3:00 مساءً / 4 أبريل، 2026
آخر الاخبار

“مَنْ يشربْ قهوتَهُ ﻓﻲ الفجر، وينسى جفرا فَلْيدفنْ رأسَه- في الرحيل الخامس لصاحب الجفرا الكنعاني عز الدين المناصرة” ، بقلم : غدير حميدان الزبون

"مَنْ يشربْ قهوتَهُ ﻓﻲ الفجر، وينسى جفرا فَلْيدفنْ رأسَه- في الرحيل الخامس لصاحب الجفرا الكنعاني عز الدين المناصرة" ، بقلم : غدير حميدان الزبون

“مَنْ يشربْ قهوتَهُ ﻓﻲ الفجر، وينسى جفرا فَلْيدفنْ رأسَه- في الرحيل الخامس لصاحب الجفرا الكنعاني عز الدين المناصرة” ، بقلم : غدير حميدان الزبون

يا راحلًا وما ارتحل، ويا حاضرًا وإنْ غاب في الأجل، يا من نسج من الحنين وترًا، ومن الأرض وطنًا، ومن الجفرا نبضًا لا يُختزل.
سلامٌ على روحك إذ تعلو ولا تأفل، وعلى حروفك إذ تفيض ولا تنفصل، وعلى خطاك إذ عبرت بنا من جرحٍ إلى أمل، ومن غيمٍ إلى مطرٍ لا يملّ الهطول ولا يملّ.


أما بعد…
في الرحيل الخامس نعلم جميعا بأنّ الفقد يُقاس بما يخلّفه من صدى، وما يورثه من وجعٍ جميل، يشبه ابتسامةً في عيون الذاكرة.
يقف عز الدين المناصرة حاضرا ثابتا كأنّه يعيد ترتيب حضوره فينا مرّةً أخرى على هيئة قصيدة.
كان المناصرة وطناً يمشي على قدمين، يحمل في قلبه خرائط القرى، ويخبّئ في صوته حنين الزيتون، ويترك في كل بيتٍ من أبياته نافذةً تطل على فلسطين.


كان إذا كتب اشتعلت اللغة قمحًا، وإذا أنشد سالت الجفرا في الشرايين كأنها وعدٌ لا يخون.
في حضرة كلمات عز الدين المناصرة نقرأ الشعر وطنًا يتكلّم، ونُصغي إلى ذاكرةٍ تُغنّي كي تبقى متوهّجة.
تتقدّم قصيدته مثل خبز الأمهات دافئةً، مفعمةً برائحة الأرض، متشبّعةً بملح الحكايات، لتتسلّل من التفاصيل اليومية إلى أفق الأسطورة في لحظةٍ واحدة.


وفي “الجفرا” التي أعاد إشعالها في الوجدان يتردّد صوته كأنّه نشيدٌ أبديّ ولازمةٌ تتّسع لعشق الأرض والإنسان، وترفع القلب نحو فسحةٍ من ضوءٍ لا يخبو.


تمضي كلماته جسورًا بين الحنين والمستقبل، وتغدو مرآةً لروحٍ تُقاوم النسيان وتُصِرّ على الإزهار في كل الفصول، فتتجاور الفجيعة مع الجمال، ويتعانق الحزن مع الأمل في نسيجٍ لغويٍّ نابض.
فجأة يصير الشعر فعل نجاةٍ جماعي تُرمَّم به الأرواح كما تُرمَّم البيوت، وتُضاء به الطرقات كما تُضاء النوافذ في ليالي الانتظار.
تخرج من بين سطورِه الأغنية مضمّخةً بالتراب والزعتر، وتنهض الحكاية على إيقاع خطى العائدين، وتُكتب الذاكرة على هيئة قمحٍ لا ينحني.


وفي كل مقطعٍ تتجلّى لافتته الأجمل بأنّ الكلمة الصادقة تُبقي الوطن حيًّا، وتمنح القلب قدرةً على العبور، وتفتح للروح دروبًا من ضياء مهما تعاقبت مسافات الرحيل.


وفي مساحاتٍ أخرى من شعر عز الدين المناصرة تتوهّج نصوصه بنبرةٍ أكثر تأمّلًا وعمقًا، فتمتزج الأسطورة بالتاريخ، وتنهض الذاكرة على أكتاف الكنعانيّين كأنها شجرةٌ ضاربةٌ في البدء.
يُصغي الشاعر إلى أصداء الحضارات، ويستدعي رموزًا موغلةً في القدم ليصوغ منها حاضرًا نابضًا، فتغدو القصيدة فضاءً تتعانق فيه الأزمنة، وتتحاور فيه الأرواح.


في ديوانه “كنعانياذا” تتجلّى هذه الرؤية بوصفها ملحمةً لغويةً تنسج الهوية من خيوط الميثولوجيا والتجربة المعاصرة، وتفتح للمعنى أبوابًا على اتساع الذاكرة الجمعية.
كما تتألق في نصوصه نبرة الحبّ الإنسانيّ الصافي، إذْ تتلوّن اللغة برهافةٍ شفيفة، وتنساب العاطفة كجدولٍ يروي تفاصيل الروح، فتغدو المرأة رمزًا للأرض، ويغدو العشق مرادفًا للبقاء.
وفي قصائد أخرى تتخذ اللغة طابعًا حواريًا حيًّا، ويكأنّ الشاعر يخاطب ذاته والعالم في آنٍ واحد، ويزرع الأسئلة في جسد النص، ويتركها تنمو كأغصانٍ تبحث عن سماءٍ أوسع.


تتراءى المدن في شعره ككائناتٍ حيّة، تنبض بالحزن والرجاء، وتتحوّل الأمكنة إلى مرايا للروح تتكسّر فيها الغربة وتتشظّى، ثم تعود فتلتئم على هيئة أملٍ عنيد.
ومن بين هذا كلّه تتصاعد إشاراتٌ دقيقة إلى قضايا الإنسان الكبرى المتمثلة في الحرية، والكرامة، والانتماء، فتكتسب قصيدته بُعدًا كونيًا يجاوز حدود الجغرافيا دون أنْ يغادرها.


بهذا الامتداد الفني يقدّم المناصرة تجربةً شعريةً متفرّدة تتلاقى فيها اللغة مع الرؤيا، ويتحوّل النص إلى كيانٍ حيٍّ يتنفّس، ويكتب القارئ بقدر ما يقرأه، ويترك في القلب أثرًا يمتدّ كضوءٍ لا ينطفئ يرافق الخطى، ويعيد تشكيل العالم بكلماتٍ تنبض بالحياة.


في الرحيل الخامس نعيد قراءة الغياب كأنّه حضورٌ آخر، ونبحث عنه في الأغاني التي ما زالت تحفظ نبرته في القصائد التي لم تجفّ، وفي الكلمات التي لم تنحنِ رغم ثقل الفقد.


كأنّ الموت أمامه استراحة شاعر يتهيّأ بعدها لصعودٍ أعلى في سماء الذاكرة.
أيها الكنعانيّ الذي لم يغادر، يا صاحب الجفرا التي صارت نشيدًا يتوارثه العشّاق، كيف استطعت أنْ تجعل الرحيل معنىً لا يُخيف؟


وكيف تركت لنا من نورك ما يكفي لنرى الطريق حتى في العتمة؟
في هذا الرحيل الخامس لا نبكيك كما يُبكى الراحلون، إنما نكتبك كما تُكتب البدايات، ونزرع اسمك في القصيدة، فنحصدك في القلب.


سنعزف قصيدك، ونترك المسرح لكلماتك لتتآلف كما لو أنّها تعودُ إلى أصلها الأول، ويمتزجُ الشعرُ بالأرض، ويغدو الصوتُ ظلًّا للذاكرةِ لا يزول، فيا كنعانيَّ الحرفِ الذي يفيضُ فينا كالنهر، تمضي وتبقى في القصائد نبضَ أرضٍ لا يشيخ ولا يذبل، زرعتَ في الكلمات روحًا فاستفاق الحلم قمحًا وازدهر، وغدت “جفرا” في المدى وعدًا يردده الهوى ويصونه وتر السحر، تمشي القصيدة في خطاك كأنها ظلّ يضيء ولا ينحسر، وتظل فينا كلما نادى الحنين نشيد قلب لا يمل ولا يفتر.


اسمك في وجداننا شجرٌ يعانق السماء فيثمر أغنيات المطر، والروح تحمل من ضيائك قبسًا يبقي الحكاية حيّةً فينا، وتمضي بنا نحو المعنى الأجمل الذي لا ينكسر.


نهمس: لم يمت من جعل الأرض قصيدة، ولم يغب من علّم الريح أن تنطق باسم الوطن.


سنردّد قصيدك ليبلغ عنان السماء: “لفلسطينَ الخضراءَ، أغنّي
لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ السجنِ، أُغنّي
لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ القبرِ، أُغنّي
جفرا أُمّي إنْ غابتْ أُمّي”.
سلامٌ عليك في خامس الغياب، وفي كل حضورٍ يتجدّد.

شاهد أيضاً

“التربية”: استمرار تعليق الدوام الوجاهي في المدارس والجامعات ورياض الأطفال

شفا – أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي، اليوم السبت، تعطيل الدوام الوجاهي في جميع المدارس …