3:55 مساءً / 19 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

قراءة في… قصيدة” ذكريات مرَّة” للشاعر معاذ العالم ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قراءة في... قصيدة" ذكريات مرَّة" للشاعر معاذ العالم ، بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

قراءة في…
قصيدة” ذكريات مرَّة” للشاعر معاذ العالم

  • قصيدة “ذكريات مرَّة” ناجحة جداً في أنسنة التاريخ
  • تماهي ثقافة الشاعر مع قدراته البيانية، جعل قصيدته
    نابضة بالعمق والإبداع
    بقلم الكاتب: نصير أحمد الريماوي

لفتت انتباهي قصيدة منشورة في “وكالة أنباء فلسطين” بعنوان” ذكريات مرَّة” للشاعر معاذ العالم، نظمها الشاعر المتوقِّد ملتزما بخصائص الشعر العمودي الذي يعتمد على نظام الشطرتين والالتزام بالوزن و القافية الموحدة مع جزالة اللفظ.


يمتاز شعره برصانة الأسلوب، بالثبات، والرزانة والعمق المتوازن، وهو شاعر مُلهَم بجزالة ألفاظه واختياره كلمات قوية، ومتينة البناء بعيدة عن الركاكة،ويتملك قدرة تعبيرية تأخذ بالألباب، وتؤثر في يالنفوس.
لقد استطاع شاعرنا ” معاذالعالم”، جعل هذه القصيدة تجسِّد ذاكرة جمعية مؤلمة، وتوثِّق لحظة فارقة في التاريخ العربي المعاصر، وهي نكسة 5 حزيران 1967، وما تلاها من احتلال وتشريد.


كتب في قصيدته الطويلة” ذكريات مُرَّة” يقول:

طلعَ   الفجرُ   وتهلل  النُّورُ   والضياء
وارتَدى  الكونُ  حلَّته  البَهية البيضاء
وصَحت  شمسُ الوَرى   من   خَدرها
فتزيَّنت  بشعاعها   الذهبي     السَّماء
وصَحت  الطيورُ  من  سُباتها وشَدَت 
فغدت    تُردد  سمفونيَتَها    الأرجاء
ودبَّت الحركةُ  في   شوارع  المدينة
وشَنَّفَ   آذانَ   من يسكنها    الحِداء
وانفرجت أبواب الدكاكين صبحاً عن
كل  ما   تشتهي  الأنفُسِ  وما   تشاء
وصوت بائعِ الكعكِ بالسِمسِمِ والبَيضِ
على ناصيةِ الشَّارع   ورائحة  الشُواء
تنبعث   من   مطعم     أبي     عصام
وصحونُ الفولِ  والحُمصِ   والحَساء
تنتظر الزبائن  يَعُدها   وجبةً  للفطور
ومثلها   أخرى  حين  يَهِل      العشاء
وأصواتُ  أبواقِ  السيارات     تُطلِقُها
كلَّما    اعترضها   مُغامرٌ  راحَ    وجاء
وصُراخُ  بائعوا الخُضار  في    السوق
إذ  تتعالى   اصواتُهم    فَيَرتجُّ   البِناء
وصينيةُ  القهوةِ  يدور    بها   يونسُ*
على الزبائنِ  بِقامتِه  المُقوَّسة الحَدباء
ومتسوِلٌ    رَثَّ     الثيابِ    يستجدي
الناسَ   وفي   صوته    ذِلَّة      ورجاء
والحَمَّالُ المِسكين  وقد  انهكه  الحِملَ
يرتاح من  التعب  في    ظل     الفناء
وأنا  غارقٌ   في   بحرٍ    من    الأفكار
وأمامي فنجانٌ من القهوةِ وكاسُ  ماء
ومن    خلفيَ   جمهورٌ    في   المَقهى 
وهرجٌ  ومرجٌ ومذياعٌ  يَصدحُ  بالغناء
وأراجيلٌ   تُقرقِرُ   وأصواتٌ    تتقاطع
وصراخٌ   وصياحٌ   وجَلبَةٌ   وضوضاء
انقطع الصوت فجأةً  وصوتُ   المذيعِ
فاجأنا   بخبرٍ      في   نشرةِ    الأنباء:
شنَّت طائراتُ العدوِ    الغاشِمِ   غارةً
على   أرضِ مِصرَ  في   ساعةِ  المساء
ودَمَّرت سلاحَ  الطيرانِ المصري جُملة
فتبعثر   حُطامه    في   كلِّ    الأنحاء.


إليك إضاءة نقدية وتحليلية للقصيدة ومضامينها:


تقوم القصيدة على مفارقة زمنية ونفسية حادة، من حيث البنية السردية والتحول الدرامي، وتنقسم إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل النبأ (الهدوء والبهجة)، حيث بدأ شاعرنا القصيدة بلوحة صباحية نابضة بالحياة، حافلة بالتفاصيل، البصرية والسمعية والشَّميِّة (شمس، طيور، بائع الكعك، رائحة الشواء، صوت الفول والحمص، صينية القهوة). هذا الجزء يمثل الوضع الطبيعي الآمن، والجميل للمدينة العربية قبل الكارثة.
ثم يدخلنا الشاعر في لحظة التحول والفاجعة، هنا، ينكسر هذا الصخب الجميل فجأة بعبارة “انقطع الصوت فجأةً وصوتُ المذيعِ فاجأنا بخبرٍ في نشرةِ الأنباء”. هنا يتحول مسار القصيدة إلى مئة وثمانين درجة، من الحياة إلى الموت، ومن الأمل إلى الصدمة.
أما مرحلة ما بعد النبأ، فهي مرحلة الخيبة والاحتلال، يتحوَّل فيها الصباح المشرق، إلى ليل طويل من الهواجس، وتتحول الحركة الحُرَّة إلى قيود الاحتلال، والبهجة إلى بكاء ونكبة.

لقد استطاع الشاعر بمهارته ربط القصيدة بالأحداث السياسة والظروف التاريخية التي عاصرها، مما جعل القصيدة ليست مشاعر ذاتية، بل وثيقة فنية تعكس صراعات العصر وتتحاور مع الواقع.
كما نرى، كيف أثَّرت البيئة التاريحية في اختيار الشاعر لألفاظه وصوره الشعرية، وقياس مدى قدرة القصيدة على تحريك وتوعية الجماهير تجاه قضية شعبنا الفلسطيني والقضايا العربية.
أشارت القصيدة مباشرة إلى الضربة الجوية الإسرائيلية المباغتة في صباح 5 يونيو 1967 (تدمير سلاح الطيران المصري )، والتي دمَّرت معظم سلاح الجو المصري وهو على الأرض، وكانت السبب الرئيسي في حسم المعركة عسكرياً لصالح الاحتلال خلال ساعات.
كما لفت الشاعر الانتباه إلى “الخديعة التضليلية في قوله “وزارتنا وجوهٌ ظنناها قواتاً عربية”، أشار الشاعر هنا، إما إلى التضليل الإعلامي الذي مارسته بعض الإذاعات العربية في الأيام الأولى، بأن الجيش يتقدم ويسقط طائرات العدو، أو إلى الصدمة برؤية قوات الاحتلال تدخل المدن العربية كأجزاء من الأردن وسوريا وفلسطين، وظن الناس في البداية أنها قوات عربية قادمة للمساندة، قبل أن يكتشفوا الحقيقة المُرَّة. كما وثَّقت القصيدة النكسة واحتلال ما تبقى من فلسطين الضفة الغربية بما فيها القدس، وقطاع غزة، إضافة إلى سيناء والجولان، وما رافق ذلك من لجوء ونزوح جديد للأهالي “وغادر الأهل والأحباء”.

شحذ شاعرنا المبدع ملكاته الإبداعية، واستحضر مخزونه الثقافي في نسيجه الشعري، وأرى من الضروري تسليط الضوء على الصورة الشاعرية ودلالات القصيدة.
أولا- اختار الشاعر “المقهى” كمسرح للمجتمع ليكون مكان تلقي الخبر، وهو اختيار ذكي؛ فالمرجعيات الثقافية العربية تجعل من المقهى برلماناً شعبياً ومكاناً تلتقي فيه كل فئات المجتمع (المثقف، العامل، المتسوّل، الحمال). وجاءت صدمة المقهى هنا لتجسيد مصغر لصدمة الأمة بأكملها.
ثانيا- استخدامه للقهوة الساخنة والماء البارد يعكسان التناقض النفسي، والجمود الذي أصاب البطل أمام المذياع “توقف الدم في عروقي”.

أما في الجزء الثاني من القصيدة ذاتها، فيقول:

توقف   الدَّمُ      في    عروقي    وفرَّ
الدَّمعُ  من   عيني  وأجهشتُ   بالبُكاء
ولم   أنم   لَيلتَها  وأرَّقتني  الهَواجس
وسيلُ الأخبارِ  يَصفعُني كَبردِ  الشِّتاء
مرَّت الأيامُ  ونحن  على  هذا   الحال
تغير   بعدها    الوضع   فجأة    وساء
زارتنا   وجوهٌ   ظنناها  قواتاً    عربية
هبَّتْ  لنُصرَتِنا   ولِتَطرُدَ  عنَّا    الأعداء
وصَحونا على نكبةٍ    لم   نشهد  مثلها
حلَّت ببلادنا  النَّكسةِ وتساقط الشُّهداء
واحتُلت  الأرضُ  واستبيحت  كرامتها
وتَبدَّلت الأحوال وغادر الأهل والأَحبَّاء
وقُتِلت  الفرحةُ   في    قلوبِ    الناسِ
وحَلَّ الاحتلالُ على حياضِهم   كالوَباء
وحمل  الشَّعبُ   هَمَّه   بانتظارِ  العودة
طالَ   انتظارُهُ  وذهبت  أحلامَهُ   هَباء
وصِرنا    كالأغنامِ   نُذبح      كلّ   يوم  ٍ
وبِتنا   نعيشُ    في    أرضِنا   كالغُرَباء

ثالثا- تنتهي القصيدة بنبرة سوداوية واقعية، وفقدان الغاية والانتظار المُر، حيث تحول الشعب من موقع الفعل إلى موقع الضحية المستلبة “صرنا كالأغنام نذبح كل يوم”، “بتنا نعيش في أرضنا كالغرباء”. وهي صرخة اغتراب داخل الوطن، ناتجة عن طول فترة الاحتلال وتبخُّر وعود العودة السريعة “طال انتظاره وذهبت أحلامه هباء”.
تاريخ كتابتها الآن، يؤكد أن هذه الجراح ما زالت حيَّة،


ومستمرة في الوجدان العربي
إن تماهي ثقافة الشاعر مع قدراته البيانية، جعل قصيدته نابضة بالعمق والإبداع، مستثمرا عمقها وأصالة موهبته في أدائه الشعري، هذا ما لمسته في مَتن القصيدة.
من وجهة نظري، أعتبر قصيدة “ذكريات مرَّة” ناجحة جداً في أنسنة التاريخ؛ فهي لا تسرد معركة عسكرية بأرقام جافة، بل تروي كيف سقطت القذائف على تفاصيل الحياة اليومية البسيطة (بائع الكعك، يونس الحدباء، وصحون الفول) فدمرت براءتها وحولتها إلى ذكريات مُرّة لا يمحوها الزمن.
يذكر أن تاريخ كتابة أو استدعاء القصيدة قبل يومين، يؤكد أن هذه الجراح ما زالت حيَّة ومستمرة في الوجدان العربي.

شاهد أيضاً

حين تلد الجغرافيا قصيدة: محمد عبد الحفيظ الهادي يفك شفرات الكلمة والموقف

حين تلد الجغرافيا قصيدة: محمد عبد الحفيظ الهادي يفك شفرات الكلمة والموقف

شفا – حين تلد الجغرافيا قصيدة: محمد عبد الحفيظ الهادي يفك شفرات الكلمة والموقفحوار:عطا درغام …