
عزيزة سالم… حين تصنع الإرادة ما تعجز عنه الشهادات ، بقلم: سامي إبراهيم فودة
في غزة، حيث تضيق الحياة بأهلها وتثقلها التحديات، تولد الحكايات الكبيرة من رحم المعاناة، لا من وفرة الإمكانيات. هناك، في زاويةٍ منسية من هذا الوطن المثقل بالجراح، تكتب النساء تاريخًا صامتًا من الصبر والقدرة على التغيير. ومن بين هذه الحكايات، تبرز قصة عزيزة سالم، المرأة التي لم تحمل شهادة جامعية، لكنها حملت همّ مجتمعٍ كامل، فكانت أكبر من كل الألقاب، وأصدق من كل المناصب.
في منطقة “حكر الجامع” شرق دير البلح، لم تكن عزيزة سالم مجرد اسمٍ عابر، بل كانت حالةً إنسانية متكاملة، امرأة قررت أن تكون مختلفة في مجتمعٍ كثيرًا ما قيّد أحلام النساء. تزوجت مبكرًا، وانشغلت بتربية أبنائها، وانقطعت عن التعليم، لكن ذلك لم يكن نهاية الطريق، بل كان بدايته الحقيقية.
لم تنتظر عزيزة فرصةً تُمنح لها، بل صنعتها بنفسها. من بوابة التطوع في جمعية صغيرة، بدأت الحكاية، وهناك أدركت أن العلم ليس ورقة تُعلّق على الجدران، بل معرفة تُصنع بالتجربة، وإرادة تُصقل بالإصرار. فتعلمت، وتدربت، وقرأت، ووسّعت مداركها حتى أصبحت مرجعًا للنساء في منطقتها.
شيئًا فشيئًا، تحوّلت من متطوعة إلى قائدة، ومن متلقية للتدريب إلى مدرّبة تصنع الأثر. أتقنت فن إدارة المشاريع، وكتابة التقارير، والتواصل مع المانحين، ولم تكتفِ بذلك، بل حملت على عاتقها قضية تمكين المرأة، ففتحت الأبواب أمام النساء ليكنّ شريكات في الزراعة، والعمل، والمجتمع.
لم تكن رحلتها سهلة، كانت أمًا لسبعة أبناء، تستيقظ قبل الجميع، ترتب بيتها، وتحتضن مسؤولياتها، ثم تمضي لتصنع الأمل لغيرها. كانت تؤمن أن المعرفة لا تُقاس بالشهادات فقط، بل بمدى تأثيرها في حياة الآخرين، وهذا ما جعلها تكسب احترام الجميع، وتُلقب بـ”صانعة التغيير”.
وعندما انتقلت إلى جمعية “نبراس”، لم تكن مجرد عضو، بل كانت روحًا تحرّك المكان. ساهمت في توسيع العمل، ونقل الجمعية إلى مساحة أوسع من التأثير، لتصل خدماتها إلى أكبر عدد ممكن من النساء. لم تبحث يومًا عن منصب، لكن المناصب هي التي جاءت إليها، لأن من يصنع الأثر لا يحتاج إلى تعريف.
وفي بيتها، الذي تحوّل إلى مساحة للتوعية والتدريب، كانت عزيزة تزرع الوعي كما يزرع الفلاح أرضه، بصبرٍ وإيمان. حتى رجال الإصلاح لم يكونوا بعيدين عن رؤيتها، فعملت معهم على تغيير المفاهيم، لأنها أدركت أن إصلاح المجتمع يبدأ من تغيير العقول.
ورغم كل ما حققته، بقي في قلبها حلم مؤجل… حلم الشهادة الجامعية، ذلك الحلم الذي لم تخمد ناره، بل ظل وقودًا يدفعها للمضي قدمًا، وكأنها تقول إن الطموح لا يشيخ، وإن الأحلام لا تسقط بالتقادم.
في ختام سطور مقالي:
عزيزة سالم ليست مجرد امرأة فلسطينية، بل هي قصة وطنٍ كامل يُقاوم اليأس بالأمل، ويصنع من البساطة قوة، ومن الحرمان فرصة. هي الدليل الحيّ على أن الإرادة يمكن أن تهزم كل القيود، وأن الإنسان قادر أن يكون نورًا، حتى في أشدّ العتمة.
وفي زمنٍ تُقاس فيه القيمة بالألقاب، تأتي عزيزة لتُعيد تعريف المعنى الحقيقي للنجاح… نجاحٌ يُصنع بالقلب، ويُكتب في حياة الناس، لا على الأوراق.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .