1:35 مساءً / 26 مارس، 2026
آخر الاخبار

بين الرجفة والفجوة: في تفكيك العزاء في “يدٌ تعبرُ الضاحية” للشاعر محمد علوش ، بقلم : الناقدة: أ. حنين الكرمي

بين الرجفة والفجوة: في تفكيك العزاء في "يدٌ تعبرُ الضاحية" للشاعر محمد علوش ، بقلم : الناقدة: أ. حنين الكرمي

بين الرجفة والفجوة: في تفكيك العزاء في “يدٌ تعبرُ الضاحية” للشاعر محمد علوش ، بقلم : الناقدة: أ. حنين الكرمي

في سياقٍ تُثقل فيه الكلمة بواقعها قبل معناها، لا تعود الضاحية مجرد اسم مكان، بل علامة مشبعة بالأثر: صوتٌ يسبق الصورة، وذاكرةٌ تتشكّل تحت القصف، ضمن هذا الأفق، تُقرأ قصيدة “يدٌ تعبرُ الضاحية” بوصفها كتابة تقف على تخوم التوتر، لا لتخفيفه فحسب، بل لفضح حدوده.


تشتغل القصيدة على مستويين متوازيين: مستوى انطباعي يستجيب لما تخلّفه من رجفة في الوجدان، وآخر تفكيكي يتعقّب الفجوات التي تنتجها في المعنى، وبين الرجفة والفجوة، يتشكّل نص لا يقدّم عزاءً مستقرًا، بل يضعه موضع مساءلة.


تتخذ القصيدة من “يد الله” مركزًا تخيليًا، حيث “تمسحُ عن وجهِ الحجارةِ تعبَ القيامة، / وتعدُّ أسماءَنا / اسماً… اسماً”، انطباعيًا، تستعيد هذه الصورة دفئها الأمومي، فتمنح الأسماء فرديتها في مواجهة موتٍ رقميّ بارد، غير أن هذه الأفعال نفسها تكشف حدودها: فاليد “كلما مرّت” إنما تأتي بعد الحدث، لا قبله، إنها لا تمنع الفقد، بل تعيد ترتيبه رمزيًا، وهكذا، يتحول الحضور إلى أثرٍ لاحق، والتعزية إلى صيغة لغوية لغياب الفعل.


ويبلغ هذا التوتر مداه في فعل “عدّ الأسماء” تحديدًا؛ إذ يبدو وكأنه استعادة للإنسان، بينما يعيد — في الآن ذاته — إنتاج منطق العدّ نفسه، بذلك، يتقاطع الحنان مع التكرار، وتغدو محاولة إنقاذ المعنى جزءًا من البنية التي تهدده.
في مستوى آخر، تستدعي القصيدة تفاصيل الحياة اليومية: “هنا / كان بيتٌ / يتكئ على رائحةِ القهوةِ صباحاً”، غير أن هذا الاستدعاء لا يعيد الحياة، بل يحدد مسافة غيابها، فالماضي لا يُستعاد، بل يظهر بوصفه أثرًا لما لم يعد ممكنًا، حتى صورة “ضحكاتُنا / تصعدُ درجاتِ المساءِ / مثل عصافيرَ مطمئنّ” تُقرأ اليوم من داخل قطيعةٍ أحدثها “الخرابُ / كليلٍ مفاجئ”، وهكذا، لا تعمل الذاكرة كاسترجاع، بل ككشفٍ عن انقطاع.


وتبلغ القصيدة ذروة تعقيدها في صورة “حنجرةُ أرضٍ / تدرّبت طويلاً / على أن تحوّلَ دموعَها / إلى نشيد”، فالتدريب هنا لا يشير فقط إلى القدرة، بل إلى التكرار القسري؛ كأن الألم لم يعد حدثًا طارئًا، بل حالة مستمرة، والنشيد، في هذا السياق، لا يلغي الجرح، بل يواكبه، ويعيد إنتاجه في صورةٍ قابلة للاستمرار.


وفي خاتمة النص، تتكثف مفردات النجاة ضمن أفقٍ مؤجّل: “لا تعطوا الخوفَ أكثرَ من حجمه”، و”هذا الوجعُ / عابرٌ مثل غيمة”، غير أن هذا التخفيف يصطدم بعبارة ضمنية أقوى: “نجاةٍ مؤجّلة”، فالنجاة لا تتحقق، بل تُعلَّق؛ والقيامة لا تأتي، بل تُستدعى بوصفها إمكانية، والنص لا يمنح يقينًا، بل يحافظ على أفق مفتوح، يتأرجح بين الوعد وتعذّر تحققه.


بهذا المعنى، لا تعمل القصيدة كخطاب عزائي مستقر، بل كمساحة يتقاطع فيها العزاء مع تقويضه، إنها لا تنقذ القارئ من الواقع، بل تعيد صياغة علاقته به، كاشفةً حدود اللغة وقدرتها في آنٍ معًا.
وهنا تحديدًا تكمن قوتها: لا فيما تقوله، بل في ما تتركه مفتوحًا.

شاهد أيضاً

عباس زكي يدين مشروع قرار اعدام الأسرى

عباس زكي يدين مشروع قرار اعدام الأسرى

شفا – أدان عباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، مشروع قانون اعدام الأسرى المقدم …