10:38 صباحًا / 13 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

تعب الحضور… لماذا نحتاج أحيانا أن نغلق الشاشة ونختفي ، بقلم : مريم شومان

تعب الحضور… لماذا نحتاج أحيانا أن نغلق الشاشة ونختفي ، بقلم : مريم شومان

لم يعد السؤال اليوم: ماذا نفعل على وسائل التواصل الاجتماعي؟ بل أصبح: لماذا نشعر أننا مطالبون بأن نكون هناك طوال الوقت؟ نفتح الهاتف في الصباح، نمرّ على الأخبار والصور والقصص، نرد على رسالة، نضع إعجابا، نراقب ما نشره الآخرون، ثم نعود إلى الهاتف بعد دقائق كأن هناك شيئا قد يفوتنا إن ابتعدنا قليلا.


المشكلة أن الحضور الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، أصبح في كثير من الأحيان نوعا من الالتزام الاجتماعي، أن تشاهد، وترد وتعلّق وتنشر وتبقى حاضرا، أما عندما تغيب فأنت قد تحتاج إلى تفسير. نحن نعيش في فضاء لا ينام، والمنصات مصممة أصلا لجذا انتباهنا وإبقائنا داخلها، كل إشعار يقول لنا بطريقة ما: هناك شيء جديد، وكل تحديث يفتح بابا ً جديدا للسؤال والفضول. لهذا يبدو الابتعاد أحيانا أصعب مما نتوقع.


قد نغلق التطبيق لكننا نفكر فيما يحدث بداخله؛ ماذا نشر فلان؟ لماذا لم يرد علّان؟ من شاهد ال “story”؟ ولماذا اختفى شخص كان ينشر يوميا؟ هنا تظهر مفارقة أخرى، نحن لا نكتفي بأن نعرض جزءا من حياتنا للآخرين، بل أصبحنا نراقب حياة الآخرين أيضا، نمرّ على حساباتهم بصمت، نعرف أين ذهبوا ومن التقوا وما الذي تغير في حياتهم، قد لا نتحدث معهم منذ سنوات لكننا نعرف عنهم أشياء لم نكن لنعرفها في الماضي.


إنها صورة جديدة من التلصص، لكنها لا تحتاج إلى نافذة أو تجسس مباشر، يكفي أن يكون الحساب مفتوحا وأن يكون الفضول حاضرا. لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد أماكن نذهب إليها عندما نريد التواصل مع الآخرين، لقد أصبحت جزءا من الطريقة التي نرى بها أنفسنا ونراقب بها الآخرين ونقيس بها حضورنا في العالم.


المسألة ليست في عدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشة فقط، هناك شيء أعمق يحدث، لقد تغير معنى أن تكون حاضرا. في الحياة العادية، يمكن للإنسان أن يغيب دون أن يقدم تفسيرا، قد يقضي يوما هادئا في منزله أو يبتعد عن الناس لبعض الوقت أو يمرّ بأسبوع لا يتحدث فيه مع أحد.
لم يكن غيابه يحتاج إلى إعلان، أما في الفضاء الرقمي فقد أصبح الغياب نفسه مرئيا.


عندما يصبح الحضور التزاما


المنصات لا تطلب منا رسميا أن نكون موجودين طوال الوقت، لكنها مبنية بطريقة تجعل العودة إليها سهلة ومتكررة. الإشعار ينتظر، المحتوى لا ينتهي، الخوارزمية تعرف أن اهتمامنا محدود، لذلك تحاول أن تقدم لنا في كل مرة شيئا يدفعنا إلى البقاء قليلا أكثر، وهنا تظهر واحدة من أهم التحولات في الإعلام الرقمي: لم يعد الجمهور يذهب فقط إلى المحتوى، بل أصبح المحتوى يأتي إليه. وهذا فرق كبير.


في الإعلام التقليدي كان بإمكان الشخص أن يختار وقت قراءة الصحيفة أو مشاهدة نشرة الأخبار، أما اليوم فالأخبار والصور والرسائل والتعليقات ترافقنا في جيوبنا طوال اليوم. لم تعد هناك نهاية واضحة للاستهلاك الإعلامي، وهذا التدفق المستمر يخلق نوعا جديدا من التعب، ليس بالضرورة تعبا جسديا، بل إرهاقا ذهنيا ناتجا عن كثرة التنبيهات والاختيارات والمقارنات والقرارات الصغيرة.


هل أفتح الرسالة؟ هل أرد؟ هل أنشر؟ هل أحذف؟ هل أشاهد القصة؟ هل أضع إعجابا؟ هل تجاهل المنشور يعني شيئا؟ أسئلة صغيرة لكنها تتكرر عشرات المرات خلال اليوم. نحن لا نستهلك المحتوى فقط بل نستهلك بعضنا أيضا. هناك جانب آخر أكثر حساسية في علاقتنا بالمنصات وهي مراقبة الآخرين.


أصبحنا نعرف أين ذهب شخص لم نتحدث معه منذ سنوات، نعرف من تزوج، ومن انفصل، ومن سافر، ومن غيّر عمله، نرى صور بيته وأطفاله ووجباته ورحلاته، وأحيانا نعرف تفاصيل عن حياته أكثر مما نعرفها عن أشخاص قريبين منه. وأحيانا تحدث صدفة بأن نلتقي في الشارع مع هذا الشخص الذي نغرقه بكمية هائلة من الإعجابات والتعليقات الإيجابية دون أن نلقي عليه التحية. أصبح بإمكاننا أن نراقب حياة الآخرين من مسافة آمنة، وأن نعرف الكثير من دون أن نكون جزءا فعليا من تلك الحياة، وهنا يمكن الحديث عن شكل جديد من التلصص الرقمي. والتلصص في هذه الحالة لا يحتاج إلى نية عدائية، قد يبدأ بالفضول فقط. ماذا يفعل؟ أين ذهب؟ مع من؟ لماذا اختفى؟ ماذا حدث في حياته؟ لكن سهولة الوصول جعلت الفضول أكثر استمرارية.


المشكلة أن المنصات أزالت كثيرا من الحدود التي كانت تفصل بين المعرفة والمراقبة، فالمستخدم يعتقد أنه يتابع شخصا، بينما هو في الواقع يستهلك تفاصيل حياته باستمرار. والأمر لا يتوقف عند مراقبة الآخرين، نحن نعرف أيضا أننا مراقَبون.


والأغرب أننا نشارك في هذه اللعبة من الجانبين، نراقب الآخرين ونعرف أنهم قد يراقبوننا، لذلك لم تعد الخصوصية تعني فقط ما نخفيه عن الناس، أصبحت تعني أيضا قدرتنا على تحديد مقدار ما نريد أن يكون متاحا عن حياتنا. هنا يصبح الحضور عبئا، ليس لأننا نكره التواصل بل لأننا تعبنا من فكرة أن علينا دائما أن نكون متاحين. علم النفس الرقمي يتحدث كثيرا عن الخوف من فوات شيء ما، وهذا الشعور يفسر جزءا من تعلقنا المستمر بالشاشات، نخشى أن يحدث شيء ونحن بعيدون، نخشى أن يفوتنا خبر أو نقاش أو فرصة أو حتى تفاصيل حياة شخص آخر.


الاختفاء المؤقت من المنصات ليس بالضرورة هروبا من العالم، ربما يكون عودة إليه. أن نغلق الشاشة لبعض الوقت، ألا نعرف ماذا نشر الآخرون، ألا نشرح سبب غيابنا، وألا نشعر بالذنب لأننا لم نكن حاضرين.


في عالم يطلب منا أن نكون مرئيين باستمرار، قد تصبح المساحة الشخصية شكلا من أشكال الحرية، وربما لا نحتاج إلى مغادرة وسائل التواصل الاجتماعي، بل نحتاج فقط إلى أن نتذكر أنها مساحة نستخدمها وليست مساحة تستخدمنا. أحيانا، كل ما نحتاجه هو أن نغلق الشاشة.

شاهد أيضاً

مستوطنون يقتحمون باحات المسجد الأقصى

شفا – اقتحم مستوطنون، اليوم الخميس، المسجد الأقصى المبارك، بحماية من شرطة الاحتلال الإسرائيلي. وأفادت …