12:24 صباحًا / 23 أبريل، 2026
آخر الاخبار

ماذا لو اكتمل دور اضلاع المثلث متساوي الأضلاع!؟ الحلقة الأولى ، بقلم : د. غسان عبد الله

ماذا لو اكتمل دور اضلاع المثلث متساوي الأضلاع!؟ الحلقة الأولى ، بقلم : د. غسان عبد الله


مركز الدراسات والتطبيقات التربوية- CARE / وحدة الصحة النفسيّة
حسب وجهة نظر الكاتب ، كثيرة هي الركائز التي تبنى عليها شخصية الانسان، لعلّ أهمها كما يتضح في الشكل أدناه، وما تبقى ما هي الا افرازات ونتائج عن هذه الركائز الرئيسة.
ماذا لو اكتمل دور اضلاع المثلث متساوي الأضلاع!؟
الحلقة الأولى بقلم : د. غسان عبد الله
مركز الدراسات والتطبيقات التربوية- CARE / وحدة الصحة النفسيّة
حسب وجهة نظر الكاتب، كثيرة هي الركائز التي تبنى عليها شخصية الانسان، لعلّ أهمها كما يتضح في الشكل أدناه، وما تبقى ما هي الا افرازات ونتائج عن هذه الركائز الرئيسة.

سنقوم بتناول دور كل ركيزة في عجالة لوحدها، مع تأكيدنا على معامل الترابط المتداخل بينهم جميعا Correlation aspect


الركيزة الأولى: الأسرة


وفق الموروث الثقافي الفلسطيني،بل والعربي قاطبة، تعتبر الأسرة انجاب الأطفال بمثابة احدى نعم الله، لهذا حرصت على تربيتهم/تربيتهن حتى ما قبل الزواج والانجاب، بدليل الحديث النبوي الشريف ” ابحث لولدك عن خال” والدعوة الى تغريب النكاح، خشية من الأمراض الوراثية” غربّوا النكاح”، وقول المصطفى” من كانت له ابنة، فأدبها و أحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، كانت له سترا من النار”، والدعوة الى ” علّموا أولادكم السباحة وركوب الخيل: لما فيها لها من اّثار إيجابية على شخصية الطفل مستقبلا.


لذا،تنطلق هذه الصرخة والكلمات والأفكار الاّتية ليس فقط من محراب الإنسانية، بل وكونها فرض عين على الأسرة، التي بات دورها يضمحّل، في ظل الماّسي السيكولوجية وغيرها، التي فرضتها حالات العوز والفقر والتشريد والقتل لدرجة الإبادة بكل أصنافها وأشكالها، مما جعل هذه الصرخة الموجهة للكل، (ممن لا زال لديه ضمير حي)، تستهدف الكل الإنساني بغض النظر عن الجنس، العرق أو الدين، كون ويلات الحروب والعنف لا تستثني أحدا، بل الجميع عرضة الى التأثر بنتائجها الوخيمة ودفع الثمن ان لم تكن الأثمان.

تعتريني دهشة كبيرة، ليس فقط من دوام تكرار هذه الحروب والتي بعضها يرتقي الى مستوى الإبادة Genocide لتشمل كل ما له علاقة بالبشر (موروث ثقافي وعمراني…الخ، هنا يقفز الى ذهني سؤال قديم جديد قد يشاركني به كثر من أبناء البشر: ألم تتعلم البشرية وقادتها من عبر الحروب التي شهدها التاريخ البشري منذ بدء الكون، ظانّين أنه فقط بالحروب والقتل يمكن تحقيق أطماعهم أو استرداد حقوقهم المشروعة ان كانت هكذا، متجاهلين إمكانية الحوار والتفاهم السلمي! وعدم الأخذ بعن الاعتبار الانعكاسات السيكولوجية والاقتصادية والاجتماعية …. السلبية للحروب ، ليس فقط على الجانب الاّخر ، بل وأيضا على مجتمعاتهم، والتي حتما ستترك بصمات واّثار كبيرة على كافة فئات المجتمع، وبالأخص فئة الأطفال، جراء الصدمات النفسية PTSD لدى الأطفال وما ينجم عنها من اضطرابات سلوكية behavior disorders كونها الفئة الأكثر هشاشة في أي مجتمع ، مما قد يجعلهم عرضة الى اضطرابات سلوكية ملحوظة، منها المؤقت ومنها الدائم ،مثل الاكتئاب depression،القلق anxiety ، اّثار ما بعد الصدمة PTSD،علما بأن صدمة الفقدان تكاد تكون من ألدّ وأصعب عوائق تطور شخصية الطفل ، لما يرافقها من أحداث ومناسبات تثير فيهم تذكرها reminders )لمزيد من المعلومات حول خطورة وتعقيدات هذه الصدمة، يمكن الرجوع الى كتاب الكاتب بعنوان ” فقدان أحد الوالدين losing a parent، والذي صدر عام 2022 عن مؤسسة CARE”


وفقا للمعلومات المتوفرة لدينا من مركز الإحصاء الفلسطيني يبلغ عدد سكان دولة فلسطين المحتلة حوالي 5.56 مليون نسمة مع نهاية العام 2025، بواقع 3.43 مليون في الضفة الغربية، و2.13 مليون في قطاع غزة، يشكل الأطفال دون سن 18 عاماً قرابة43% من مجموع السكان، أي ما مجموعه 2.47 مليون طفل/ة، موزعين 1.38 مليون في الضفة الغربية (41%)، و1.09 مليون في قطاع غزة (47%) ( المصدر : مركز الإحصاء الفلسطيني، رام الله، أواخر2025.
حسب ما ورد في ذات المصدر، يبلغ عدد الأطفال دون سن 15 عاماً، ما نسبته 36.3% من مجموع السكان، أي ما يعادل قرابة 2.02 مليون طفل/ة، منهم 1.18 مليون في الضفة الغربية (35%)، و0.83 مليون في قطاع غزة )


منذ الاجتياحات الإسرائيلية الأخيرة المتتالية على الضفة الغربية (أيلول 2001 وما تلاها من حروب متتالية على قطاع غزة، تنوعت مصادر الضغوطات النفسيّة ما بين قتل وتشريد واعتقال، دمار للبيئة السكنية، تراجع في أداء عمل الجهاز الصحي الرسمي والأهلي، تدمير للمدارس ومؤسسات التعليم، بكل مستوياتها التعليمية، اغلاق وتدمير لدور العبادة، مما ساهم في عدم وجود أي مكان اّمن المواطن الفلسطيني عامة والطفل خاصة.


ومما زاد الطين بلّة، وصل عدد حالات الفقدان في المحافظات الجنوبية لوحدها ما يربوا عن 72,289 شهيداً( حتى اعداد هذه العجالة)، بينهم 21,283 طفلاً 30% من المفقودين)؛ و38 ألف امرأة غالبتهن أمهات ( 27% من المجموع الكلي للشهداء حتى نهاية العام 2025. يذكر أنه من بين هؤلاء، استشهد 450 رضيعاً، و1,029 طفلاً لم يتموا عامهم الأول، إضافة إلى 5,031 طفلاً دون سن الخامسة، ما يعكس إبادة حقيقية لجيل لم تبدأ حياته بعد.


لم تقتصر أساليب القتل على الصواريخ فحسب، بل جاء تحالف الحصار والجوع والبرد ليخطف أرواح الأطفال؛ إذ توفي 157 طفلاً بسبب الجوع، بينما قضى 25 آخرون نتيجة الصقيع في خيام النازحين، فيما لا تزال حكايات نحو 9,500 مفقود تحت الأنقاض مركونة إلى الغياب، غالبيتهم من الأطفال والنساء ابتلاعهم الركام، دون شاهد أو قبر.


على صعيد الإصابات، يعاني الأطفال كارثة صحية مزدوجة، حيث بلغ عدد الجرحى 172,040 مصاباً، من بينهم ما لا يقل عن 44,486 طفلاً، أي ما نسبته 26% من إجمالي الجرحى.


وما زالت آثار الحرب الجسدية مدمرة، حيث هناك قرابة 10,500 طفل يعانون إصابات غيرت مجرى حياتهم، وأكثر من 1000 حالة بتر للأطراف، وسط انهيار كامل للمنظومة الصحية، ونقص حاد في الأجهزة المساعدة، كما يواجه نحو 4,000 طفل خطر الموت ما لم يتم تأمين إجلاء طبي عاجل لهم.


امتد مثل هذا النزيف إلى الضفة الغربية ليرتقي فيها 237 طفلاً من أصل 1,145 شهيداً”، مما يؤكد على أن ما يحدث هو محاولة ممنهجة لاغتيال جيل فلسطيني كامل، من خلال “تحالف الموت” الذي يشمل القصف العشوائي، والتجويع القسري، والحصار الخانق، وصقيع الشتاء القاسي، ووجود أكثر من 1,655 حالة اعتقال بحق الأطفال: انتهاك منهجي لحقوق الطفولة ( مركز الإحصاء الفلسطيني رام الله،2025).


من الأهمية بمكان التنويه الى أن قرابة 35 أف طفل فقدوا أحد الوالدين، وعليه نرى ان الخسارة لا تقتصر على الجانب الجسدي فقط، بل طالت النسيج الأسري والاجتماعي، مخلّفةً آثاراً عميقةً وطويلة الأمد، علاوة على حرب التجويع في قطاع غزة ومصادرة الحق في حرية الحركة والتنقل للسكان، حيث بلغ عدد الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية في المحافظات الشمالية من الوطن، أكثر من 1031 حاجزا وبوابة عسكرية military barrier/ gateعلى مداخل القرى والمدن والتجمعات السكانية


هذا الدمار الشامل حوَّل “البيت” إلى ذكرى بعيدة، وحوَّل “الخيمة الممزقة” في أكثر من 1,000 موقع نزوح مكتظ إلى واقع مرير يفتقر للخصوصية والحماية من قسوة المناخ. وفي هذه البيئة المتهالكة، يواجه الأطفال خطراً مزدوجاً؛ فبينما يصارعون البرد والجوع داخل قرابة 800 تجمع عشوائي للخيام، يتربص بهم “الموت الصامت” الكامن في مخلفات الحرب، ناهيك عن الحرمان من فرص التعليم وتدمير المدارس التي كانت بمثابة أماكن اّمنة للطلبة مما تسبّب في فقدان الدعم النفسي والاجتماعي في ظل تفاقم مشاهد القتل والتدمير والفقدان وتفشي الأمراض المعديّة.


ثمة خطر حديث نسبيا يداهم الأسرة، و يتمثل في دور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في إيجاد القطيعة الأسرية الصّامتة، كون الأسرة كيان نابض يتعدى التجمع العددي فهو بيئة من المشاعر والعواطف، التي تساهم بشكل كبير في بناء الإحساس بالأمان، الذي يتعارض مع انتشار وهيمنة البيئة الرقمية التي تعمل على تعطيل وكبح الترابط العائلي، علاوة على مخاطر بعض أنماط مصادر الثقافة السائدة، مثل دوام الشعور بالحزن والضياع “والكسل واللامبالاة بما يجري من حولك ، الأمر الذي يعيق أي خطوة لازمة للتعافي والخروج مما هو/هي فيه، وهذا ما يصطلح عليه علميا ب “الإحساس بالتماسك sense of coherence” والذي لن يتوفر الا من خلال الأسرة، سواء الصغيرة nuclear family منها أو الكبيرة extended family، الملاذ الأول والأخير، للبدء بالشعور بالتوازن النفسي والجسدي والوظيفي ، الذي يعطي للأسرة ودورها أهمية خاصة في انجاز الهدف كاملا أو على الأقل التخفيف من حدة حالة الاضطراب السلوكي لدى الشخص .


لست هنا في مجال الحديث عن العلاج الاكلينيكي، فهناك المختصون به، بل وددت هنا الى تناول وعرض بعض الإجراءات وأساليب للوقاية preventive measures يمكننا القيام بها مثل :

⦁ دوام ظهور الأسرة كجماعة واحدة موحدة في مواقفها قدر الإمكان والابتعاد قدر المستطاع عن نهج الفردية والتفرد في اتخاذ وبلورة القرار، اذ من الأهمية بمكان توزيع الأدوار على الجميع في الأسرة، مع مراعاة السن والقدرات العاطفية والعقلية خاصة إذا كان هناك ممن هم من ذوي الاحتياجات الخاصة، مع سيادة روح التعاون والشراكة المسؤولة، بعيدا عن التنمر أو الاستهزاء والمقارنة بين افراد الأسرة خاصة الأطفال منهم الذين هم بأمس الحاجة الى الشعور بالأمان والاستقرار.
⦁ دوام محاولة التجديد والتنويع حتى نتجنب الروتين المألوف، حتى لا يصاب الشخص، الأشخاص بالاكتئاب، القلق، الأرق، الخوف المتواصل
⦁ عدم التركيز على الفم (توجيه كلام، إعطاء أكل وشراب) فقط دون مخاطبة قلب ومشاعر الشخص المستهدف.
⦁ ضرورة وضع الشخص/ الأشخاص في دائرة صنع القرار، مع التركيز على أولوية سلامة الشخص المستهدف، مع الحرص على السلاسة والبساطة في التعامل، لكن دون الاسفاف والتقليل من شأن الحدث أو الوسيلة المقترحة
⦁ قد يكون من المفيد توظيف وسائل التواصل الاجتماعي وتعزيز دور الاعلام بكل أشكاله
⦁ لا بد من توظيف التقييم والتقويم للأساليب والتوصيات المستخدمة وليبقى الهاجس الأكبر لدينا هو: أي مستقبل ينتظر فلذات الأكباد وهم يعيشون هذه الأجواء الكريهة الت يسودها العنف القاتل والمدمّر ليس فقط للشجر وللحجر، بل ولأحلام البشرية، بما فيهم عالم الأطفال واليافعين، بغد مشرق يسوده الأمن والسلام والوئام!!!

بعض المراجع
⦁ أحاديث نبوية شريفة وأقوال مأثورة
⦁ تقرير مركز الإحصاء الفلسطيني، 2025
⦁ تقارير صادرة عن وكالة الغوث الدولية،2025
⦁ فقدان أحد الوالدين، ترجمة واعداد دكتور غسان عبدالله، CARE، 2022

شاهد أيضاً

دبلوماسيون يطلعون على جرائم الاحتلال بحق القطاع الزراعي في طوباس

دبلوماسيون يطلعون على جرائم الاحتلال بحق القطاع الزراعي في طوباس

شفا – شارك وفد دبلوماسي من السلك المعتمد لدى دولة فلسطين، اليوم الأربعاء، في جولة …