
شفا – نقلاُ عن شينخوا – في ساعات الفجر الأولى، اعتاد المزارع الفلسطيني نايف كعابنة أن يخرج من منزله في قرية الطيبة القريبة من مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، ليتفقد أغنامه ومحيط أرضه الزراعية قبل أن يبدأ يومه الطويل في الرعي والعمل.
لكن هذه المهمة اليومية لم تعد كما كانت في السابق، إذ باتت محفوفة بالمضايقات والقلق بسبب تكرار هجمات المستوطنين الإسرائيليين في المنطقة خاصة في ظل التوترات العسكرية الإقليمية في الشرق الأوسط.
ويقول كعابنة لوكالة أنباء ((شينخوا)) إن حياته اليومية تغيرت بشكل كبير خلال الأشهر الأخيرة، حيث يضطر في كثير من الأحيان إلى مراقبة محيط أرضه قبل إخراج مواشيه إلى المراعي القريبة، خوفا من ظهور المستوطنين فجأة ومهاجمته وسرقة أغنامه.
ويضيف كعابنة (45 عاما) وهو أب لثلاثة أبناء “أصبح وجودنا مهددا ويلاحقنا المستوطنون من مكان لآخر حتى تبقى الأرض فارغة ويستولون عليها”.
هذا الوضع لا يقتصر على كعابنة، بل يشمل المزارعين في قريته الذين باتوا يعملون بحذر شديد، إذ لا يستطيعون الابتعاد كثيرا عن منازلهم أو مراعيهم خشية التعرض لهجمات مفاجئة.
ويقول بشيء من الغضب “المستوطنون يستغلون فرصة انشغال العالم بالحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران، ويزيدون من هجماتهم وانتهاكاتهم ضدنا لأنهم يعلمون بأن الإعلام مسلط على الحرب بين الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل على إيران”.
ويشرح كعابنة أن ما يجري في محيط قريته بات يتخذ شكل مضايقات يومية متكررة من قبل المستوطنين، تبدأ بملاحقة الرعاة في المراعي القريبة من التجمعات السكنية، وتمتد في أحيان كثيرة إلى سرقة المواشي وإتلاف المحاصيل الزراعية، الأمر الذي يضع المزارعين أمام صعوبات متزايدة في مواصلة عملهم في أراضيهم.
ويضيف “المستوطنون يقومون بمضايقات يومية ومحاصرتنا، وأحيانا يسرقون أغنامنا ومواشينا بقوة السلاح ويحرموننا من الرعي في محيط مساكننا”.
ومع حلول الليل، تتحول المخاوف إلى حالة من الترقب في القرية، حيث يتناوب السكان على حراسة منازلهم وممتلكاتهم خشية وقوع هجمات ليلية.
ويقول كعابنة إن المستوطنين “يشنون في كثير من الأحيان هجمات ليلية على القرى ويحرقون المنازل، بينما يكون السكان نائمون”.
ولهذا السبب، شكل سكان قرية الطيبة جولات حراسة ليلية، يجوب خلالها الرجال طرقات القرية والمناطق الزراعية المحيطة بها لمراقبة أي تحركات مشبوهة.
ويتابع “لا نستطيع التحرك بحرية أو مغادرة المكان أو حتى الرعي في بعض الأحيان خوفا من هجمات المستوطنين، والجيش الإسرائيلي لا يحرك ساكنا”.
ولا يقتصر هذا الواقع على قرى وسط الضفة الغربية فحسب، إذ تتكرر الشكاوى ذاتها في مناطق أخرى من الضفة، حيث يقول مزارعون إن الهجمات المتزايدة من قبل المستوطنين باتت تؤثر بشكل مباشر على حياتهم اليومية ومصادر رزقهم.
ففي جنوب الضفة الغربية، يواجه المزارع الفلسطيني نور إدريس (35 عاما) وضعا مشابها في منطقة بيرين قرب مدينة الخليل، حيث تقول شهادته إن الهجمات المتكررة أعادت تشكيل تفاصيل حياته اليومية بشكل كامل.
مع أول شعاع للفجر في بيرين، يراقب إدريس منزله بقلق، إذ أصبح أي صوت في محيطه يثير الرعب لديه. قبل أيام قليلة، اقتحم مستوطنون منزله فجأة، محطمين النوافذ ومطلقين غاز الفلفل داخل الغرف، ما أدى إلى إصابة والدته بحالة من الذعر والألم.
ويستعيد إدريس اللحظات بدقة، وهو يصف الفوضى التي عمّت المكان “سرق المستوطنون نحو 30 رأسا من المواشي، وحاربوني في كل شيء حتى في مصدر رزقي، من خلال تدمير مزروعاتي من الخضراوات”.
الأرض المحروثة والمحاصيل الممزقة كانت شاهدة على تلك الهجمات، التي لم تقتصر على الاعتداء الجسدي بل امتدت لتطال قوت يومه وأمن عائلته الغذائي.
ويقول إدريس لـ((شينخوا)) “إن هذه الهجمات جعلت كل يوم محفوفًا بالخطر”، واضطر أطفاله للعيش في حالة من الرعب المستمر، بينما هو يظل واقفا على الأرض التي نشأ فيها، يحاول حماية ما تبقى من ممتلكاته ومواشيه.
ويضيف بينما كان ينظر إلى الحقول التي دمرها المستوطنون “وجودي هنا وعدم ترك المكان يؤكد أحقيتنا في هذه الأرض … لو تركت المنطقة سيستولي المستوطنون عليها وتصبح ملكا لهم ولن نسمح لهم بذلك”.
ويشير إدريس إلى أن المستوطنين يفرضون أحيانا قيودا غير مباشرة على حركة السكان، من خلال إغلاق الطرق الترابية المحيطة بالقرية لفترات طويلة.
وأضاف “في بعض الأيام نضطر لاستخدام الحيوانات مثل الحمير والأحصنة لنقل حاجياتنا أو أعلاف الماشية لأن الطرق تكون مغلقة بالكامل، وهذا أمر متعب جدا”.
وفي هذا السياق، يقول رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان في حديث مع ((شينخوا)) إن المستوطنين الإسرائيليين نفذوا 443 اعتداء ضد الفلسطينيين خلال شهر الحرب مع إيران.
ويضيف شعبان أن هذا التصاعد جاء في سياق “استغلال واضح لحالة الاضطراب السائدة لتكثيف الهجمات على القرى والتجمعات الفلسطينية”.
ويوضح أن الاعتداءات اتسمت بدرجة أعلى من التنظيم والاتساع، وشملت إطلاق نار مباشر على المواطنين وإحراق المنازل والممتلكات، إلى جانب فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض.
ويشير إلى أن هذه الهجمات أسفرت خلال شهر واحد عن مقتل تسعة فلسطينيين على يد مستوطنين.
كما أدت موجة الهجمات، بحسب شعبان، إلى تهجير ستة تجمعات بدوية فلسطينية قسرا خلال الشهر الأخير، ما تسبب في تضرر 58 عائلة تضم 256 شخصا، بينهم 79 امرأة و166 طفلا.
ويضيف أن المستوطنين حاولوا منذ مطلع شهر مارس الجاري إقامة 14 بؤرة استيطانية جديدة على أراضي الضفة الغربية.
كما نفذوا 123 عملية تخريب لممتلكات ومزروعات فلسطينية وتجريف للأراضي، إضافة إلى 18 اعتداء أدت إلى إشعال الحرائق في ممتلكات السكان.
وبحسب منظمة “السلام الآن” الإسرائيلية غير الحكومية، تم تسجيل بناء 80 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية خلال عام 2025، وهو أعلى معدل منذ بدء المنظمة توثيقها في عام 1991.
وفي السياق ذاته، قالت منظمة “ييش دين” الإسرائيلية المعنية بحقوق الإنسان إن اثنين بالمائة فقط من قضايا عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين التي تم توثيقها بعد السابع من أكتوبر 2023 انتهت بتوجيه اتهامات.
وسيطرت إسرائيل على الضفة الغربية بعد حرب عام 1967، وأقامت فيها مستوطنات اعتبرها المجتمع الدولي غير قانونية.
ويعيش في الضفة الغربية أكثر من نصف مليون مستوطن إسرائيلي إلى جانب نحو 3.4 مليون فلسطيني، وكثيرا ما تحولت المواجهات بين الجانبين إلى أعمال عنف.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .