
ماتت قبل أن تولد ، بقلم : بديعة النعيمي
كان فشل المفاوضات بين إيران وأميركا حدثا متوقعا. فحين تطرح شروط ابرزها إخراج ٤٠٠ كغم من اليورانيوم، وفرض تخصيب صفر بالمئة والتحكم بمضيق هرمز بالإضافة إلى فصل ملف لبنان، فإن الرسالة واضحة، وتكمن بإلغاء عناصر القوة الاستراتيجية لإيران، وهو ما لا يمكن أن يقابل إلا بالرفض. وخاصة أنه جاء متزامنا مع التحشيدات العسكرية من طرف أميركا، والمحاولة التي قامت بها المدمرة دخول مضيق هرمز، والتي تنتمي إلى فئة “ارلي بيرك” وهي واحدة من أكثر السفن الحربية الأمريكية تقدما، والقصف الوحشي الذي تعرض له المدنيين في لبنان من قبل دولة الاحتلال، كل هذا شكل عنصرا حاسما في تشكيل قناعة لدى إيران بأن ما يحدث ما هو إلا محاولة لفرض معادلات ضغط عليها، فمن ناحية مفاوضات تجري على الطاولة، ومن ناحية أخرى، استعراض قوة في الميدان. وفي هذه النقطة تحديدا، اتضح سبب التوقع المبكر لفشل المفاوضات. فالتفاوض، في الأساس، كان يجب أن يقوم ولو على أدنى حد من الثقة، ولكن ما حدث كان عكس ذلك تماما. إذ ترافقت الجلسات مع رسائل لم تتوقف في الميدان، ما دفع العملية إلى مخاض قاس. وهذا طبيعي، فأمريكا حين تسعى إلى اتفاق يعيد تشكيل سلوك إيران الإقليمي والنووي بشكل جذري وبالقوة وبالعنجهية المعروفة، بينما إيران تسعى إلى اتفاق يحافظ على ردعها وسيادتها وحقها الطبيعي، فالتلاقي يصبح صعبا بين هذين التصورين.
وتزداد الصعوبة ايضا في غياب مقاربة شاملة للملفات الإقليمية. فعدم ربط مسارات التهدئة، سواء في لبنان أو غيره، بهذه المفاوضات يعكس فجوة في فهم طبيعة الصراع. إيران تتعامل مع الإقليم كوحدة استراتيجية مترابطة، بينما الطرف الأمريكي يحاول تفكيك الملفات والتعامل معها بشكل منفصل للإضعاف. وهذا التباين يجعل أي اتفاق محتمل ناقصا من حيث قدرته على الاستمرار، لأنه يكتفي بجزء من جذور المشكلة لا كلها.
كما أن الطرح الأمريكي لم تعنه المفاوضات في الأساس، وقد صرح “ترامب” بهذا الشيء، إنما كان مساره واضحا، وهو فرض شروط قصوى تفرغ إيران من عناصر قوتها، وهو ما يتقاطع بوضوح مع حسابات “نتنياهو” الذي وجد نفسه أمام معادلة داخلية وخارجية معقدة، بعدما عجز عن تحقيق ما روج له طويلا من تدمير البرنامج النووي الإيراني وإسقاط النظام. وعليه، بدا أن الإدارة الأمريكية لم تكن مستعدة للذهاب إلى اتفاق لا ينسجم مع هذه السقوف، فاختارت عمليا تعطيل المسار بدل القبول بتسوية لا تلبي تلك الأهداف.
من هنا، يمكن القول إن لب فشل المفاوضات ربما كان في السعي لإرضاء الحليف الصهيوني المدلل لدى أميركا، ما جعل الانهيار نتيجة حتمية لمسار تفاوضي مات قبل أن يولد.
وبعد هذا، هل سنشهد في قادم الساعات تدخل بعض الأطراف لاستئناف المفاوضات أم أن الأمور ستتجه نحو مواجهة شاملة؟.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .