11:53 صباحًا / 5 يونيو، 2026
آخر الاخبار

نكسة مستمرة : إدارة الفشل وانتظار طويل ، بقلم : نسيم قبها

نكسة مستمرة : إدارة الفشل وانتظار طويل ، بقلم : نسيم قبها

في الخامس من حزيران، لا يتوقف التاريخ عند لحظة، بل ينكشف كجرح لا يلتئم. نحن لا نحيي ذكرى نكسة عام 1967 فقط، بل نعيش نكسة متجددة كل صباح: نكسة الروح قبل الأرض، نكسة المعنى قبل الجغرافيا. فما حدث قبل ستة عقود لم يكن هزيمة عسكرية عابرة، بل انهيار لتصورٍ كامل عن الذات والعالم، وما زلنا نغرف من بئر ذلك الانهيار حتى اليوم.

المفارقة المؤلمة أن الفلسطيني اليوم يعيش في حالة من “الانفصام الوجودي” الحاد: على مستوى الخطاب، نرفع شعارات المقاومة والوحدة والصمود، وكأننا نردد تراتيل قداسة لا تلامس أرض الواقع. بينما على مستوى الممارسة اليومية، نراوح في مستنقعات التجزئة: حكومة هنا، سلطة هناك، فصائل متشظية، ومشاريع وطنية تتصادم كسفن في ليل حالك. نصرخ “شعب واحد” وأصواتنا تخرج من سبعين غرفة مغلقة.

لنتأمل سويًا: كيف يمكن لشاب في غزة أن يؤمن بـ”وحدة المصير” وهو يرى عائلته تنتظر دورًا في قائمة المساعدات الإنسانية في خيمة متهالكة، بينما شقيقه في رام الله لا يستطيع حتى زيارة قبر جده في يافا؟ كيف لطالبة في القدس أن تحلم بـ”العودة” وهي تواجه يوميًا آلة التهويد التي تمزق هويتها حجرًا حجرًا؟ الشعارات الكبرى تحولت إلى غطاء أيديولوجي يخفي الفراغ، أو إلى “آليات دفاع نفسي” جماعية تمنعنا من مواجهة حقيقة قاسية: نحن لسنا في طريق النصر، بل في طريق إدارة الفشل.

الفيلسوف الفرنسي بول ريكور تحدث عن “الأيديولوجيا كوظيفة تشويه”، حين تصبح الأفكار أدوات لإخفاء التناقضات بدلاً من حلها. وهذا ما نعيشه بالضبط: شعار “الوحدة الوطنية” يُردد في المؤتمرات بينما الحقيقة أن المشهد الفلسطيني يعاني من “تعددية مرضية” جعلت من الانقسام نظام حكم غير معلن. لم يعد الخلاف حول الوسائل بل حول المرجعيات ذاتها. نحن أمام أزمة “تمثيل” بالمعنى السياسي والفلسفي: من يتحدث باسم الفلسطيني؟ أي فلسطيني؟ وأي أرض؟

وعلى المستوى النفسي، لا يمكن فهم استمرار هذه الفجوة دون الإشارة إلى ما يسمى بـ”الخلل المعرفي” أو “التنافر الإدراكي”: نعيش واقع الهزيمة ونردد خطاب الانتصار. نرى الاستيطان يتوسع يوميًا في الضفة، (ويهودا والسامرة) صارت حقائق إدارية (إسرائيلية) !؟ ، والقدس تُفصل عن محيطها، بينما نتناقش في تفاصيل شكل الدولة المستقبلية كأنها على الأبواب. هذا التناقض بين الإدراك والواقع يولد حالة من “الجمود السياسي” أشبه بالشلل: حركة بلا معنى، وخطاب بلا أثر.

حين نتجول في مخيمات لبنان أو شوارع جنين، نرى وجوهًا تعلّمها الصبر القسري. البسطاء يعرفون الحقيقة قبل المثقفين: النكسة لم تنتهِ، لأن الاحتلال لم يعد مجرد عسكري بل “استعمار استيطاني يومي”. التجاهل الجمعي لحقيقة أن (إسرائيل) اليوم أقوى نسبيًا مما كانت عليه عام 1967، بينما نحن أكثر تشظيًا، هو شكل من أشكال “الإنكار” الذي يحمينا من الانهيار التام. لكن الإنكار ليس مقاومة، هو نقيضها.

ربما تحتاج الذكرى هذا العام إلى وقفة مختلفة: لا لتوزيع التهم، ولا لاستذكار الأوجاع القديمة، بل لمراجعة جذرية للسرديات التي نعيش بها. ربما على الفلسطيني أن يجرؤ على القول: نعم، نحن مهزومون ليس عسكريًا فقط، بل في قدرتنا على تخيل نصر حقيقي خارج إطار الشعارات. الهزيمة الحقيقية ليست في فقدان الأرض، بل في فقدان القدرة على قراءة الواقع كما هو.

وحده البسيط الذي لا يملك ترف الشعارات يعرف أن المقاومة ليست كلامًا يُرصع، بل فعل يومي متواضع: أن تبقى في أرضك رغم القصف، أن تعلم طفلك حرف الألف رغم الاستيطان، أن تزرع زيتونة رغم العلم الأزرق الذي يهدد باجتثاثها. لكن هذا الصمود اليومي يحتاج إلى أفق سياسي حقيقي، لا إلى خطابات معاد تدويرها.

نعم، النكسة مستمرة. وهي مستمرة ليس لأن (إسرائيل) قوية جدًا، بل لأننا ضعفاء في طريقتنا في رؤية أنفسنا. الاستمرار في تكرار ذات الشعارات التي فشلت في تحقيق أي تحول ملموس منذ 1967 ليس مقاومة، بل هو جزء من آلة النكسة ذاتها. ربما حان الوقت لنقول: كفى للشعارات التي تزين الجدران ولا تغير الواقع. وكفى للخطاب الذي يخفي انكسارنا تحت عباءة المجاز.

الذكرى الحقيقية للنكسة ليست يومًا نرثي فيه الماضي، بل لحظة نكشف فيها زيف الحاضر. إن أردنا تكريم أولئك الذين سقطوا في حزيران وما بعده ، فعلينا أن نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا: لا انتصار بدون مراجعة، ولا مقاومة بدون وضوح، ولا مستقبل بدون الاعتراف بأن النكسة لم تنتهِ بعد. ولن تنتهي ما دمنا نتعامل مع الأعراض ونتجاهل الجذور، ما دمنا نردد “سننتصر” وأيدينا ترتجف أمام حقائق الأرض.

لبسطاء الناس أقول: لا تصدقوا من يخبركم أن كل شيء بخير. صدقوا عيونكم، صدقوا أقدامكم الحافية على الحجارة الباردة، صدقوا انتظاركم الطويل عند الحواجز. في هذه الصدق وحده تبدأ مقاومة حقيقية. مقاومة لا تحتاج شعارات، بل تحتاج إلى موت طويل للخطاب الفارغ، وولادة متعبة لسياسة وطنية تقوم على غير الانفصام.

شاهد أيضاً

المجموعة العربية بالأمم المتحدة تدعو لقرارات حاسمة بشأن انتهاكات إسرائيل في فلسطين

المجموعة العربية بالأمم المتحدة تدعو لقرارات حاسمة بشأن انتهاكات إسرائيل في فلسطين

شفا – دعت المجموعة العربية في الأمم المتحدة، المجتمع الدولي لاتخاذ قرارات حاسمة بشأن الانتهاكات …