11:20 مساءً / 12 أغسطس، 2026
آخر الاخبار

لوين رايحين؟ فلسطين على مفترق طرق… هل نعيد بناء المشروع الوطني أم نترك الآخرين يرسمون مستقبلنا؟ بقلم: أحمد سليمان

لوين رايحين؟ فلسطين على مفترق طرق… هل نعيد بناء المشروع الوطني أم نترك الآخرين يرسمون مستقبلنا؟ بقلم: أحمد سليمان

“لوين رايحين؟” ليس سؤالًا يطرحه المواطن الفلسطيني بدافع القلق فقط، بل هو السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول، وكل فصيل، وكل مؤسسة وطنية، وكل فلسطيني في الوطن والشتات.

فبعد ثلاث سنوات من الحرب التي دخلت عامها الرابع، لم تعد فلسطين تواجه أزمة عسكرية أو إنسانية فحسب، بل تواجه لحظة تاريخية يعاد فيها رسم ملامح القضية الفلسطينية، وحدود المشروع الوطني، ومكانة الفلسطينيين في معادلات الإقليم والعالم.

إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس الحرب وحدها، ولا الاستيطان وحده، ولا الانهيار الاقتصادي وحده، بل تزامن كل هذه الملفات في وقت واحد، في ظل نظام دولي مضطرب، وإقليم يعيد ترتيب أولوياته، وساحة فلسطينية تبحث عن طريقها وسط انقسامات سياسية وتحديات غير مسبوقة.

ما يجري اليوم ليس أحداثًا منفصلة، بل مشروع متكامل تتقاطع فيه المصالح الإسرائيلية والإقليمية والدولية، بينما يقف الفلسطينيون أمام سؤال مصيري: هل سنكون شركاء في صناعة مستقبلنا، أم مجرد متلقين لواقع يفرضه الآخرون؟

لقد تحولت غزة إلى عنوان للمأساة الإنسانية، لكنها ليست القضية الفلسطينية كلها. فالحرب الدائرة هناك ليست معزولة عن الضفة الغربية، ولا عن القدس، ولا عن مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية، ولا عن مكانة الشتات، ولا عن الصراع على الهوية الوطنية. ومن الخطأ اختزال فلسطين في غزة، كما أن من الخطأ التعامل مع غزة باعتبارها ملفًا منفصلًا عن المشروع الوطني الفلسطيني.

وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى غزة، تتعرض الضفة الغربية لأخطر عملية تغيير جغرافي وديموغرافي منذ عام 1967. فالاستيطان لم يعد مجرد سياسة حكومية، بل أصبح استراتيجية دولة، هدفها إنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة، عبر فرض وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها مستقبلًا.

إن الغزو الاستيطاني الذي تشهده الضفة الغربية لا يستهدف الأرض فقط، بل يستهدف الزمن أيضًا. فكل يوم يمر يحمل مستوطنة جديدة، أو طريقًا استيطانيًا جديدًا، أو بؤرة جديدة، أو اعتداءً جديدًا، في سباق واضح لفرض حدود سياسية بالقوة قبل أي تسوية مستقبلية.

وفي موازاة ذلك، يواجه الاقتصاد الفلسطيني أزمة وجودية. فالاقتصاد ليس مجرد أرقام أو موازنات، بل هو عنصر أساسي في الصمود الوطني. وعندما يُستنزف الاقتصاد، وتُنهك المؤسسات، ويُدفع الشباب إلى الهجرة أو البطالة، فإن المجتمع بأسره يصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط السياسية والاحتلال.

أما في إسرائيل، فإن الانتخابات المقبلة قد تعيد توزيع المقاعد، لكنها لن تغيّر جوهر المشروع الإسرائيلي. فهناك إجماع واسع داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية على تثبيت السيطرة على الأرض، وتعزيز الاستيطان، ومنع قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة. ولهذا، فإن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على قوة الموقف الفلسطيني، لا على تغير الحكومات الإسرائيلية.

وفي المقابل، تمثل الانتخابات التشريعية وانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني فرصة تاريخية لإعادة بناء الشرعية الوطنية، وتجديد مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لمبدأ الشراكة الوطنية. غير أن هذه الفرصة قد تتحول إلى أزمة جديدة إذا غلبت الحسابات الفصائلية على المصلحة الوطنية، أو إذا جرى التعامل مع الانتخابات باعتبارها صراعًا على المواقع لا مشروعًا لإعادة بناء النظام السياسي.

ولا يمكن الحديث عن مستقبل فلسطين من دون الحديث عن الشتات الفلسطيني. فملايين الفلسطينيين المنتشرين في أنحاء العالم ليسوا جمهورًا ينتظر الأخبار، بل قوة وطنية هائلة تمتلك الخبرة والعلاقات والقدرة على التأثير في الرأي العام وصنّاع القرار. إن استبعاد الشتات من المشاركة الحقيقية في صناعة القرار الوطني يعني استبعاد نصف الشعب الفلسطيني من مستقبل قضيته، وهو خطأ لا يمكن تكراره إذا أردنا بناء مشروع وطني جامع.

أما على المستوى الإقليمي، فإن الشرق الأوسط يعيش مرحلة إعادة تشكيل غير مسبوقة. التحالفات تتبدل، والأولويات تتغير، والمصالح الاقتصادية والأمنية أصبحت تحكم سياسات كثير من الدول. وفي مثل هذا الواقع، لا مكان للفراغ السياسي، ولا تستطيع أي قضية أن تحافظ على حضورها إذا لم يمتلك أصحابها رؤية واضحة، ومؤسسات قوية، وخطابًا سياسيًا موحدًا.

إن السؤال الحقيقي اليوم ليس: ماذا سيفعل الاحتلال؟ فهذا معروف.

وليس: ماذا سيفعل المجتمع الدولي؟ فهذا تحكمه المصالح قبل المبادئ.

السؤال الحقيقي هو: ماذا سيفعل الفلسطينيون؟

هل سنبقى ندير الأزمات، أم سنبني استراتيجية وطنية جديدة؟

هل سنكتفي بردود الفعل، أم ننتقل إلى صناعة المبادرة؟

هل ستبقى منظمة التحرير الفلسطينية البيت الجامع لكل أبناء الشعب الفلسطيني، أم تضعف أكثر في ظل الانقسامات؟

وهل تكون الانتخابات القادمة بداية لمرحلة جديدة من الوحدة الوطنية، أم محطة أخرى تضاف إلى سجل الخلافات؟

إن التاريخ لا ينتظر أحدًا، والفرص تضيع كما تضيع الأوطان إذا غابت الرؤية والإرادة. وفلسطين اليوم لا تحتاج إلى إدارة الأزمة، بل إلى إعادة بناء مشروعها الوطني، وتجديد مؤسساتها، وإشراك كل الفلسطينيين، في الداخل والشتات، في صناعة القرار، لأن القضية أكبر من أي فصيل، وأوسع من أي جغرافيا، وأبقى من أي مرحلة سياسية.

ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح السنوات المقبلة كلها…

لوين رايحين؟

فإما أن يكون الجواب مشروعًا وطنيًا موحدًا، يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويحصّن وحدة الشعب، ويواجه الاستيطان، ويستثمر طاقات الشتات، ويعيد فلسطين إلى مركز الاهتمام العربي والدولي، وإما أن يبقى السؤال معلقًا، فيما يواصل الآخرون رسم مستقبل فلسطين نيابةً عنا.

  • – أحمد سليمان – رئيس المركز السويدي الفلسطيني .

شاهد أيضاً

مشروع ضخم لتحويل المياه في الصين يحول أكثر من 90 مليار متر مكعب من المياه

مشروع ضخم لتحويل المياه في الصين يحول أكثر من 90 مليار متر مكعب من المياه

شفا – (شينخوا) قامت المرحلة الأولى من مشروع تحويل المياه من الجنوب إلى الشمال في …