
من زمن رأفت الهجان إلى بلطجية الشاشة: سقوط الدراما العربية ، بقلم : علاء عاشور
من يشاهد الدراما العربية اليوم يشعر برغبةٍ في التقيؤ والغثيان؛ فملايين الدولارات تُنفق على أعمالٍ ذات نصوصٍ ركيكة ورديئة، وعلى ممثلين يتقاضون أجورًا طائلة وهم لا يستحقون منها فتاتًا. ومن يتابع الدراما المصرية حاليًا يبكي على حالها؛ فقد تشكّلت طفولتنا على مسلسلاتٍ مثل لن أعيش في جلباب أبي والحاج متولي للنجم نور الشريف، والإمبراطور للنجم حسين فهمي، وأعمال أخرى من بطولة عمالقة في التمثيل مثل كمال الشناوي ومحمود مرسي ويسرا ورشوان توفيق.
كانت الميزانيات متواضعة، والأستوديوهات بسيطة، لكنّها كانت تُخرج لنا أعمالًا ذات قيمةٍ وجدانيةٍ كبيرة، مثل المال والبنون ورأفت الهجان ودموع في عيون وقحة وسفر الأحلام وغيرها الكثير. أمّا اليوم، فنشاهد بلطجيةً بعضلاتٍ مفتولة تُمنح لهم أدوار البطولة، وهم لا يستحقون أن يكونوا كومبارسًا في دراما الزمن الجميل.
بعد عام 2013 تقريبًا، ومع تجارب مثل العرّاب – نادي الشرق (2015)، أصبحت المسلسلات بنصوصٍ ضعيفة، وإيقاعٍ بطيء، وبرودٍ غير عادي من الممثلين، وإخراجٍ سطحي، وصورةٍ باهتة ومعتمة، وموسيقى تصويرية مملة وذات نسقٍ ضعيف.
المسلسلات السورية الحالية تعاني من البطء، ومن صورةٍ بصريةٍ باهتة، ومن انعدام الروح والحيوية؛ كأننا نشاهد أصنامًا متحركة بلا شعور ولا روح حقيقية. عندما كنّا نتابع مسلسلاتٍ مثل باب الحارة والخوالي والولادة من الخاصرة وأبناء القهر وأهل الغرام والفصول الأربعة والزير سالم وسلسلة مرايا لـ ياسر العظمة، كنّا نشعر وكأننا نعيش مع الممثلين.
لقد أصبحت الدراما العربية خلال العقد الأخير، على الأقل، مسرحًا لتمرير رسائل سياسية بين دولٍ معيّنة تمتلك أجهزة إنتاجها الخاصة، ولو استعانت بفنانين من غير جنسية هذه الدول، لكنهم يعتنقون دين الدولار والانبطاح للمال وترف الحياة. ونشاهد أعمالًا تدعو إلى مخالفة قيمٍ جمعيةٍ إنسانية، مثل إباحة الخيانة الزوجية أو الترويج للتعرّي الذي يخالف قيمنا الشرقية وتقديسنا للشرف ومعنى الرجولة. وهذه القيم ليست بالضرورة مرتبطة بالدين فحسب، بل هي قيمٌ اجتماعيةٌ كلية تنبع من وجدان المجتمع وشرفه الجمعي.
كما لا ينبغي، في المقابل، مهاجمة الإسلاميين في الدراما الرمضانية بطريقة سطحية ومبالغٍ فيها. وقد شاهدنا مثالًا على ذلك في مسلسل الخروج إلى البئر، حين يُصوَّر شاب ذو توجهٍ إسلامي متشدد وهو يجلد أمه بطريقةٍ مستفزة ومبالغٍ فيها إلى حدّ يصعب معه تصديق الواقعة أو تقبّلها دراميًا. ومع ذلك، فإنّ الإسلام السياسي المتشدد يشكّل بالفعل خطرًا على قيم الحضارة والتقدم، لكن معالجة هذه القضايا تحتاج إلى عمقٍ فكري وصدقٍ فني، لا إلى تسطيحٍ درامي.
أمّا اليوم فالواقع سيّئ، والدراما تعيش حالة موتٍ سريريّ في العالم العربي؛ لأننا أصبحنا بلا روح، ولا إنسانية، ولا إيجابية في الحياة. كلّ شيءٍ يفقد قيمته تحت وطأة الزخم والتراكمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي غدت هشّة في عالمٍ ماديّ قائمٍ على مبدأ النفعية المطلقة.
الروح الجميلة في بداية الألفية والتسعينيات في الفن لن تعود في ظل انعدام الطيبة والبساطة في الطرح في هذا الزمان الباهت جدًا على جميع الأصعدة.
فالفنّ تعبيرٌ ومرآةٌ للبُنى التحتية لأي مجتمع، من اقتصادٍ وسياسةٍ وأزمة حكمٍ وديمقراطية؛ وهو قيمةٌ فوقية تعكس أزمات البُنى السفلية المنحدرة إلى القاع منذ زمنٍ طويل.
وحتى كرة القدم والمصارعة الحرة وسائر الرياضات، من التنس إلى كرة السلة وسباقات السيارات «الفورمولا وان»، لم تعد كما كانت في السابق؛ فلم يعد فيها نجومٌ حقيقيون، ولا ذلك البريق من الإثارة والفن والمهارة في المنافسة. لقد أصبح كلّ شيءٍ في عالمنا مزريًا، للأسف.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .