
العقيدة التعليمية التربوية ، بقلم : د. فواز عقل
أبدأ هذه المقالة بحوار بين أبو العُريف والخبير الياباني
أبو العُريف للخبير الياباني: لو سمحت، أخبرني أي طريق يجب أن أسلك للخروج من هذه المدينة
الخبير الياباني: هذا يعتمد إلى أين تريد أن تذهب
أبو العُريف: بصراحة لا أعرف بالضبط إلى أين أنا ذاهب
الخبير الياباني مستغربا: إذن لا يهم أي طريق تسلكه للخروج من المدينة
إن أهم مشكلة تواجه التعليم في العالم الثالث عامة والعالم العربي بشكل خاص هي عدم وجود عقيدة تعليمية تربوية توضح معالم الطريق وتصنع البوصلة التعليمية مع العلم أن كثير من دول العالم تتحدث عن العقيدة العسكرية وقليل من الدول تتحدث عن العقيدة التعليمية وأنا أرى أن العقيدة التعليمية لها ثلاثة أبعاد:
البعد الأول هو الغايات والأهداف، هذا يعني ما نوع الفرد الذي تريد تكوينه وبناؤه لأي مستقبل، بمعنى مواصفات المهندس والطبيب والمحامي والمعلم المستقبلية لأن مهنة التعليم هي أم المهن كلها.
البعد الثاني هو بعد المعارف، ما هي المعارف والمحتوى التعليمي التي تساعد على إعداد الفرد للمستقبل وما نوع المعارف، عبدلله السعدون يقول: إن النهوض من مستنقع الجهل والتخلف عن طريق التعليم الذي أهم عناصر نجاحه المعلم المربي الناجح المحب لعمله، والمنهج والمعارف التي تسهم في فتح العقول وشحذها لا برمجتها وتدجينها.
البعد الثالث هو الممارسات التربوية التعليمية، أي الانتقال من محتوى تقليدي يعتمد على المعلم الذي يتحدث 90% من وقت الدرس إلى مهارات ومحتوى تعليمي يصمم ويتمركز حول المتعلم ويقول جون ديوي الأمريكي: إذا علمنا طلاب اليوم بأساليب الأمس فسنسرق منهم المستقبل.
ويقول الإمام محمد عبده: مستقبل أي أمة يقوم على استعدادها لمواجهة كل زمان بما يناسبه
ويقول معلم سنغافوري: كان علي أن أتعلم أن التدريس لا يتعلق بمحتوى المادة التعليمية و الكتاب فقط لكن كان علي أن أتعلم أن التدريس يتعلق بتفكير الطالب.
فالعقيدة التربوية هي الطريقة التي ينظر من خلالها إلى العملية التعليمية من خلال الأطر الفكرية التي توجه العملية التعليمية من حيث الأهداف والمحتوى ودور المعلم ودور الطالب وأساليب التدريس والبيئة الصفية والتقويم ولها مكونات تتثمل في:
الأهداف، النظرة إلى المعلم و إلى المتعلم و المحتوى التعليمي و استراتيجيات التعليم و التقويم أي كيفية قياس التعلم من خلال الامتحانات أو من خلال بدائل متعددة التي توجه العملية التعليمية و تجعلها أكثر وضوحا و تساعد على بناء الأجيال عن طريق غرس القيم الأخلاقية و إعداد الفرد للحياة كما قال جون ديوي و مساعدة المتعلم على اكتساب المعرفة و المهارات التي تتجاوز الحفظ و التلقين إلى الفهم و التطبيق و تساعد على تصميم المحتوى و اختيار أفضل الطرق التي تركز على المتعلم و هنالك عدة دول لها عقيدة تربوية واضحة مثل سنغافورة ،موريشيوس و كندا و فنلندا، و هنالك دول تمزج بين التعليم التقليدي و التعليم الحديث مثل اليابان و بريطانيا و فرنسا و هنالك دول لا تزال متمسكة بثلاثية الحفظ و التلقين و استرجاع المعلومة في الامتحان و العلامات المرتفعة و الشهادات، بعبارة أخرى هي الأساس التي تبنى عليه عملية التعليم و التي تتمحور حول ثلاثة أسئلة ، ماذا نعلم ؟ ولماذا نعلم؟ وكيف نعلم؟ وكلما كانت واضحة وشاملة و تتوافق مع متطلبات العصر كانت نتائج العملية التعليمية و جودة التعليم.
وأنا أرى أن أي نظام تعليمي أو عقيدة تعليمية يحب أن تجيب عن ثلاثة أسئلة، الأول: إلى أن تريد أن تأخذ المتعلم؟ الثاني: كيف تأخذه إلى هناك؟، الثالث :كيف ستعرف انه وصل إلى هناك؟
وسأعرض هنا بعض المقولات والأفكار والاقتباسات التي لها علاقة بالموضوع:
مظفر النواب يقول: إذا لم يكن على ظهر عالم بالبحار فستنز
ويقول شمس الدين التبريزي: لا تنام بنفس العقل الذي استيقظت فيه
لا تتعلم ما لا تعلم حتى تعمل بما تعلم
ومن الظلم أن تطلب من الذي نشأ في نظام تعليم تقليدي أن يبدع أو أن يتعامل مع الطلاب كعقول وليس كأجساد.
وإذا كان ربان السفينة غير مؤهل وبدون رؤية فلا أهمية لوجود طاقم جيد
التعليم الفاشل هو الذي يخلق أجيال تستطيع القراءة والكتابة ولكنها لا تستطيع التفكير
وتقول كريستا ماكوليف: ألمس المستقبل أنا أعلم I touch the futre I teach
It does not matter how fast you drive, if you are driving the wrong way
الجاهل بزمانه جاهل
ويقول جبران خليل جبران: على المعلم أن يكون جسرا يعبر عليه التلاميذ ثم يدمر الجسر حتى يستطيعون الطلاب بناء جسورهم لوحدهم.
في التعليم لا يوجد مقاس واحد للجميع
التعليم لا يكمن في كمية المعرفة والحفظ بل في كمية الفهم.
نحن الآن نقف على باب رداد، فإما أن يفتح اتجاه النور والتقدم والتغيير والنظر للأمور من زوايا مختلفة من خلال عقل ناهض متفتح أو يغلق الباب على مزيد من الظلمات والتخلف والجهل.
ويقول أفلاطون: من يهمل التعليم يعيش أعوج كل حياته
إذا وضع المدماك الأول في البناء مائلا فسيرتفع البناء إلى السماء مائلا.
ويقول اسحق عظيموف: يظن الناس أن التعليم شيء يمكن الانتهاء منه
ويقول ويليم شيكسبير: قضينا سنوات عديدة في التعلم ومع ذلك لم يعلمنا أحد أن نحب أنفسنا.
ويقول سيمور: إن تربية الطفل تبدأ قبل عشرين سنة من ولادته
ويقول كانت الألماني: لكي تغير المجتمع ينبغي أولا أن تغير العقليات السائدة عن طريق التعليم والتثقيف والتهذيب.
نريد تعليم يطلق العنان لقدرات الطالب
يفتح نوافذ أمام عقل الطالب
يساعد الطالب على رؤية الأمور من زوايا متعددة
يتعامل مع الطلاب كعقول لا كأجساد
تعليم يغرس التعاون، يقوم على الحوار، يركز على مهارات العصر، يتعامل مع طلاب الشاشات، يخلق مواطن جيد وليس طالب جيد، يكتشف مواهب الطلاب و ينميها و يطورها و يوجهها.
آن الآوان لنقول بصوت عالي: نحن نعيش في نكبة تعليمية تربوية وهي نكبة لا تتحمل الانتظار ولذلك يجب تصويب البوصلة عن طريق أنسنة التعليم ومن خلال إعادة تصويب جميع مكونات العملية التعليمية، وإعادة تعريف النجاح بتعريف يتجاوز التعريف التقليدي القائم على النجاح في الامتحان والحصول على الشهادة إلى مستوى النضج المعرفي والاجتماعي و الأخلاقي و تكوين علاقات إنسانية و إن تعليم الطالب الحوار و الاحترام أهم من تعليمه حل مسألة حسابية.
وهنا أقول، نحن التربويين المحاورون الذين فهمنا كل شيء نحتاج إلى كرة أرضية ثانية لنزرع فيها روح الأخلاق والتعليم و التربية والتواضع، نحن أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.
- – د. فواز عقل-باحث في شؤون التعليم والتعلم
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .