
الشعر بوصفه خلاصاً إنسانياً ، بقلم : محمد علوش
في اليوم العالمي للشعر، لا أستطيع أن أتعامل مع الشعر بوصفه مناسبة احتفالية عابرة، ولا كترف ثقافيّ يزيّن رفوف المكتبات، أو يمرّ في نشرات الأخبار خبراً ثانوياً، فالشعر بالنسبة لي ليس ترفاً، بل ضرورة؛ ليس زينة للغة، بل روحها العميقة، إنه ذلك الصوت الخفي الذي يتشكّل حين تعجز الكلمات العادية عن حمل ثقل المعنى، وحين يصبح الصمت نفسه بحاجة إلى ترجمان.
الشعر، كما أراه، هو محاولة الإنسان الدائمة لإنقاذ إنسانيته من القسوة، وهو النداء الذي يطلقه القلب في وجه عالم يتجه، أكثر فأكثر، نحو البرودة، فكلما ازداد العالم ماديةً، ازدادت الحاجة إلى الشعر، لأنه يعيد التوازن بين ما نملكه وما نشعر به، وبين ما نراه وما نحلم به.
ليس الشعر مجرد بناء لغويّ متماسك، أو صور بلاغية متقنة، على أهمية ذلك، بل هو، قبل كل شيء، موقفٌ أخلاقيٌّ وجماليٌّ من الحياة، إنه انحيازٌ للجمال في مواجهة القبح، وللمعنى في مواجهة العبث، وللإنسان في مواجهة كل ما يحاول تحويله إلى رقم أو خبر عابر.
أؤمن أن الشاعر الحقيقي لا يكتب ليقال عنه إنه شاعر، بل يكتب لأنه لا يستطيع إلا أن يكتب، فالكتابة هنا ليست خياراً، بل قدر؛ ليست مهنة، بل حالة وجودية، فالشاعر الحقيقي هو من يحمل حساسية مضاعفة تجاه الألم والفرح، وتجاه الظلم والأمل، وتجاه التفاصيل الصغيرة التي يمر بها الآخرون دون أن ينتبهوا إليها.
في تجربتي، لم يكن الشعر يوماً انفصالاً عن الواقع، بل كان دائماً محاولة لفهمه وإعادة بنائه رمزياً، فالشعر ليس هروباً من العالم، بل طريقة أخرى لمواجهته، وهو إعادة اكتشاف الأشياء بعيون أكثر صفاءً، ومحاولة لمنح المعاناة معنى، ومنح الذاكرة صوتاً، ومنح المستقبل نافذة.
في فلسطين، يكتسب الشعر بعداً إضافياً، وهنا لا يصبح الشعر مجرد تعبير ذاتي، بل يتحول إلى ذاكرة جماعية، وإلى سجلّ غير مكتوب لتفاصيل الحياة اليومية، وإلى محاولة دائمة لحماية الرواية الوطنية والإنسانية من النسيان، لكنه، مع ذلك، يجب أن يبقى شعراً أولاً، لأن الشعر، حين يتحول إلى خطاب مباشر، يفقد بعضاً من قدرته على البقاء، فالشعر يعيش بإيحائه لا بشعاراته، وبقدرته على الإضاءة لا بالتصريح.
إن ما أطمح إليه شعرياً هو تلك المنطقة التي يلتقي فيها الجمال بالصدق، وتلتقي فيها التجربة الشخصية بالوجدان الإنساني العام؛ وأن أكتب نصاً يشعر فيه القارئ أن هذه الكلمات تخصّه هو أيضاً، حتى لو لم يعش التفاصيل نفسها، فالشعر العظيم هو الذي يحوّل الخاص إلى إنساني، واليومي إلى رمزي، والعابر إلى دائم.
وفي زمن السرعة الهائلة، حيث تختصر الأفكار في سطور قليلة، ويقاس التأثير بعدد الإعجابات، يبقى الشعر فعل مقاومة من نوعٍ خاص: مقاومة ضد السطحية، وضد الاستهلاك السريع للمعنى، وضد موت التأمل، فالشعر يحتاج إلى قارئ يتأنّى، كما يحتاج إلى كاتب يؤمن أن الكلمة مسؤولية.
في هذا اليوم، لا أحتفي بالشعر فناً فحسب، بل قيمة إنسانية، وأحتفي به لأنه يعلّمنا كيف نصغي، وكيف نشعر، وكيف نرى ما وراء الظاهر، وأحتفي به لأنه يجعلنا أكثر قدرة على التعاطف، وأكثر قدرة على الحلم، وأكثر قدرة على البقاء بشراً.
سيبقى الشعر، ما بقي الإنسان، لأنه مرتبط بذلك السؤال الأبدي في داخلنا: لماذا نشعر؟ ولماذا نتألم؟ ولماذا نحلم رغم كل شيء؟
لهذا أكتب الشعر.. لا لأجيب عن هذه الأسئلة، بل لأُبقيها حيّة.
⦁ شاعر من فلسطين
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .