
حين يصبح السؤال أهم من الإجابة ، بقلم : د. ابتهاج البكري
عزيزي القارئ يا ترى ماذا ستكون اسئلتك بعد قراءة هذا المقال؟؟ وهل ستطبق ما تقرأه في بيتك ام في مدرستك ام في عملك؟؟؟؟ هل السؤال يحدد ملامح السائل؟؟ هل يحدد IQ له، وهل وقعت يوما في فخ السؤال الذي اجابته تنتهي بسؤال؟؟؟؟
السؤال ليس مجرد صيغة لغوية تنتهي بعلامة استفهام، بل هو البوصلة التي توجه الشخص نحو الهدف. ففي الفكر التربوي عملية طرح السؤال لم تعد عملية ثانوية سواء للمعلم او المتعلم، بل تعدى ذلك الى استراتيجية ذهنية، الامر الذي ميز بين العقل المستهلك الذي يحفظ الإجابة وبين العقل المحلل والمنتج الذي يمتلك جرأة على إعطاء حلول إبداعية وخارج الصندوق. فن السؤال يعد هندسة دقيقة، تتطلب وعي عميق بالآلية والتوقيت وتحتاج الى فهم لأنواع الأسئلة التي تتدرج من أسئلة مباشرة الى أسئلة تفكير عليا التي تحفز التحليل والنقد والابتكار.
أكرر أن السؤال ليس مجرد جملة تنتهي بعلامة استفهام، بل هو سلوك حضاري يعكس احترام العقل والرغبة في التطوير المستمر. إن الاقتصار على الأسئلة المباشرة في التعليم يؤدي إلى “تسطيح الوعي”، بينما التركيز على أسئلة التفكير العليا ينمي لدى المتعلم مهارات البحث العلمي. فعلى سبيل المثال، في دراسة سلوكيات الأفراد، أو تقييم أداء المؤسسات، لا يكفي سؤال “ماذا حدث؟” (سؤال مباشر)، بل الأهم هو “لماذا حدث؟ وكيف نمنع تكراره؟” (تفكير عالي).
يشكل هذا التوازن الضمان الحقيقي لتمكين المتعلم أينما كان في بيئاته المختلفة (سواء في البيت او في أروقة المدرسة أو المؤسسة) فهو لا يحمل المعلومة المجردة فحسب، بل يمتلك البوصلة المعرفية، التي يرى من خلالها الاتجاه الصحيح وسط الكم الكبير من المعلومات ويحلل معطياته بذكاء، واستبصار، ومرونة، واقتدار.
كيف نحول السؤال إلى قيمة مضافة؟؟
إن تدريب المتعلم على فن السؤال هو الانتقال الحقيقي من التعليم التلقيني إلى التعلم الاستقصائي، فالسؤال ليس مجرد جملة استفهامية، بل عملية ذهنية ينقل العقل من حالة الركود أو السكون الى حالة الفاعلية، إذ يصبح أداة يكسر بها حاجز الفهم السطحي الى مستويات تفكير عليا من تحليل ونقد وتركيب.
إن القيمة الجوهرية لطرح الأسئلة تسهم في صقل الملكة العلمية لدى المتعلم، وتنمي لديه الشجاعة المعرفية ودحض التبعية الفكرية. ومن منظور تربوي، فالمتعلم الذي يسأل في حقيقة الامر يمارس الوعي الذاتي بعملياته الذهنية، إذ يحصر ويحدد فجواته المعرفية، ويسعى لردمها بجهده الذاتي، مما ينقل العملية التعليمية إلى حوار استكشافي مستمر. لذا، فإن تمكين المتعلم من صياغة أسئلة نوعية (سواء كانت استكشافية أو افتراضية) هو الضمان الأكيد لبناء شخصية بحثية قادرة على مواجهة تعقيدات المعرفة الحديثة بكفاءة واقتدار.
مهارة طرح الأسئلة تبدأ من مرحلة الطفولة المبكرة
الأطفال في هذه المرحلة المبكرة لديهم فضولاً وحباً فطريًا لاستكشاف ما حولهم بأسئلتهم المستمرة لذا، لا بد من تشجيع هذا الفضول للمضي قدمًا، والانتقال لمراحل بمستوى أعلى، لتبدأ مرحلة التدريب المنهجي والتمكين على صياغة أسئلة واستنتاجات إلى أن يصل إلى مرحلة الاتقان التي تصقل فيها مهاراته في التحليل والبحث والفلسفة.
تعدّ الاستراتيجيات التي تنمي فن السؤال هي الركيزة الأساسية في التعليم الحديث، ومن أبرزها استراتيجية توليد الأسئلة لتكسر حاجز الخوف من الخطأ، وتعلم الطالب كيفية تحويل الأسئلة المغلقة إلى مفتوحة وبالعكس.
استراتيجية سقراط، المعروف بـالمنهج السقراطي (Socratic Method)، وتسمى استراتيجية التوليد، سقراط لم يكن يلقن تلاميذه المعرفة، بل كان يؤمن بأن الحقيقة كامنة داخل عقل الشخص، ودور المحاور هو مساعدته على إخراجها (توليدها) عبر الأسئلة الذكية. فلا بد من تدريب المتعلم على طرح أسئلة تبحث في الأدلة، والآثار المترتبة، ووجهات النظر البديلة.
استراتيجية تبادل الأدوار تدريب المتعلم على أن يكون المستقصي الذي يستخرج الأسئلة الجوهرية من المحتوى التعليمي ليناقشها مع زملائه، مما ينمي مهاراته القيادية والفكرية.
ولعل استراتيجية حائط التساؤلات هو من أفضل الاستراتيجيات استخداما فيتم تخصيص مساحة في الصف يضع فيها الطلبة أسئلة تدور في أذهانهم حول الدرس قبل بدئه أو أثنائه، ولا يجيب المعلم على هذه الأسئلة فوراً، بل تُترك كدليل للبحث خلال الحصة أو المشروع.
الأمان النفسي: الحاضنة الأولى لفن السؤال
هل الشعور بالأمان والاهتمام داخل الاسرة والمدرسة له تأثير في طريقة طرح السؤال لدى ابنك/ طالبك؟؟؟؟؟
بشكل جوهري؛ فالعلاقة بين الأمان النفسي وجودة التفكير علاقة طردية حاسمة. الأمان داخل الأسرة هو الوقود الذي يدفع الابن للمغامرة بطرح أسئلة غير تقليدية دون خوف من السخرية أو الخطأ. إن الشعور بالأمان والاهتمام هو القاعدة التي يرتكز عليها السؤال، لأنه بدون ذلك يكون سؤاله من مصدر قلق وخوف، ويظهر من سطحية السؤال أو من طرحه بشكل مختصر.
الشعور بالأمان يعطي الجرأة لطرح أسئلة تفكير عليا تبحث عن تناقضات، أو يسأل عن مسلمات تثير تفكيره، وهو على يقين بأن السؤال لن يقابل بالسخرية، لأن ذهنه في هذه الحالة يكون في حالة استرخاء يقظ، يركز على المعنى لا على رد فعل الآخرين. كما أن البيئة الآمنة والداعمة فيها التقبل لتساؤلات لا أفهم…؟ أو لماذا حصل ذلك؟؟؟ ومن هنا تتأكد أن ابنك أو طالبك قد بدأ رحلة البحث، ودخوله مرحلة التحليل والتركيب، لتوليد أذكى أسئلة تفكير.
وهنا عندما يشعر بأن أسئلته “محل اهتمام” (يتم تدوينها، مناقشتها، أو البحث عن إجابتها)، يتولد لديه دافع داخلي لرفع جودة تساؤلاته. هو يدرك أن سؤاله قيمة مضافة للمكان، فيبدأ بالبحث عن “الأسئلة ذات القيمة (القوية) “ليحافظ على هذا المستوى من التقدير. فالأمان ينتج أسئلة تحليل ونقد وخيال، التي تصل بنا إلى الإبداع والابتكار.
ولا بد من احترام الأسئلة المطروحة من أي شخص لأنه لا يسأل لكي يتعلم فقط، بل لأنه يشعر بأن صوته مسموع ومحترم.
كيف نحول التساؤل البسيط إلى رؤية عميقة؟
السؤال الضعيف هو محاولة خجولة للتفكير. وللتعامل مع الأسئلة السطحية أو الضعيفة يتطلب ذلك حكمة تربوية بالغة لا يكون هدفه تصحيح السؤال، بل تطوير لعقل السائل دون جرحه وزعزعت ثقته بنفسه. إن التعامل الذكي يحول سطحية السؤال إلى سؤال عميق.
لذا أود الإشارة إلى طريقة التعامل مع هذه الحالة، وتبدأ من قبول السؤال السطحي (الضعيف) معززًا السائل لطرحه، ثم الإضافة عليه ليكون سؤالا ببعد عميق مساعدًا إياه في البحث بشكل أقوى من خلال سؤاله وبناء على سؤاله. ونخلق من هذه الإضافة تأييد المشاركة في السؤال ليكون أقوى وأمتن (المشاركة والتعاون).
ولإعطاء قوة للسؤال لابد من ربطه بالواقع أو بأحداث سابقة. والتدريب المنهجي على أسئلة استهلالية متمثلة بـ(من، أين، متى) والتي تعدّ أدوات أولية كمفاتيح لأبواب المعرفة وتحديد الأطر، بينما الأسئلة التي تبدأ بـ (كيف، لماذا، ماذا لو) هي للغوص في محيط التحليل، ولضمان التفكير الخلاق، لا بد من تجنب الإجابة النموذجية القصيرة التي تنهي الحوار وضع حدًا له، بل يجب وجعل الإجابات جسوراً لتساؤلات جديدة تحي العقل ولتوقظ الفكر، ولمواصلة الاستكشاف والمحافظ على ديمومة البحث.
إن الأمان والاهتمام هما بمثابة الضمانة التي يحتاجها العقل لكي يغامر. فكما لا يجرؤ الغواص على النزول للأعماق دون حبل إنقاذ، لا يجرؤ الطالب على الغوص في أعماق التفكير العليا، ما لم يستند إلى قاعدة أسرية صلبة تشعره بأن تساؤلاته مسموعة، ومحاولاته مقدّرة، وفضوله هو أثمن ما يملك.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .