
هل الحقوق الشرعية أصبحت نسوية متاسلمة؟! بقلم الأديبة: إيمان مرشد حمّاد
قتل ، تشويه، اقتلاع أعين ، حرق بالزيت … ماذا يحدث؟ ما سر هذا العنف المتزايد ضد النساء؟؟؟ من يبحث عن الجواب سيجده في محتوى حملات التشهير ضد المرأة التي انتشرت في الآونة الأخيرة ، فبدلاً من الدعوة للإصلاح والبحث في الأسباب الحقيقية لهذه الظاهره المقلقة والتي أخالها رد فعل عكسي عن تحول اجتماعي حتمي لم يعد بالإمكان تجاهله.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل حقاً فسدت المرأه كما يروق للبعض أن يستنتج ام انها اصبحت أكثر وعياً من نساء زمان وغدت غير مستعدة لدفع نفس الثمن الذي دفعته أمهاتنا وجداتنا من أعمارهن وصحتهن للمحافظه على بيت كان دوماً آيلاً للسقوط، هل حقا تمردت المرأة أم إنها توقفت عن إنتاج ذات النموذج القديم الذي ينظر إليه دوماً بنوع من النستالجيا؟
برأيي الخاص – ومن خلال مشاهداتي لأوضاع النساء من حولي – إن ما يحدث اليوم هو أن المرأة لم تعد تخفي العيوب وتكتم صوتها ، بل أصبحت تسمي الأشياء بمسمياتها، واطلب بحقوقها وهذا ما ما لا يريده الكثيرون.
فالرجل اليوم وجد نفسه وجهاً لوجه مع إمراة تطرح عليه أسئلة لم يتربَّى على الإجابة عنها بل لم يتوقع يوما أن عليه مواجهتها .ومن هذه الأسئلة: ما هي مسؤولياتك داخل الأسرة؟ ماذا تقدم لعائلتك ؟ كيف تتصرف عندما تغضب؟ كيف تواجه مشكلاتك الحياتية؟ ماذا يعني لك الزواج ؟ ما هو مفهومك للأبوة؟ وما هو رأيك في الشراكة بين الزوجين؟ ماذا تعني لك القوامة وهل تراها محصورة في الإنفاق؟ مامفهومك لطاعة الزوجة لزوجها وما هي حدودها ؟ هل ستحترم شخصيتي وقراراتي بعد الزواج ان أنك ترى نفسك صاحب الكلمة الأولى والأخيرة؟
هذه الأسئلة التي تقلق البعض لا تزعزع مفهوم الرجولة عند الرجل الحقيقي قوي الشخصية الذي يثق بنفسه ويعرف مسؤولياته ، ولكنها حتما تُسقط الصورة الوهمية للرجولة التي تراكمت عبر الأجيال.
فماذا كان رد الرجل على هذه التطورات ؟ هل كان مراجعة شاملة للذات ام كان إعلان حرب على المرأة نفسها ؟!
ما حدث هو ان كل إمرأة متعلمة أصبحت خطرة، وكل امرأة مستقلة مادياً متمردة، وكل من تناقش في حقوقها ناشزا، وكل من تدافع عن نفسها وكرامتها مسترجلة وسليطة اللسان. ومن المؤسف هذه الأوصاف اصبحت لدى البعض من المُسلمات ليس لأنها صحيحة بل لأن هذه الممارسات تناقض العرف المجتمعي والضمير الذكوري الجمعي وتتعارض في جوهرها مع الصورة النمطية للمراة ولأن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم فقد تم قلب الطاولة على النساء .
ومن العجيب أنه رغم التطور المتسارع وتغير الكثير من الصور النمطية إلا ان المجتمع لا زال يريد المرأة ان تتحمل وتصبر ، ولا يطرح مطلقاً الخيار الأصوب وهو ان يكلف الرجل نفسه عناء إعادة التفكير في ممارساته او حتى مقارنتها بالحقوق التي منحها الدين للمرأة ، لا بل على النقيض من ذلك تجد انه عند الحديث عن الحقوق التي منحها الدين وحرمتها العادات والتقاليد تجد البعض يخرج عليك بانتاج مصطلح جديد هو النسوية المتأسلمة وكان فزاعةالنسوية لم تعد تكفيهم فخرجوا بهذا المصطلح لترهيب النساء لان النسوية هي التهمة الجاهزة التي ترمى بها المرأة تحت ذريعة الاقتداء بالغرب والبعد عن الدين ، ولكن عندما تحدثت المرأة بصوت الدين خرجوا بمصطلح” النسوية المتاسلمة. ‘
فبعض العقليات في رؤيتها المرأة تستخدم حيل الدفاع النفسي والتي من اهمها الأسقاط حيث لا يُنظر للمرأة بصورتها الحقيقية بل بصورتها النمطية في أذهان من يرونها وهذه آلية معروفة ينطبق عليها المثل العربي القائل :”رمتني بدائها وانسلت”
فالمعضلة التي نواجهها اليوم ليست المرأة الجديدة والافكار المستوردة بقدر ما هي أزمة مجتمع لا يرغب في مواكبة التطورات التي انبثقت عن العلم والثقافة وارتفاع منسوب الوعي لدى النساء مما خلق واقعا جديدًا اختار ان يصطدم معه بدلاً من فهمه والتعامل معه بطريقة لائقة دون الإشارة بأصابع الإتهام للنساء .
وهنا نجده لزاماً على المجتمع أن يتعامل مع المرأة ككيان إنساني وليس كشاشة تُعرض عليها إسقاطات الآخرين وأفكارهم المقولبة؛ على المجتمع أن يُنظر إلى علمها وثقافتها وعملها، وشخصيتها، وكفاءتها، وأن لا يختزلها في صورة الدمية التي لا قيمة لها إلا بسلبيتها وجمالها وهذه الصورة وللأسف تعزّزّت لدى الكثير من النساء فانصرفنّ إلى جمال الجسد على حساب الروح والعقل.
إن القراءة المتأنية الواقع تثبت أن العنصر الحاسم لم يكن تغير المرأة بقدر ما هو تعرية الخلل الذي كان يُدار بالصمت. وما يُسمع اليوم من ضجيج ليس دليلًا على فساد النساء، بل دليل على اهتزاز منظومة اعتادت أن تكون بمنأى عن النقد والتحليل .
فالمرأة القوية سند وليست خطرًا على المجتمع ولا على أسرتها ، وإنما هي تهديد للفكر القائم على الظلم، وكل سلطة بُنيت على الامتياز الذكوري لا على الاستحقاق الإنساني وبالتالي فإن الهجوم على المرأة الواعية لن يوقف عجلة التاريخ، كما أن تشويهها
او قتلها او قمعها لن يعيد عجلة التطور إلى الوراء.
فالأفكار لا تهزمها الريح، والوعي لا يُمحى بالصراخ، والفكر لا يُقمع بالإستقواء على ضعف الأنثى، ونهضة المجتمع لا تُبنى بكتم الصوت الذي يشكل نصف المجتمع ويربي النصف الآخر؛ وبالتالي فإن إعطاء المرأة حقوقها الشرعية التي كفلها الشرع ليست نسوية متأسلمة بل استحقاق ديني لا مساومة عليه حتى وإن تناقض مع الصور النمطية التي نشأ عليها المجتمع الذكوري.
إيمان مرشد حمّاد
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.