1:41 مساءً / 13 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

إِعادة تَشكيّل القضيّة الفِلسطينيّة في عصرِ الخوارزميّات: تأثيّر المَنصات الرّقميّة في إِنتاج الرأيّ العَام العَالميّ ، بقلم : د. شحادة غريب

إِعادة تَشكيّل القضيّة الفِلسطينيّة في عصرِ الخوارزميّات: تأثيّر المَنصات الرّقميّة في إِنتاج الرأيّ العَام العَالميّ ، بقلم : د. شحادة غريب

إِعادة تَشكيّل القضيّة الفِلسطينيّة في عصرِ الخوارزميّات: تأثيّر المَنصات الرّقميّة في إِنتاج الرأيّ العَام العَالميّ ، بقلم : د. شحادة غريب


لم تعدّ المَعركة حوّل القضيّة الفلسطينيّة تَدور فقط في ساحات السياسة، والدّبلوماسيّة، والإِعلام التقليديّ، بل انتقلت بصُورة مُتزايدة إلى فضاء رقميّ تتحكم فيه الخوارزميّات، ومَنصات التواصل الاجتماعيّ، ففي عَصرٍ أَصبحت فيه الصُورة، والفيديو القصير، والمَنشور الرقميّ قَادرة على الوُصول إلى ملايين الأَشخاص خلال دقائق، لم يعدّ السُؤال الأَساسيّ هو: من يَملك الروايّة؟ بقدر ما أَصبح: من يَملك القُدرة على جعل روايته مرئيّة وقابلة للانتشار؟


تكشف التطورات الأَخيرة أنّ المَنصات الرقميّة لم تعدّ مُجرد أَدوات مُحايدة لنقل المعلومات، وإنّما تحولت إلى فاعل مُؤثر في تشكيل البيئة التي يتكون داخلها الرأيّ العام العالميّ، فالخوارزميّات تُحدد، بصُورة غير مُباشرة، ما الذي يظهر للمُستخدم، وما الذي يتراجع إلى الهامش، وما الذي يَحظى بالتفاعل والانتشار، وتُؤكد دراسات حديثة أنّ المُحتوى المُؤيد للفلسطينيين واجه، خلال السنوات الأَخيرة، أنماطاً من الحذف، والتقييد، وخفض الوُصول، بينما طوّر المُستخدمون الفلسطينيون وحلفاؤهم استراتيجيّات للتكيف مع هذه البيئة الخَوارزميّة ومحاولة استعادة الظُهور الرقميّ.


وهُنا تبرز تحوّلات جوهريّة في طبيعة الصِّراع الفلسطينيّ–الإِسرائيليّ، فقد أصبحت المعركة على الانتباه جُزءاً من المعركة على الشرعيّة، فالمحتوى الذي يستطيع جذب المُشاهد خلال ثوانٍ، وإثارة التعاطف أو الغضب، يَمتلك قُدرة أكبر على تشكيل الإِدراك العام من البيانات السياسيّة التقليديّة، ومن ثُمّ، أَصبحت المَشاهد الإنسانيّة القادمة من غزة، وشهادات الفلسطينيين، والصُور التي تُوثق آثار الحرب، أَدوات لإِعادة بِناء السّرديّة الفلسطينيّة في المَجال العام العالميّ.


لكن هذه البيئة الرقميّة تحمل في الوقتِ نفسهِ مُفارقة خطيرة، فالخوارزميّة لا تبحث بالضرورة عن الحقيقة أو العدالة، وإنّما تعمل غالباً وفق مَنطق التفاعل، والانخراط، والاحتفاظ بانتباه المُستخدم، ولذلك يُمكن أن تنتشر المعلومات الدقيقة والمُضللة بالسرعة نفسها، كما يُمكن للخطاب العاطفيّ والاستقطابيّ أن يَتفوق على الخطاب السياسيّ العَقلانيّ، وقد أَظهرت دراسات حديثة حول حرب غزة أنّ بيئة المعلومات أثناء الحرب أَصبحت شديدة التعقيّد، مع تَزايد فُرص التضليّل، والدّعايّة، والتأثير في الإِدراك العام.


الأَخطر من ذلك أنّ الخوارزميّات يُمكن أن تُسهم في إنشاء جُزر مَعرفيّة مُغلقة؛ إذ يتلقى المُستخدم باستمرار مُحتوى قريباً من اهتماماته ومواقفه السابقة، بما يعزز القناعات المَوجودة بدلاً من فتح المجال أمام حوار مُتوازن، وبذلك قد يتحول الرأيّ العام العالميّ من فضاء مُشترك للنقاش إلى مجموعة من البيئات الرقميّة المُنفصلة، لكل مِنها روايتها، وحقائقها، ومصادرها.


وفي الحالة الفلسطينيّة، تتضاعف أَهمية هذه المَسألة لأنّ الصّراع على الروايّة لم يعدّ مَحصوراً في المُؤسسات الإعلاميّة والدّبلوماسيّة، فقد أظهر بحث حديث واسع النطاق حول سياسات مَنصة “ميتا” تجاه المُحتوى الفلسطينيّ، استند إلى تحليل آلاف الحالات المُسجلة بين (2021-2026)، وُجود أَنماط مُتكررة في تطبيق سياسات الإشراف على المُحتوى والتواصل مع المُستخدمين المُتضررين، وهذا يَعني أنّ المَنصة الرقميّة نفسها أَصبحت جُزءاً من بُنيّة القُوّة السياسيّة.


ومن هُنا، فإنّ إِعادة بناء الحُضور الفلسطينيّ في المجال الرقميّ لا ينبغي أن تَقوم على رُدود الفعل وحدها، بل على استراتيجيّة مُتكاملة للدّبلوماسيّة الرّقميّة والخَوارزميّة، المَطلوب هو الانتقال من مُجرد إنتاج المُحتوى إلى فهم آليات توزيعه، ومن الخِطاب التقليديّ إلى المُحتوى مُتعدد اللّغات والمَنصات، ومن مُخاطبة الجُمهور الفلسطينيّ والعَربيّ إلى استهداف دَوائر التأثيّر الأَكاديميّة، والإِعلاميّة، والسياسيّة، والشبابيّة في المُجتمعات الغربيّة، والآسيويّة، والأَفريقيّة.


كما يَنبغي تطوير قُدرات فلسطينيّة مُتخصصة في تحليل البيانات، ورصدّ الاتجاهات الرقميّة، وقياس تحوّلات الرأيّ العام، واكتشاف حملات التضليّل، وإنتاج مُحتوى قادر على المُنافسة داخل اقتصاد الانتباه العالميّ، فالقضيّة الفلسطينيّة تحتاج اليوم إلى استراتيجيّة للظُهور بقدر حاجتها إلى استراتيجيّة للخطاب.


إنّ التحوّل الأَهم الذي تفرضه الخوارزميّات هو أنّها أعادت تعريف القُوّة في الصّراع، فالقُوّة لم تعدّ فقط امتلاك الأرض، والسلاحّ والمُؤسسات، وإنّما أَصبحت أيضاً القُدرة على التحكم في البيانات، وصناعة الانتباه، وإنتاج المَعنى، والتأثيّر في الإِدراك الجَمعيّ.


وبذلك، فإنّ مُستقبل القضيّة الفِلسطينيّة لن يتحدد في ساحات السياسة التقليديّة وَحدها، بل أيضاً داخل شاشات الهواتف، ومُحركات التَوصيّة، ومنظومات الذكاء الاصطناعيّ، ومن يَنجح في فهم هذه البيئة وإدارتها لن يَمتلك مُجرد حُضور إِعلاميّ أكبر، بل سيمتلك جُزءاً مُهماً من القُدرة على تشكيل الروايّة التي يرى بها العالم القضيّة الفلسطينيّة ومُستقبلها.

شاهد أيضاً

مسؤولة: لائحة في شينجيانغ الصينية تعزز التنمية عالية الجودة لصناعة القطن

مسؤولة: لائحة في شينجيانغ الصينية تعزز التنمية عالية الجودة لصناعة القطن

شفا – (شينخوا) أصدرت منطقة شينجيانغ الويغورية ذاتية الحكم بشمال غربي الصين، أكبر قاعدة لإنتاج …