
في جدلية الكينونة والانفتاح: نحو فلسفة للكتاب المدرسي في زمن المصادر المفتوحة ، بقلم : نسيم قبها
ليس الخلاف حول الكتاب المدرسي خلافاً في وسيلة تعليمية، بل هو مرآة لصراع أعمق في فلسفة التربية الوطنية ذاتها، وموقفها من الزمن، ومن الآخر، ومن الذات. فما يطرح اليوم تحت مسمى “مصادر التعلم المفتوحة” لا يمكن فهمه بمعزل عن سؤال الأنطولوجيا التربوية: كيف نصنع وجوداً معرفياً فلسطينياً في عصر السيولة الرقمية؟
أولاً: الكتاب المدرسي بوصفه “جسداً وطنياً” لا مجرد وعاء معرفي
الكتاب المدرسي في سياقنا الوطني ليس أداة بيداغوجية محايدة، بل هو نص تأسيسي، يحمل في ثناياه (الكلمة، الصورة، المثال) ما يشبه الدستور الثقافي والروحي. إنه الترجمة الملموسة لسيادة وطنية، ولو بماديتها الورقية، على تشكيل وعي الناشئ. إن إلغاءه أو تهميشه ليس مجرد قرار تقني، بل هو اقتلاع رمزي للثابت في زمن المتغير، وهو ما يفسر الردود القضائية والارتدادات الرسمية؛ لأن الفطرة التربوية الفلسطينية تستشعر أن المساس بالكتاب هو مساس بـ”المرجعية الأم”، التي تؤمن للطالب والأسرة والمعلم أرضية ثابتة في بحر من الشتات المعرفي.
ثانياً: معضلة الوجود المفتوح.. لماذا النقيض لا الجمع؟
السؤال الفلسفي المحرج هنا: لماذا تصلح المصادر المفتوحة بديلاً عن الرزم المبتورة، ولا تصلح رفيقاً للكتاب المتكامل؟
الجواب يكمن في أن الفلسفة الكامنة وراء “المصادر المفتوحة” حين تُطرح خارج سياق الكتاب، تميل إلى تفكيك المركزية المعرفية، وهو أمر قد يكون محايداً في مجتمعات مستقرة، لكنه في سياقنا يصبح خطيراً؛ لأنه يفتت الجهد الوطني المضني الذي بُذل في بناء المصفوفات التربوية. إن العقل الفلسطيني التربوي يدرك أن الحرية الحقيقية ليست في إلغاء المرجعية، بل في الانطلاق منها. فالكتاب هو “الجذع” الذي يُمكن المعلم من أن يتشعب، هو الذي يمنح المعلم هامش المرونة المضبوطة، بدلاً من أن يتركه يغرق في متاهة المصادر دون بوصلة وطنية وقيمية.
ثالثاً: التحرر من عقدة العجز: الاقتصاد السياسي للكتاب
إن طرح التساؤل حول العجز المالي هو طرح لـجدلية الكرامة مقابل التكلفة. الفلسفة التربوية هنا تقول: إذا كانت الطباعة عائقاً، فإن الحل أبدا ليس بحذف خريطة الطريق (الكتاب)، بل يمكن بتوزيع التكلفة كـ”قيمة وطنية” لا كـ”عبء مالي”. إن دعوة الشركات والمؤسسات الوطنية للمشاركة في ثمن الكتاب، واستنهاض الميسورين من الناس ، ليس مجرد حل مالي، بل هو إعادة إنتاج لعقد اجتماعي تربوي يثبت ان التعليم مسؤولية الجميع ، حيث يتحول اقتناء الكتاب إلى فعل مقاوم للانحناء، واستعادة لروح التضحية التي جسدها الآباء حين كانوا يقتطعون من مصروفهم الشخصي ثمناً للكتاب وما زالوا . إنها فلسفة تحوّل الكتاب من سلعة إلى قضية وجودية، تُربّي الأجيال على أن الكرامة المعرفية لها ثمن، وأن التمسك بالكتاب هو تمسك بالسيادة حتى في لحظات العسر المادي.
رابعاً: مواجهة الضغوط.. المعركة التربوية بوصفها وجوداً مضاداً
أما التساؤل عن الضغوط السياسية، فهو اعتراف ضمني بأن المعركة ليست تربوية بقدر ما هي معركة وجود مادي ومعنوي . إن الاستمرار بالكتاب رغم الضغوط، وتطويره ودمجه مع المصادر بدلاً من إلغائه، هو فعل سيادي بامتياز. الفلسفة الوطنية هنا تقول: نحن نكبر في عيون أبنائنا حين نظهر لهم أننا نمتلك أدواتنا المعرفية، ولا نستجدي شهادات أو بدائل من أحد. إن إبقاء الكتاب رفيق درب المعلم، وجعله محوراً تدور حوله المصادر المفتوحة، هو نموذج للـ”مرونة الثابتة”؛ أي القدرة على التكيف مع أدوات العصر دون التفريط بجوهر الرسالة.
خاتمة فلسفية استشرافية:
إن مصادر التعلم المفتوحة هي امتداد للكتاب لا بديل عنه، وهي تعبير عن ثراء الفعل التربوي لا عن أفقه. والكتاب المدرسي، بثقله الورقي ومضمونه الوطني، هو مرساة الهوية في زمن العولمة الرقمية. ومن هنا، فإن على المروجين لفكرة المصادر المفتوحة أن يعيدوا قراءة مشروعهم في ضوء النظرية النقدية، بحيث لا يتحول انفتاحهم إلى إمعان في تفكيك المرجعية الوطنية باسم التحديث، بل يتحول إلى إغناء لهذه المرجعية بما يتناسب مع روح العصر، دون أن نفقد جسدنا التربوي الذي طالما كان عنواناً لوجودنا.
ومع ذلك، فإن الاستشراف الفلسفي يفرض علينا أن ننظر إلى ما بعد الأزمة الراهنة: إن مشروعنا التربوي القادم لا يمكن أن يكتفي بالدفاع عن المنجز الورقي، بل مطالب بأن ينتج “نموذجاً هجيناً” يكون فيه الكتاب هو “النواة الصلبة” التي تنبثق عنها منصات رقمية مفتوحة، تُدار محلياً، وتحمل توقيعاً فلسطينياً في تصميمها لا في استيرادها. هذا النموذج المستقبلي لن يحافظ على المرجعية فحسب، بل سيحوّلها إلى محرك للابتكار، فيتحقق التحديث دون تفكيك، والانفتاح دون انسلاخ، وتظل هويتنا المعرفية هي البوصلة التي ننطلق منها وليست القيد الذي نتحرر منه. إن التحدي الحقيقي ليس في اختيار الكتاب أو المصادر، بل في قدرة عقولنا التربوية على صياغة توليفة وجودية جديدة، تجعل من أبنائنا منتجين للمعرفة لا مستهلكين لها، وفي ذلك تحقق للسيادة المعرفية التي هي أوثق عرى الوطن في عصر الرياح الرقمية العاتية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.