
بعد أن صمتت الصناديق… من يحكم؟ الكرسي أم الضمير؟ بقلم : الدكتور عماد سالم
تنتهي الانتخابات في ظاهرها مع إعلان النتائج، لكن حقيقتها لا تبدأ إلا بعد ذلك. فعندما تخفت أصوات المهرجانات، وتُزال الصور من الشوارع، وتعود الساحات إلى هدوئها، ينكشف المشهد على صورته الحقيقية: لم يعد السؤال من فاز؟ بل كيف سيحكم من فاز؟ ولم يعد معيار النجاح عدد الأصوات التي جُمعت، بل مقدار الثقة التي ستُصان، وحجم الأمانة التي ستُحمل، وقدرة المنتخبين على الانتقال من خطاب التعبئة إلى فعل المسؤولية.
لقد انتهى موسم الوعود، وبدأ موسم الوفاء بها.
في التجربة الفلسطينية، لا يمكن النظر إلى انتخابات المجالس المحلية باعتبارها مجرد استحقاق إداري لاختيار مجالس تقدم خدمات الماء والكهرباء والنظافة وتنظيم الشوارع. هذا فهم ضيق لطبيعة الحكم المحلي ودوره. فالمجلس المحلي في فلسطين هو الدولة كما يراها المواطن يومياً؛ هو وجه المؤسسة العامة، وهو المقياس الأقرب الذي يختبر الناس من خلاله معنى العدالة، وصدق الإدارة، ونظافة اليد، وكفاءة القرار، واحترام الإنسان.
حين ينجح المجلس المحلي، يشعر المواطن أن النظام العام يعمل، وأن ثمة معنى للمواطنة، وأن صوته لم يذهب هباءً. وحين يفشل، لا تسقط خدمة فقط، بل تتآكل الثقة، ويكبر الإحباط، وتُفتح الأبواب أمام السخرية من العمل العام، وربما أمام عزوف الناس عن المشاركة السياسية نفسها. ومن هنا، فإن نجاح المجالس المحلية ليس نجاحاً خدماتياً فحسب، بل ضرورة وطنية وأمن مجتمعي واستثمار سياسي في استقرار المجتمع وصموده.
غير أن أخطر ما يهدد اليوم التالي للانتخابات ليس ضعف الموارد ولا تعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي، بل ذلك المرض المزمن الذي أصاب أجزاء من الحياة العامة: تحويل المنصب من تكليف إلى تشريف، ومن مسؤولية إلى امتياز، ومن خدمة الناس إلى إدارة النفوذ.
هنا تبدأ الأزمة.
حين يصبح المنتخب أسير الحاشية بدل أن يكون قريباً من الناس،
وحين يتحول باب المؤسسة إلى باب لا يُفتح إلا للنافذين،
وحين تصبح الأولوية للمقربين لا للأحق،
وللموالين لا للمصلحة العامة،
وللصورة الإعلامية لا للعمل الحقيقي…
عندها لا نكون أمام مجلس محلي، بل أمام نسخة مصغرة من أزمة الحكم التي يعاني منها العالم العربي منذ عقود.
الناس لا تنتخب من أجل رؤية مواكب جديدة، أو سماع خطب جديدة، أو مشاهدة وجوه جديدة تُعيد إنتاج الممارسات القديمة. الناس تنتخب لأنها تبحث عن كرامة في الخدمة، وعدالة في القرار، ونزاهة في الإدارة، وإنصاف في توزيع الموارد، واحترام لعقل المواطن ووقته وحقه.
إن المنتخب الحقيقي ليس من يجلس على الكرسي، بل من يبقى واقفاً أخلاقياً وهو عليه.
وفي فلسطين تحديداً، تصبح المسؤولية مضاعفة؛ لأن الحكم المحلي لا يعمل في ظروف طبيعية. نحن أمام اقتصاد منهك، وموارد محدودة، وضغط اجتماعي كبير، وبنية تحتية تحتاج إلى تحديث، وارتفاع في نسب البطالة والفقر، وتحديات عمرانية وبيئية متفاقمة، إلى جانب تعقيدات الواقع السياسي والقيود المفروضة على التنمية. وهذا كله يفرض على المجالس المنتخبة أن تتحول من مجالس إدارة يومية إلى مجالس تفكير استراتيجي وتنمية محلية وابتكار في الحلول.
لم يعد مقبولاً أن يبقى دور المجلس محصوراً في تعبيد شارع هنا أو إصلاح خط مياه هناك، رغم أهمية ذلك. المطلوب اليوم هو عقل بلدي جديد يفكر في:
الاقتصاد المحلي المنتج لا الاقتصاد الاستهلاكي؛
دعم المشاريع الصغيرة والتعاونية؛
التحول الرقمي في الخدمات البلدية؛
الإدارة الذكية للنفايات والطاقة والمياه؛
توسيع المشاركة المجتمعية في صنع القرار؛
بناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص والمجتمع المدني والجامعات؛
تحويل المدن والبلدات إلى بيئات جاذبة للاستثمار والعمل والحياة.
فالبلديات لم تعد مجرد وحدات خدماتية، بل مختبرات تنموية مصغرة يمكن أن تُعيد تشكيل الاقتصاد المحلي إذا أحسن القائمون عليها قراءة المرحلة.
وهنا تبقى كلمة لا بد أن تُقال للفائزين، بعيداً عن المجاملات:
لقد ذهب الناس إليكم قبل الانتخابات، فلا تجعلوهم يركضون خلفكم بعدها.
لقد أصغيتم لهم حين كنتم تطلبون أصواتهم، فلا تصابوا بصمم السلطة عندما تطلبون صبرهم.
لقد وعدتم كثيراً، فإياكم أن تجعلوا الأعذار برنامجكم الأول.
تذكروا أن الكرسي ليس جائزة نهاية سباق، بل بداية امتحان طويل، وأن المنصب لا يستر العجز، بل يكشفه، ولا يرفع قيمة صاحبه تلقائياً، بل يضعه تحت ضوء المساءلة العامة.
ويبقى جوهر المسألة بسيطاً وعميقاً في آن:
الناس قد تصفق للفائز يوم إعلان النتائج، لكنها لن تحترمه إلا بما يقدمه بعد ذلك.
فالشرعية الحقيقية لا تمنحها صناديق الاقتراع وحدها، بل يمنحها عدل القرار، ونظافة اليد، وصدق الخدمة، والتواضع أمام الناس.
بعد أن صمتت الصناديق…
لم يعد الصوت الأعلى للهتاف،
بل للضمير.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.