
مذكرات مطارد ، حضن أمي… بين الكهف والمطاردة ، بقلم: د. عمر السلخي
انتهى حظر التجول الذي استمر ثلاثة أيام متواصلة، وانسحبت قوات الاحتلال من البلدة مع ساعات الفجر الأولى، عندها وصلت إلينا الإشارة المتفق عليها؛ فقد جاء المرسال إلى الكهف الكائن في وسط مقبرة دير قسيس، وقرأ الفاتحة على أرواح الموتى، ثم طرق باب الكهف ثلاث طرقات متتالية،كانت تلك هي الرسالة التي انتظرناها طويلًا: الطريق أصبح آمنًا، وحان وقت الخروج.
خرجت مع رفيق المطاردة زحفًا على بطوننا، نغادر مخبأً لم يكن يعرفه سوى دائرة ضيقة جدًا من الأشخاص الذين وثقنا بهم، حتى غدا واحدًا من أكثر الأماكن سرية وأمانًا، بعيدًا عن كل شك أو توقع.
بعد نحو مئة متر إلى الغرب، وقفنا على أقدامنا، وسرنا بهدوء شديد بين الأزقة، نتجاوز الحواكير والسناسل الحجرية، وندخل البلدة من جهتها الغربية، وكأننا قادمون من جبل الكروم، لا من قلب المقبرة.
وصلت إلى خروبة صبري الظاهر، حيث بيت خالتي أم حازم،تمددت قليلًا تحت ظلها، بينما بدأت خيوط الشمس الأولى تتسلل بين الأغصان، معلنة بداية يوم جديد. طرقت النافذة بالطريقة السرية المتفق عليها، ففُتح لي الباب الخلفي، ودخلت مسرعًا.
تناولت إفطارًا سريعًا بعد أيام من التعب والاختباء، وفكرت أن أستحم لأول مرة منذ مدة. لكن شيئًا كان أقوى من كل ذلك… كان الشوق إلى أمي.
طلبت من خالتي أن ترسل عمتي، الحاجة أم عثمان، لإبلاغ والدتي بوجودي، ولكي لا يثير الأمر انتباه أحد، حملت عمتي بعض الأغراض فوق رأسها، وكأنها خارجة في زيارة عادية، ثم مضت لإحضارها.
دخلت الحمام، وحين انتهيت وفتحت الباب، كانت أمي قد وصلت بعد أن سلكت طريقًا غير مباشر، فمرت أولًا بمنزل جدي لتتأكد أن أحدًا لا يراقبها أو يتتبع خطواتها.
رأيتها جالسة في الصالون. كانت تملأ المكان حضورًا وحنانًا، ولم تستطع الوقوف من شدة التأثر، انحنيت أقبّل يديها، ثم احتضنتني بكل ما تختزنه أم من خوف وشوق ودعاء.
في تلك اللحظة، شعرت بالأمان… أمان افتقدته طويلًا.
لم تكن كلماتها واضحة بين دموعها، لكنها كانت تمرر يديها على رأسي ووجهي، تسألني بلهفة: كيف حالك؟ أين نمت؟ ماذا أكلت؟ هل أنت بخير؟
ابتسمت رغم كل شيء، وقلت لها:
“يا حجة… برضاك ورضا ربنا، الله يعمي عيونهم عنا.”
لكن ذلك الأمان لم يدم طويلًا.
فجأة جاء التحذير من فوق سطح المنزل: “الجيش… الجيش دخل من جهة مسحة!”
لم يكن هناك وقت للتردد.
ارتديت حذائي على عجل، وغادرت من الجهة الغربية. كنت أجري وكأن الأرض لا تتسع لقدمي، وكأنني أطير فوقها أكثر مما أمشي عليها.
وصلت إلى منطقة سريسيا، على حدود عام 1967، وجلست هناك أحتضن جهاز الراديو الصغير، أتابع نشرات الأخبار وأراقب ما يجري حولي.
أما حضن أمي… فقد تركته خلفي، رغمًا عني.
كانت تلك إحدى أصعب لحظات المطاردة؛ أن تنجو بنفسك، بينما تترك قلبك معلقًا في حضن أمك.
ملاحظة : المطارد هو المرحوم نذير السلخي (ابو جهاد)، الاحداث في بلدة الزاوية / محافظة سلفيت، الفتره الانتفاضة الاولى ، جبل الكروم وديرقسيس : مناطق تقع غرب بلدة الزاوية ، والاسماء والشخصيات حقيقية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.