القرار، نظمت الصين فعالية جانبية خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان بعنوان “الذكاء الاصطناعي لتمكين تنمية حقوق الإنسان”. ودعت الفعالية إلى توظيف التكنولوجيا لتمكين ذوي الإعاقة وكبار السن والنساء والأطفال، وضمان مشاركتهم المتساوية في الحياة الاجتماعية، كما قدمت الصين مشروع قرارها الموضوعي بعنوان “إمكانية الوصول للجميع”.
وتعكس هذه التحركات توجها صينيا يربط تطوير الذكاء الاصطناعي بمبدأي “الذكاء من أجل الخير” و”الشمول والإنصاف”، انطلاقا من أن قيمة التكنولوجيا لا تقاس بتقدمها التقني فحسب، بل بقدرتها على سد فجوات الخدمات وتحسين حياة الناس.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في الصين، التي تضم نحو 85 مليون شخص من ذوي الإعاقة، وتشهد في الوقت نفسه ارتفاعا متسارعا في أعداد كبار السن، ما جعل تلبية احتياجات هذه الفئات جزءا أساسيا من تطوير الخدمات العامة والتكنولوجيا وتصميم المدن.
وعلى المستوى المحلي، لا يقتصر هذا التوجه على ابتكار أجهزة مساعدة، بل يشمل تهيئة البيئة المحيطة لتصبح أكثر إتاحة للجميع. فقد أطلقت الصين مشروعا وطنيا لتطوير البنية التحتية الميسّرة وإزالة العقبات، يشمل المستشفيات والمتاحف والجامعات ومحطات النقل، إلى جانب تطبيق معايير للشمول الرقمي في أجهزة الصراف الآلي والخدمات المصرفية والمنصات الحكومية، لتسهيل استخدامها من جانب كبار السن والمكفوفين.
وفي مجال دعم ذوي الإعاقة، تتوسع تطبيقات التكنولوجيا من توفير أدوات مساعدة فردية إلى تطوير حلول ذكية تعزز الحركة والاستقلال. ففي الرعاية الطبية وإعادة التأهيل، تُستخدم الروبوتات القابلة للارتداء والهياكل الخارجية الذكية لمساعدة الأطفال المصابين بالشلل الدماغي وكبار السن على تحسين قدراتهم الحركية. كما تساعد الكلاب الآلية المرشدة المكفوفين على التنقل من خلال تحديد العوائق وإشارات المرور وإصدار تنبيهات صوتية.
وتتيح الكراسي المتحركة التي تدار بإشارات الدماغ، والأطراف الاصطناعية التي تستجيب للإشارات العضلية، للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية فرصا أوسع للحركة والإمساك بالأشياء والاعتماد على الذات.
ويتقدم البحث أيضا في تقنية واجهات الدماغ والحاسوب، التي قد تتيح مستقبلا للأشخاص المصابين بالشلل الكامل التحكم في أجهزة رقمية وحركية عبر إشارات عصبية تترجمها الخوارزميات إلى أوامر. وإذا انتقلت هذه التقنيات إلى تطبيقات واسعة وآمنة، فقد تفتح آفاقا جديدة أمام أشخاص تحول إعاقتهم دون أداء أبسط الأنشطة اليومية بصورة مستقلة.
ولا تقل القدرة على الوصول إلى المعلومات والتواصل والتعليم أهمية عن حرية الحركة. ففي هذا المجال، أسهم التحول الرقمي في تطوير أدوات صوتية ومنازل ذكية تسهّل حياة المكفوفين، وتقنيات للترجمة والوصف السمعي البصري تتيح المحتوى بصورة أفضل لضعاف السمع.
كما أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي توفر إمكانات للتحويل الفوري بين الصوت ولغة الإشارة والنص، بما يساعد على تجاوز حواجز التواصل في المستشفيات والمتاجر وغيرها من المرافق.
وفي التعليم والعمل، تتخذ إتاحة الفرص بعدا آخر. فالفصول السحابية تتيح للأطفال ذوي الإعاقة في المناطق النائية الوصول إلى موارد تعليمية، متجاوزة بعض الحواجز الجغرافية، بينما تسعى الصين إلى توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي لفتح مجالات عمل أمام الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال مشاركتهم في مهام مثل تصنيف البيانات وترميزها، وهي مهام يحتاج إليها تطوير النماذج الذكية.
وقد تبدو هذه الوظائف محدودة في عالم التكنولوجيا، لكنها قد تمثل فارقا كبيرا لشخص يعاني إعاقة شديدة، إذ تمنحه فرصة للعمل والاستقلال والمشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
أما كبار السن، فتتجاوز التطبيقات الموجهة إليهم توفير الراحة اليومية إلى دعم الصحة والسلامة. فمن تقنيات التصوير الحراري المدعومة بالذكاء الاصطناعي، التي يمكن أن تساعد في الفحوص ورصد بعض المؤشرات الصحية، إلى أنظمة اكتشاف السقوط تلقائيا وإخطار أفراد الأسرة أو مقدمي الرعاية، تتوسع إمكانات التكنولوجيا في المنازل والمؤسسات.
ومع التوسع في استخدام الكاميرات وأجهزة الاستشعار والبيانات الشخصية، وضعت الصين الضمانات القانونية التي تحول دون استغلال هذه التقنيات وانتهاك الخصوصية، بما يحقق التوازن بين السلامة والرعاية من جهة، وحماية الحياة الشخصية من جهة أخرى.
وهكذا، تتجلى قيمة “خوارزميات الرحمة” في قدرتها على تحويل التقدم التقني إلى فرص ملموسة للحركة والتعلم والعمل والاستقلال. غير أن توسيع هذه الفرص داخل الحدود الوطنية لا يكفي لضمان استفادة الجميع من ثورة الذكاء الاصطناعي، ما لم يمتد التعاون إلى الدول التي تفتقر إلى البنية التحتية والموارد والخبرات اللازمة لمواكبتها.
وهذا ما تدركه الصين وتعمل على ترجمته إلى خطوات عملية، من خلال نقل هذا التوجه إلى الساحة الدولية انطلاقا من مبدأ المنفعة المشتركة. وفي هذا الإطار، أطلقت بكين مبادرة حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية، وأسهمت في تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي بمشاركة 29 دولة، إلى جانب التعهد بتوفير خمسة آلاف فرصة تدريبية لدول الجنوب العالمي، في مسعى إلى تعزيز قدراتها على مواكبة التطور التقني وتقليص الفجوة الرقمية.
ويكتسب القرار الأخير أهمية إضافية، ليس فقط لكونه ثاني قرار تطرحه الصين في مجلس حقوق الإنسان في هذا السياق، بعد قرار عام 2024، بل أيضا لما حظي به من توافق وإشادة دوليين، توجا باعتماده بالإجماع، ولتأكيده أهمية تقديم المساعدة التقنية للدول النامية وتعزيز التعاون الدولي في المجالات ذات الصلة، بما يتوافق مع احتياجاتها وقدراتها.
وهنا تبرز أهمية التعاون الدولي في ترجمة القرار إلى إجراءات ملموسة، تضمن توزيع فوائد الذكاء الاصطناعي على نحو أكثر عدالة، وألا تظل ثماره حكرا على دول أو فئات بعينها، بل تمتد إلى الناس في مختلف أنحاء العالم، لتوسيع فرص المشاركة وتحسين الحياة للجميع.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.