2:55 مساءً / 10 أكتوبر، 2026
آخر الاخبار

سناء الشخشير.. حلم فلسطيني على ضفاف الكلمة والوجدان

سناء الشخشير.. حلم فلسطيني على ضفاف الكلمة والوجدان

شفا – سناء الشخشير.. حلم فلسطيني على ضفاف الكلمة والوجدان


حوار:عطا درغام


تتحرك الكلمة في فضاء أبعد من مجرد رصد الحدث؛ إنها تعيد تشكيل الوعي وتبني سردية البقاء. من هذا المنطلق، تقف الشاعرة والكاتبة الفلسطينية سناء الشخشير كصوت يرفض أن تكون الكتابة مجرد مرثية للألم، بل تصر على جعلها مساحة لتوليد النور من قلب الانكسار. في هذا الحوار، نناقش معها جدلية العلاقة بين القصيدة ومقاومة المحو، وكيف تتحول مفردات الطبيعة والذات في ديوانها “هديل الروح” وفي مقالاتها الفكرية إلى وثيقة حية تحفظ الهوية الجمالية وتواجه واقعاً مثقلاً بالوجع.

المحور الأول: الهوية الأدبية وجدلية المقاومة بالكلمة

  1. كتبتِ سابقاً أن “الرصاصة حدث عابر والقصيدة وعي يتراكم”؛ كيف يمكن للقصيدة اليوم أن تواجه الآلة العسكرية التي تحاول محو الوجود الفلسطيني؟

أنا لا أضع القصيدة في مواجهة الرصاصة من حيث القوة المادية ؛فالرصاصة تملك لحظة الانفجار. أما القصيدة، فتملك ما هو أبقى :الذاكرة ..قد تهدم الآلة بيتاً، لكنها لا تستطيع أن تهدم حكايةً سكنت وجدان إنسان، ولا أن تمحو اسمًا حفظته قصيدة .القصيدة الفلسطينية لا تدّعي أنها توقف الحرب، لكنها تمنع الحرب من أن تكون الرواية الوحيدة .نحن نكتب كي نقول: هنا كان بيت، وهنا زيتونة، وهنا أمّ انتظرت، وهنا طفل كان له حلم .الرصاصة قد تصيب الجسد، لكن الكلمة تحفظ ما أرادوا قتله في الذاكرة .

  1. متى يتحول الأدب من مجرد تعبير جمالي ذاتي إلى أداة حقيقية لحفظ الذاكرة الجمعية من النسيان؟

حين يتجاوز الكاتب ذاته دون أن يفقدها .حين يصبح الوجع الشخصي نافذةً يرى الآخر من خلالها وجعه أيضًا .الأدب يصبح ذاكرة حين لا يكتفي بأن يقول: أنا تألمت، بل يقول: نحن مررنا من هنا، وهذا ما حدث لنا .فالكاتب لا يحفظ التاريخ بالأرقام وحدها، بل يحفظ رائحة المكان صوت الأمهات، أسماء الشوارع، تفاصيل البيوت، خوف الأطفال، وأحلام الذين رحلوا .وحين تصل هذه التفاصيل إلى قلب قارئ لم يعشها، يكون الأدب قد انتصر على النسيان .

  1. هل ترين أن الكلمة قادرة بالفعل على حماية الهوية الجمالية للأمة في زمن يتسيد فيه ضجيج القوة؟

نعم، لأن الهوية ليست أرضًا وحدها، بل لغة وذاكرة وملامح وحكايات .حين نحافظ على لغتنا، وعلى حكاياتنا وأغانينا وأمثالنا وصورنا الجميلة عن المكان، فإننا نحمي جزءًا عميقًا من وجودنا .القوة تستطيع أن تفرض حضورها بالقهر، لكنها لا تستطيع أن تجعلنا نحب ما لا ننتمي إليه .الكلمة لا تحرس الحدود بالسلاح، لكنها تحرس المعنى؛ ومن يفقد معنى وطنه، يصبح الوطن قابلاً للنسيان .

  1. في مقالك عن نابلس، وصفتِها بأنها “مدينة تكتب بالحب وتحرس بالذاكرة”؛ كيف تنعكس هذه الثنائية (الحب والذاكرة) على موقفك الفكري العام؟

الحب والذاكرة بالنسبة لي ليسا متناقضين ..الحب هو ما يجعلنا نتمسك بما نتذكر، ..والذاكرة هي ما يمنح الحب جذوره ..نابلس بالنسبة لي ليست حجرًا وأزقةً فقط؛ هي رائحة القهوة، دفء البيوت، الياسمين، الحكايات القديمة، وذاكرة مدينة تعرف كيف تبتسم رغم ما مرّ عليها ..ولهذا أؤمن أن مقاومة القبح لا تكون دائمًا بالصوت المرتفع؛ أحيانًا تكون بأن نظل قادرين على الحب، وأن نحفظ الجمال من أن تبتلعه القسوة ..

  1. إلى أي مدى تفرض الجغرافيا الفلسطينية شروطها على وعي الكاتب، وهل يمكن للأديب الفلسطيني أن ينفصل بنصه عن هذا الواقع؟

الجغرافيا الفلسطينية ليست خلفية للنص، إنها جزء من تكويننا النفسي والوجداني ..نحن نحمل المكان في اللغة حتى حين لا نذكر اسمه .قد يكتب الكاتب الفلسطيني عن الحب، عن الفقد، عن المطر أو عن امرأة تنتظر حبيبها، لكن خلف هذه التفاصيل تسكن دائماً أسئلة المكان والحرية والانتماء والغياب ..لا أعتقد أنني أستطيع أن أفصل نفسي عن فلسطين؛ أنا لا أكتب عن فلسطين دائماً، لكن فلسطين تكتب في داخلي دائماً ..

المحور الثاني: الإنتاج الأدبي والاشتغال الجماعي
6. ديوانك “هديل الروح” يحمل مساحة عالية من الوجدانية الهامسة كيف استطاع هذا الهديل أن يجد مكاناً وسط صخب الأحداث السياسية المتلاحقة؟

لأن الإنسان لا يعيش بالقضايا الكبرى وحدها .يعيش أيضًا بما تخبئه روحه من حب وحنين وخوف وأسئلة .كتبت هديل روح من المنطقة التي لا تصل إليها أصوات المدافع من الداخل الإنساني الذي يحتاج إلى كلمة تربت على كتفه حين يعجز العالم عن ذلك .وأنا أؤمن أن الهمس ليس ضعفًا، فقد تكون الكلمة الهادئة أعمق أثرًا من الصراخ .كتبت الهديل لأن الروح، حتى في أكثر الأزمنة قسوة، تحتاج نافذةً تتنفس منها .

  1. شاركتِ في مؤلفات جماعية مثل “نسخ تتألم” و”قطار العائدين من الوجع”؛ ما الذي يضيفه العمل المشترك للكاتب مقارنة بالديوان المستقل؟

الكتاب المستقل يشبه أن يفتح الكاتب قلبه وحده .أما العمل الجماعي فيشبه أن تتجاور قلوب كثيرة لتروي زمنًا واحدًا من زوايا مختلفة .في التجربة الجماعية أشعر أن النص لا يعود ملكاً لصاحبه وحده، بل يصبح جزءًا من مشهد أوسع .وما يضيفه لنا هذا النوع من النشر هو اكتشاف أن الوجع، مهما بدا شخصيًا له وجوه كثيرة، وأن الحكاية حين تتعدد أصواتها تصبح أكثر قدرة على الوصول .
8. كيف تتقاطع الأصوات الأدبية المتعددة في كتاب واحد لتقديم شهادة جماعية على مرحلة تاريخية معينة؟

كل كاتب يحمل نافذته الخاصة إلى العالم؛ أحدنا يرى الحدث من قلبه، وآخر يراه من ذاكرته، وثالث يراه من أثره في الآخرين .وعندما تجتمع هذه النوافذ، تتشكل صورة أكثر اتساعًا من أن يقدّمها صوت واحد .لهذا أرى الكتاب الجماعي أشبه بـ فسيفساء إنسانية؛ كل قطعة فيها تبدو صغيرة، لكنها حين تجاور غيرها تكشف لوحة كاملة .

  1. هل ترين أن العناوين ذات الصبغة الوجدانية الحزينة مثل “العائدين من الوجع” تعكس واقعاً ثابتاً للأدب الفلسطيني المعاصر، أم أنها مرحلة تعبيرية عابرة؟

الألم حاضر في الأدب الفلسطيني لأنه حاضر في التجربة، لكنني لا أؤمن أن الأدب الفلسطيني محكوم بالحزن وحده ..نحن نكتب الوجع، نعم، لكننا نكتب الحب أيضاً، ونكتب الحياة، ونكتب الحلم والضحكة والخبز والياسمين ..فحتى حين نكتب عن الألم، لا نريد أن نخلّد الألم نريد أن نخرج منه بمعنى، وأن نثبت أن الفلسطيني ليس ضحية فقط ..بل إنسان يحب ويحلم ويقاوم ويصنع الجمال .

  1. كيف تقيمين تجربة النشر المشترك في إيصال صوت الكاتب إلى شرائح قرائية أوسع وأكثر تنوعاً؟

هي تجربة تفتح للكاتب أبواباً لم يكن ليصل إليها وحده .عندما يجتمع عدد من الكتاب، يجتمع معهم قراؤهم وتجاربهم ودوائرهم الثقافية .لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في الانتشار وحده، بل في أن يجد النص قارئًا يرى نفسه فيه .فالكاتب لا يحتاج فقط إلى أن يُقرأ كثيراً؛ فالكاتب لا يحتاج فقط إلى أن يُقرأ كثيرًا؛ يحتاج أن يُقرأ بصدق، وأن تترك كلماته أثرًا بعد أن يغلق القارئ الصفحة .

المحور الثالث: الخصائص الفنية وبنية النص
11. في قصيدة “هديل الروح”، كتبتِ: “كلّما تجلّيت بخاطري تومض الدّنيا، يرقص قوس قزح”؛ كيف توظفين هذه الانتقالة من العتمة إلى وميض الألوان في نصوصك؟

أنا لا أرى النور نقيضًا للعتمة، بل أراه ابناً لها أحيانًا ..حين أكتب عن الألم، لا أريد أن أترك القارئ في نهايته؛ أبحث دائمًا عن نافذة صغيرة يدخل منها الضوء .قوس قزح بالنسبة لي ليس مجرد صورة جمالية، بل هو إعلان داخلي بأن الروح قادرة على خلق لونها حتى بعد أن يمر بها المطر .

  1. تحضر عناصر الطبيعة كالمطر والياسمين والغيم بكثافة في شعرك؛ كيف تتفادين وقوع هذه المفردات في فخ الديكور الخارجي لتصبح لغة ناطقة بلسان الذات؟

لا أتعامل مع الطبيعة كزينة للنص؛ أنا أستعير منها ما يشبه الإنسان.المطر عندي قد يكون تطهيرًا أو حنينًا والغيم قد يكون انتظارًا، والياسمين قد يكون ذاكرةً لا رائحة فقط .حين تصبح الطبيعة مرآةً للروح، تتوقف عن كونها خلفية للنص وتتحول إلى شخصية صامتة تشاركنا الحكاية .

  1. النبرة الهامسة والنزعة الصوفية واضحة في مناجاتك الشعرية؛ هل ترين أن الروحانية هي الملاذ الأخير للشعر في عالم مادي؟

ليست ملاذًا أخيرًا بقدر ما هي عودة إلى الأصل.كلما ازدحم العالم من حولنا بالمادة، احتاج الإنسان إلى أن يسمع صوته الداخلي أكثر. والروحانية تمنح الشعر تلك المساحة التي يتجاوز فيها الأشياء إلى معانيها.أنا أبحث في الكتابة عن ذلك الخيط الخفي بين الإنسان ونفسه، وبين القلب وما يؤمن به ..فالشعر حين يفقد روحه قد يبقى كلاماً جميلاً، لكنه لا يصبح حياة ..

  1. كيف تشكلين الإيقاع الداخلي للقصيدة لكي يخاطب وجدان القارئ مباشرة دون الحاجة إلى التقريرية المباشرة؟

أترك للمشاعر أن تقود الجملة قبل أن يقودها التفكير ..الإيقاع بالنسبة لي ليس موسيقى الكلمات فقط، بل المسافة بين كلمة وأخرى، والصمت الذي أتركه للقارئ كي يكمل المعنى بنفسه ..لا أحب أن أقول للقارئ ماذا يجب أن يشعر؛ أفضّل أن أضع أمامه الصورة، ثم أترك قلبه يفتح الباب ..أكتب ما يجعل القارئ يشعر، لا ما يشرح له كيف يشعر.

  1. هناك شعرة فاصلة بين الغموض الفني والوضوح التعبيري في الشعر؛ كيف تحافظين على هذا التوازن في قصائدك؟

أؤمن أن النص الجميل لا ينبغي أن يكون مغلقاً، ولا مكشوفًا بالكامل.أترك فيه مساحة للتأويل، لكنني لا أترك القارئ تائهًا. أحب أن أمنحه خيطًا من الضوء، ثم أترك له حرية اكتشاف بقية الطريق .فالغموض حين يخدم المعنى جمال، وحين يصبح غاية يتحول إلى حاجز.أريد للقارئ أن يحتار قليلًا، لا أن يضيع .

المحور الرابع: الفلسفة الفكرية والرؤية للألم
16. تؤمنين بأن الكتابة لا تلغي الوجع بل تمنحه معنى؛ كيف يمكن للغة أن تحول الجرح من مصدر للمظلومية إلى طاقة هداية ونور؟

أنا لا أؤمن أن الكتابة تمحو الجرح؛ بعض الجروح لا تُمحى، لكنها تستطيع أن تعيد تعريف علاقتنا بها .حين نكتب وجعنا، نخرجه من عتمته الخاصة إلى فضاء يمكن أن يراه الآخر ويفهمه، وربما يجد فيه شيئاً من نجاته . .الكتابة تجعل من الألم معرفة، ومن المعرفة بصيرة، ومن البصيرة قدرة على النهوض ..ولهذا أكتب؛ لا لأقول إنني لم أتألم، بل لأقول إن الألم لم ينتصر عليّ ..وربما لهذا أؤمن دائماً أن الكلمة ليست ترفًا؛ إنها فعل بقاء، ومقاومة، وجمال… وحين نعجز عن تغيير ما حدث، نستطيع أن نمنحه معنى يجعلنا أقوى مما حدث ..
17. مقولتك بأن “بعض الشروخ نوافذ يدخل منها نور الله إلى الروح”، كيف تطبقينها عملياً على واقع المعاناة اليومية التي يعيشها الإنسان الفلسطيني؟

أؤمن أن الشروخ لا تجعلنا أقل اكتمالًا ..بل تكشف أحياناً الأماكن التي لم نكن نعرف أنها قادرة على استقبال النور ..وفي واقعنا الفلسطيني، حيث يصبح الفقد جزءًا من تفاصيل اليوم، لا تعني هذه العبارة أن نجمّل الألم أو نمنحه مبررًا، بل أن نبحث وسط الخراب عن المعنى الذي يمنحنا القدرة على الاستمرار ..قد يفقد الإنسان بيتًا، لكنه يتمسك بذاكرته، وقد يفقد عزيزًا، فيحمل صوته في داخله، وقد يُحاصر المكان، لكن الروح تظل قادرة على فتح نافذة نحو الغد ..وربما هنا تكمن قوة الفلسطيني؛ أن يحوّل وجعه من قبر إلى ذاكرة، ومن ذاكرة إلى فعل بقاء ..

  1. يتكرر الليل والروح والحب في نصوصك كوجوه متعددة للحقيقة الإنسانية؛ ما هي الحقيقة التي تبحثين عنها خلف هذه الرموز؟

أبحث عن الإنسان في أكثر لحظاته صدقًا حين يسقط عنه كل ما اعتاد أن يرتديه أمام الآخرين ..الليل عندي ليس عتمة فقط، بل مساحة نسمع فيها أصواتنا التي يخنقها النهار ..والروح هي ذلك الجزء الذي لا تستطيع الحياة أن تساومه ..أما الحب فهو الحقيقة التي تظل قادرة على إنقاذ ما تعجز القوة عن إنقاذه ..أكتب لأقترب من تلك المنطقة الخفية في الإنسان، حيث لا يعود السؤال: ماذا نملك؟ بل ماذا بقي فينا من إنسانيتنا بعد كل ما مررنا به؟
19. هل تعتقدين أن الأدب الذي يولد من رحم المعاناة يمتلك عمرًا أطول من الأدب المترف؟

ليس الألم وحده ما يمنح النص الخلود، وإنما صدقه وقدرته على تجاوز صاحبه إلى الإنسان ..لكن النص الذي يولد من معاناة حقيقية يحمل في داخله نبضاً لا يمكن اصطناعه؛ لأن الكاتب لا يكتب الوجع من الخارج، بل يكتب من مكان احترق فيه شيء ما داخله ..الأدب المترف قد يكون جميلاً، لكن الأدب الذي خرج من رحم التجربة يحمل شهادة إنسانية .وما يُكتب بصدق قد يعبر الزمن، لأن الإنسان يتغير، لكن وجعه وأسئلته وحاجته إلى الأمل لا تتغير كثيراً ..
20. كيف يمكن للكاتب أن ينجو بنصه من السقوط في فخ العدمية واليأس عندما يكتب عن الوجع والفقد؟

بأن يتذكر أن مهمته ليست أن يضاعف العتمة بل أن يمنحها معنى ..لا أؤمن بالكتابة التي تنكر الوجع، كما لا أؤمن بالكتابة التي تجعل منه قدراً نهائياً ..حتى في أكثر النصوص حزناً، أبحث عن خيط صغير يقود إلى الحياة ..قد أكتب عن الموت، لكنني أكتب أيضاً عن أثر من رحل ..وقد أكتب عن الفقد، لكنني أترك للذكرى باباً مفتوحاً . .فالكاتب الحقيقي لا يكذب على الجرح، لكنه لا يسمح له بأن يكون الكلمة الأخيرة ..فالكتابة بالنسبة لي ليست أن نقول للإنسان إن الليل طويل، بل أن نذكّره بأن الفجر، مهما تأخر، لا يزال يعرف الطريق ..

المحور الخامس: الصحافة الفكرية وسياقات الكتابة
21. تجمعين بين كتابة الشعر وكتابة المقال السياسي والفكري؛ كيف تختلف أدواتك التعبيرية بين وضوح المقال ومجاز القصيدة؟

لكل جنس أدبي روحه وأدواته في المقال أحتاج إلى أن أكون واضحة، دقيقة، وأن أضع الفكرة أمام القارئ دون أن أتركها أسيرة المجاز. أما القصيدة فتمنحني مساحة أوسع لأقول ما لا تستطيع العبارة المباشرة قوله هناك أترك للصورة والإيحاء والصمت أن تشارك في صناعة المعنى ..لكنني في الحالتين أبحث عن الشيء ذاته: أن تصل الكلمة إلى مكان ما في وعي القارئ، لا أن تمر أمامه ثم تُنسى ..
22. في مقالاتك عبر الصحف الفلسطينية والعربية، ما هي القضايا الملحة التي ترين أن على المثقف مناقشتها وتجاوز السائد فيها؟

أرى أن على المثقف ألا يكتفي بتشخيص الألم، بل أن يذهب إلى جذوره ..نحن بحاجة إلى نقاش حقيقي حول الإنسان، والعدالة، والهوية، والتعليم، والمرأة، والشباب، وتأثير التكنولوجيا في وعينا، وتراجع القراءة، وثقافة المظاهر، والعنف، والهجرة، والانقسام الاجتماعي، وكل ما يُعيد تشكيل الإنسان العربي والفلسطيني .المثقف، في رأيي، ليس من يملك الإجابات دائمًا، بل من يجرؤ على طرح الأسئلة التي يخشى المجتمع مواجهتها .وأؤمن أن الثقافة التي تخاف من الأسئلة تتحول مع الوقت إلى مجرد تكرار لما نعرفه، بينما دورها الحقيقي أن تفتح نافذة لما لم نفكر فيه بعد.

  1. أيهما يمنحك حرية أكبر ومساحة أوسع للتأثير: المنبر الصحفي اليومي أم الغلاف المغلق للديوان الشعري؟

الصحافة تمنحني اتساعًا في الوصول وسرعة في ملامسة القضايا اليومية ..بينما يمنحني الكتاب مساحة أعمق لأبني عالمي الخاص دون استعجال ..في الصحافة أقترب من نبض الشارع وفي الكتاب أقترب من نبض الروح ..لذلك لا أرى أن أحدهما يلغي الآخر؛ أنا أحتاج إلى الاثنين. أحتاج أن أكتب ما يحدث حولي، وأن أعود أيضًا إلى داخلي لأفهم ما يحدث لي. فالصحافة نافذتي إلى العالم، والكتاب نافذتي إلى ذاتي ..

  1. كيف يتكامل السياسي مع الثقافي في مقالاتك، وهل تخدم الكتابة الصحفية النص الشعري أم تأخذ من توهجه؟

السياسي والثقافي في حياتنا ليسا جزيرتين منفصلتين؛ فالقرار السياسي يترك أثره في البيت والشارع والجامعة والكتاب ..
والثقافة بدورها تصنع وعيًا يمكن أن يغيّر طريقة الإنسان في النظر إلى واقعه .أما الكتابة الصحفية فلا أراها خصماً للشعر، بل تدريباً آخر على الإصغاء إلى الحياة ..قد تمنحني الصحافة وضوحًا، ويمنحني الشعر قدرة على رؤية ما وراء الوضوح. وبين الاثنين تتشكل تجربتي؛ عقلٌ يسأل، وروحٌ تتأمل، وقلم يحاول أن يجمعهما في كلمة صادقة ..

  1. في ظل تسارع منصات النشر الرقمي، كيف تنظرين إلى دور المقالة الفكرية الرصينة في إعادة توجيه الوعي العام بعيداً عن السطحية؟

في زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من التفكير، تصبح المقالة الرصينة ضرورة لا ترفاً ..نحن لا نعاني اليوم من نقص المعلومات بقدر ما نعاني من فائضها ومن غياب القدرة على التمييز بينها ..
المقالة الفكرية تستطيع أن تمنح القارئ لحظة يتوقف فيها عن التمرير ويبدأ بالتفكير؛ أن تضع أمامه السؤال بدلاً من أن تقدم له حكماً جاهزاً، وأن تفكك الفكرة بدلاً..وأن تفكك الفكرة بدلا من ان تكتفي بترديدها . .وأنا أؤمن أيضا أن الكلمة الجادة قد لا تحقق انتشارًا سريعا كالكلمة العابرة ،لكنها تترك أثرًا أعمق . .فالضجيج يملأ اللحظة ،أما الفكر فيبني الذاكرة ،وما نحتاجهُ اليوم ليس مزيدًا من الكلمات ,بل كلمات تستحق أن تبقى . .

شاهد أيضاً

انتخابات على مقاس الفصائل… أم شعب على مقاس الانتظار؟ بقلم: المهندس غسان جابر

انتخابات على مقاس الفصائل… أم شعب على مقاس الانتظار؟ بقلم: المهندس غسان جابر في فلسطين، …