3:53 مساءً / 19 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

فخ النوايا والنتائج: من يدفع ثمن إعادة رسم الشرق الأوسط؟ بقلم: مروان اغبر

فخ النوايا والنتائج: من يدفع ثمن إعادة رسم الشرق الأوسط؟ بقلم: مروان اغبر


شهدت القاهرة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً يحمل في طياته دلالات سياسية بالغة الأهمية؛ حيث التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لبحث التطورات المتسارعة في المنطقة، وفي مقدمتها ملف الملاحة في البحر الأحمر والضغط الحوثي المتزايد عند باب المندب. وفي توقيت متزامن تقريباً، وصل الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى العاصمة المصرية ليلتقي بالرئيس السيسي في اليوم التالي.

في المرور السريع على هذه الزيارات قد نراها مجرد تحركات بروتوكولية روتينية، لكن التدقيق في التوقيت والبيانات الصادرة يكشف عن دلالات أعمق؛ ففي الوقت الذي طغت فيه الأزمة الأمنية للملاحة البحرية والتصعيد الحوثي على جدول الأعمال المعلن، جاء البيان المصري-السعودي المشترك ليعيد التأكيد بوضوح على محورية القضية الفلسطينية وضرورة إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة.

هذا التزامن الدقيق والحرص على تضمين الملف الفلسطيني في قلب التفاهمات البحرية والأمنية، يشير إلى إدراك عربي وفلسطيني مبكر بوجود مساعٍ إقليمية ودولية تدفع باتجاه فرض «ترتيبات أمنية جديدة» في البحر الأحمر. ترتيبات يسعى يمين الاحتلال، برعاية وضغط أمريكيين، لتوظيفها من أجل تقديم نفسه كـ «مزود حماية وشريك أمني» للمملكة العربية السعودية في مواجهة التهديد الحوثي-الإيراني، وربط ذلك بمسار التطبيع، بما قد يطرح مجدداً السؤال حول موقع القضية الفلسطينية وشروط أي اندماج إقليمي جديد.

أمام هذه الضغوط المعقدة، تبرز معضلة فلسطينية داخلية متكررة: طغيان العمل العاطفي الميداني والتجييش الجماهيري على الحسابات الاستراتيجية الباردة. لقد أثبتت التجارب أن الانسياب خلف الشعارات العاطفية الحماسية والخطاب الذي يمزج بين المظلومية والوعود الخلاصية، غالباً ما يتحول في النهاية إلى أوراق نفوذ تستثمرها أطراف خارجية، بينما يتحمل الشعب الفلسطيني القسم الأكبر من الفاتورة الميدانية والسياسية، من أرضه وحياة أبنائه ومستقبله السياسي.

وما يفاقم هذا الفخ هو التقاء أطراف الصراع على استخدام “خطاب ديني مقدس” يزاحم التفكير السياسي العقلاني ويطغى عليه. فيمين الاحتلال يغلف مشروعه للسيطرة والتطهير العرقي بنبوءات عقائدية ورسائل خلاصية تعيد رسم الخارطة بدموية. وفي المقابل، تستخدم حماس في خطابها السياسي والعسكري مفردات الشهادة والمقاومة والرموز الدينية في حشد الجمهور وترسيخ سردية الصمود والانتصار، في خطاب يتجاهل أو يقلل من شأن توازنات القوى القائمة، مما يجعل التضحيات الكارثية والدمار الإنساني مجرد “أضرار جانبية في طريق النصر الموعود”. بينما يوظف الحوثيون وإيران خطاب القدس والمقدسات ضمن سردية أوسع للصراع الإقليمي، لخدمة أهداف نفوذ جيوسياسي تُستخدم في نهاية المطاف كأدوات مساومة على موائد التفاوض الإقليمي والدولي.

ومن خلال الشواهد التاريخية علينا أن نرى كيف تُنتج العاطفة نتائج عكسية، فعند قراءة المحطات المفصلية في التاريخ الفلسطيني الحديث بلغة النتائج المباشرة دون السعي لتبرئة أحد أو إدانته، نجد نمطاً متكرراً من الخسائر السياسية.


في العودة للعام 1996، وفي الوقت الذي استقبل فيه الشارع الفلسطيني عودة القيادة الفلسطينية وتأسيس السلطة بالورود والأمل في بناء اللبنة الأولى للدولة عقب اتفاق أوسلو، جاءت موجة التفجيرات الميدانية التي نفذتها فصائل رافضة للمسار السياسي. أحدثت هذه العمليات صدمة عميقة في الشارع والمجتمع في قلب الاحتلال، مما أدى إلى انهيار معسكر العمل بقيادة شمعون بيريس، وصعود بنيامين نتنياهو للمرة الأولى إلى رئاسة الحكومة على رأس اليمين المتطرف.


ومنذ ذلك الفوز، اتخذ المسار السياسي لدى الاحتلال اتجاهاً أكثر صعوبة أمام عملية السلام وخيار الدولة الفلسطينية، وهو اتجاه تعزز لاحقاً عبر سياسات حكومات نتنياهو المتعاقب. والمفارقة التاريخية الكبرى تتجلى اليوم حين يُعاد تقييم موقف حركة حماس نفسها، التي انتقلت بعد عقود —في وثيقتها المعدلة عام 2017 وفي مفاوضاتها اللاحقة— للقبول بدولة على حدود 1967، وهو السقف السياسي نفسه الذي شكّل جوهر المسار الذي استهدف في التسعينيات باعتباره تنازلاً لا يمكن قبوله ضمن مسار أوسلو.


ولا يمكن في هذا السياق غض الطرف عن الاستراتيجية التي انتهجها نتنياهو لسنوات في تغذية هذا الانقسام الفلسطيني وترسيخه، عبر التدفقات المالية بالشنطة القطرية في تكريس للفصل بين المحافظات الشمالية والمحافظات الجنوبية (ضفة وغزة)، لإضعاف السلطة الوطنية وإغلاق الباب أمام أي أفق سياسي يُجبر الاحتلال على الانسحاب.
تكرر المشهد ذاته تقريباً في عام 2023؛ فقبل السابع من أكتوبر، كان كيان الاحتلال يعيش حرباً داخلية والانقسام المجتمعي الأكثر حدة في تاريخه، وسط مظاهرات عارمة هددت تماسك مؤسساته الأمنية والسياسية بسبب التعديلات القضائية. لكن اندفاعة الميدان استندت إلى خطاب عاطفي جماهيري يعد بـ “اقتراب التحرير”، محققاً نشوة عاطفية لحظية لدى البعض في الشارع العربي والفلسطيني، وتحولت النتائج على الأرض إلى كارثة بنيوية فلسطينية: تدمير شامل للمحافظات الجنوبية (قطاع غزة)، نكبة إنسانية غير مسبوقة، وإعادة احتلال، وتعزيز طروحات التهجير والتطهير العرقي تحت غطاء دولي.


وعلى الجانب الآخر، منحت هذه الأحداث يمين الاحتلال طوق نجاة متكامل لتجاوز أزمته وانقسامه الداخلي فوراً، أعادت هذه الأحداث ترتيب المشهد السياسي لدى الاحتلال حول الحرب والأمن، وأخرجت حكومة نتنياهو من مركز الأزمة الداخلية التي كانت تطغى على المشهد، ومنحتها مساحة لإعادة طرح مسألة تغيير وجه الشرق الأوسط من موقع القوة العسكرية.


بالعودة إلى المشهد الحالي وتزامن التطورات في البحر الأحمر مع اقتراب الانتخابات القادمة لدى الاحتلال؛ يُعاد فتح ذات المربع الذي كُتبت مسودته الأولى عام 1996: الأمن، الحرب، والخوف من التهديد الخارجي، بوصفها عوامل يمكن أن تعيد تشكيل أولويات الناخب لديه. ويسعى نتنياهو مجدداً لتوظيف الميدان وتداعياته لترجيح كفته الانتخابية، مقدماً نفسه كـ “القائد الوحيد القادر على إخضاع المنطقة وفرض واقع أمني جديد”.

إن الضغط الواقع على المملكة السعودية اليوم في ملف باب المندب ليس معزولاً عن هذه الاستراتيجية؛ إذ تتضافر الجهود الأمريكية مع مساعي الاحتلال لتشديد الخناق الأمني على الرياض ووضعها أمام خيار أحادي: الاستعانة بالتفوق الأمني والعسكري للاحتلال لمواجهة الخطر الحوثي، مقابل تجاوز الحق الفلسطيني بالكامل وتهميشه.

وهنا تكمن قيمة الحراك الراهن في القاهرة؛ حيث تُظهر الزيارات المتزامنة والتنسيق المصري-السعودي-الفلسطيني محاولة جادة لبناء خط دفاع عربي يرفض هذا الابتزاز الأمني المزدوج، ويمنع تحويل الضغوط البحرية وأزمات الملاحة إلى ذريعة لتمرير صفقة أمنية تكون القضية الفلسطينية ثمنها المريح.

الخلاصة وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه الوقائع للشعب الفلسطيني وقياداته، أن السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها. فقد يبدأ الفعل بوصفه مقاومةً، أو دفاعاً، أو حمايةً لمصلحة وطنية، لكن التاريخ يحاسب أصحابه على ما يتركه من نتائج. فلا يمكن أن يكون المعيار عدد الشعارات التي رفعت، بل مقدار ما بقي من الأرض، وما قطعناه من طريق نحو الدولة.


إن مواجهة محاولات يمين الاحتلال وحلفائه لإعادة هندسة المنطقة وتصفية حقوق الشعب الفلسطيني تتطلب مغادرة فخ التجييش العاطفي، والتمسك بمسار سياسي عقلاني يحسب النتائج ويحمي المصلحة الوطنية الفلسطينية، فالحقيقة التي ينبغي ألا تغيب وسط ترتيبات الممرات والملاحة والأمن الإقليمي هي أن لا أمن ولا استقرار مستدام في الشرق الأوسط، ما لم ينل الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة كاملة بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

فإذا كانت المنطقة تُعاد صياغتها اليوم على وقع الأمن والممرات البحرية والحرب والنفوذ، وإذا كانت العواصم تبحث عن ترتيبات جديدة تحفظ مصالحها وأمنها، يبقى السؤال الفلسطيني الأهم: هل ستكون فلسطين جزءاً من الخريطة الجديدة، أم الثمن الذي دُفع كي تُرسم؟

شاهد أيضاً

حين تلد الجغرافيا قصيدة: محمد عبد الحفيظ الهادي يفك شفرات الكلمة والموقف

حين تلد الجغرافيا قصيدة: محمد عبد الحفيظ الهادي يفك شفرات الكلمة والموقف

شفا – حين تلد الجغرافيا قصيدة: محمد عبد الحفيظ الهادي يفك شفرات الكلمة والموقفحوار:عطا درغام …