1:38 صباحًا / 2 يوليو، 2026
آخر الاخبار

جيل فلسطيني جديد… لماذا لم تعد الوظيفة الحكومية حلم الشباب؟ بقلم : د. عمر السلخي

جيل فلسطيني جديد… لماذا لم تعد الوظيفة الحكومية حلم الشباب؟ بقلم : د. عمر السلخي

لم يكن من السهل قبل عقدين أن تجد شابًا فلسطينيًا يتردد في الإجابة عن سؤال “ماذا تريد أن تعمل؟”، فالإجابة كانت شبه جاهزة: “وظيفة حكومية”، كانت هذه الوظيفة تمثل الأمان الاجتماعي، والاستقرار المادي، والاعتراف المجتمعي، بل وكانت في كثير من الحالات معيار النجاح نفسه.


لكن المشهد تغيّر اليوم، بصمتٍ أحيانًا، وبوضوحٍ صادم أحيانًا أخرى، لم تعد الوظيفة الحكومية “الحلم الأول” لجيل كامل من الشباب الفلسطيني، بل إن كثيرًا من الخريجين باتوا ينظرون إليها كخيار أخير لا كطموح أول.


وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، يبلغ معدل البطالة بين الشباب (15–29 سنة) في الضفة الغربية وقطاع غزة مستويات مرتفعة تتجاوز 25% في الضفة الغربية وتصل إلى أكثر من 45% في فلسطين عمومًا في بعض السنوات الأخيرة، مع ارتفاع أكبر بين الخريجين الجامعيين، وهو ما يعكس اختناق سوق العمل التقليدي وضعف قدرة القطاع العام على الاستيعاب.

تغير أولويات الشباب: من الاستقرار إلى المعنى

لم يعد الشاب الفلسطيني يبحث فقط عن “راتب ثابت” بقدر ما يبحث عن معنى للعمل، وفرصة للتطور، ومساحة للحرية، في ظل تشبع سوق الوظائف الحكومية، وضعف القدرة الاستيعابية للقطاع العام، وتراجع الأجور مقارنة بتكلفة الحياة، بدأت الأولويات تتغير تدريجيًا.


تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة العاملين في القطاع العام في فلسطين تُقدّر بحوالي 20% إلى 22% من إجمالي القوى العاملة، وهو رقم مرتفع نسبيًا مقارنة بالاقتصادات الصغيرة، ما يعني أن سقف التوظيف الحكومي شبه ثابت ولا ينمو بما يتناسب مع أعداد الخريجين الجدد.


في المقابل، يظهر جيل اليوم أكثر ارتباطًا بالعالم الرقمي وأكثر اطلاعًا على نماذج العمل البديلة، لم يعد يقيس النجاح بوظيفة رسمية، بل بمشروع خاص أو عمل حر عبر الإنترنت أو فرصة عمل عن بُعد مع شركة خارج البلاد.


هذا التحول جاء نتيجة ضغط اقتصادي حقيقي، إذ تشير تقديرات دولية إلى أن أكثر من 60% من خريجي الجامعات في فلسطين يحتاجون إلى أكثر من عامين للحصول على فرصة عمل مناسبة، بينما يبقى جزء كبير منهم خارج سوق العمل بشكل كامل.

العمل الحر والاقتصاد الرقمي: نافذة تتوسع رغم القيود

في السنوات الأخيرة، برز الاقتصاد الرقمي كمسار بديل حقيقي: تصميم، برمجة، تسويق إلكتروني، صناعة محتوى، تعليم عن بُعد، وخدمات مستقلة عبر منصات عالمية.
تشير تقارير UNCTAD والبنك الدولي إلى أن الاقتصاد الرقمي عالميًا ينمو بمعدلات تتجاوز 10% سنويًا، وأن العمل عن بُعد أصبح يمثل ما يقارب 30% من الوظائف في بعض القطاعات الخدمية العالمية.


بالنسبة للشباب الفلسطيني، هذه ليست مجرد أرقام، بل فرصة للانخراط في سوق عالمي دون الحاجة إلى قيود الجغرافيا، وقد ارتفع عدد العاملين الفلسطينيين في منصات العمل الحر (Freelance platforms) خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، خصوصًا في مجالات:

البرمجة وتطوير المواقع
التصميم الجرافيكي
التسويق الرقمي
الترجمة وصناعة المحتوى

لكن رغم ذلك، تبقى المشاركة الفلسطينية في الاقتصاد الرقمي أقل من الإمكانات بسبب ضعف التدريب، والبنية التحتية، وعدم انتظام الدخل في البداية.

التحديات التي تواجه المشاريع الناشئة: الحلم لا يكفي

رغم هذا التحول، فإن الطريق ليس سهلًا، فريادة الأعمال في السياق الفلسطيني تصطدم بعدة عوائق بنيوية:


تشير تقديرات مؤسسات دعم المشاريع الصغيرة إلى أن أكثر من 50% من المشاريع الناشئة تفشل خلال أول 3 سنوات بسبب ضعف التمويل والإدارة.

يحصل أقل من 10% من رواد الأعمال الشباب على تمويل مؤسسي أو استثماري حقيقي في المراحل الأولى.
لا تتجاوز مساهمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة حوالي 55% من الناتج المحلي الإجمالي رغم أنها تشكل أكثر من 90% من عدد الشركات.

إلى جانب ذلك:

بيئة الاستثمار غير مستقرة.
نقص التدريب التطبيقي في الجامعات.
ثقافة اجتماعية تميل إلى “الوظيفة الآمنة”.
ضعف شبكات الحاضنات في المحافظات خارج المدن الكبرى.


هذه العوامل تجعل كثيرًا من الشباب يترددون بين الحلم بالمشروع الخاص والخوف من الفشل.

كيف يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة؟

رغم الصورة المعقدة، فإن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تشير إلى إمكانية بناء مسار بديل حقيقي إذا تم التدخل بشكل استراتيجي:

  1. التعليم وسوق العمل

تشير دراسات اليونسكو إلى أن أكثر من 40% من المهارات المطلوبة في سوق العمل الفلسطيني الحالي لا يتم تغطيتها بشكل كافٍ في التعليم الجامعي، ما يستدعي إعادة ربط التعليم بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

  1. دعم ريادة الأعمال

تجارب الحاضنات في فلسطين تظهر أن المشاريع المدعومة عبر برامج احتضان تزيد فرص بقائها لأكثر من 3 سنوات بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بالمشاريع غير المدعومة.

  1. العمل عن بُعد

مع توسع الاقتصاد العالمي الرقمي، يمكن لفلسطين أن تستفيد من أن تكلفة العمل عن بُعد أقل بنسبة قد تصل إلى 60% مقارنة بالأسواق الغربية، ما يجعل الشباب الفلسطيني منافسًا قويًا إذا امتلك المهارات.

  1. تغيير الثقافة المجتمعية

تشير استطلاعات محلية إلى أن أكثر من 65% من الأهالي ما زالوا يفضلون الوظيفة الحكومية لأبنائهم، ما يعني أن التحول الاقتصادي يجب أن يترافق مع تحول ثقافي.

جيل يعيد تعريف العمل

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة بطالة، بل إعادة تشكيل كاملة لفكرة العمل نفسها، الجيل الفلسطيني الجديد لا يرفض الوظيفة الحكومية عنادًا، بل لأن الواقع لم يعد يسمح لها أن تكون الخيار الوحيد ، الأرقام واضحة: بطالة مرتفعة بين الشباب، محدودية التوظيف الحكومي، واتساع الفجوة بين التعليم وسوق العمل.


في المقابل، تظهر فرص جديدة في الاقتصاد الرقمي والعمل الحر وريادة الأعمال، لكنها تحتاج إلى بيئة داعمة لا إلى أفراد فقط.


إنه جيل لا يريد أن ينتظر دوره في طابور طويل، بل يحاول أن يصنع مساره الخاص… في اقتصاد عالمي مفتوح، حتى لو كان أكثر مخاطرة، فهو أيضًا أكثر حرية وإمكانًا.

شاهد أيضاً

الكنيست يصادق على “قانون أساس: دراسة التوراة” ضمن صفقة نتنياهو مع الحريديين

شفا – صادقت الهيئة العامة للكنيست، بالقراءة الأولى، على مشروع “قانون أساس: دراسة التوراة”، الذي …