
“أسد جباليا… الشهيد مجدي التلولي الذي واجه الاحتلال حتى آخر رصاصة” ، بقلم: سامي إبراهيم فودة
قال تعالى:
“مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”
صدق الله العظيم
المقدمة
تمرّ الذكرى… وتبقى الذاكرة حيّة.
تمرّ الأعوام… لكن وجوه الشهداء لا تغيب عن القلوب، لأنهم لم يكونوا مجرد عابرين في تاريخ هذا الوطن، بل كانوا أعمدةً من نورٍ شيّدت بدمائها طريق الحرية.
في فلسطين، تُكتب الحكايات بمداد الدم، وتُسطَّر البطولات فوق ترابٍ ارتوى بدماء الشهداء. ومن بين تلك الحكايات التي ما زالت تتردّد في أزقة مخيم جباليا شمال قطاع غزة، تبرز سيرة أحد فرسان المقاومة وأحد أسود المواجهة في زمن الانتفاضة، الشهيد المجاهد مجدي عبد المعطي التلولي، الذي خطّ بدمه صفحة مشرقة في سجل البطولة الفلسطينية.
الميلاد والنشأة
وُلد الشهيد مجدي التلولي في السادس والعشرين من آب عام 1976 في مخيم جباليا، ذلك المخيم الذي كان وما زال عنواناً للصمود والتحدي، وواحداً من معاقل الثورة الفلسطينية. نشأ في كنف أسرة فلسطينية محافظة عُرفت بوطنيتها والتزامها، تعود جذورها إلى قرية دمره التي هُجِّر أهلها عام 1948 تحت تهديد سلاح العصابات الصهيونية.
كبر مجدي في أزقة المخيم الضيقة، حيث تشكّلت ملامح طفولته بين ألواح الزينكو وبيوت اللجوء، وبين حكايات الآباء عن الأرض المسلوبة والعودة المنتظرة. هناك تعلّم مبكراً أن الوطن ليس مجرد مكان، بل قضية تسكن القلب والوجدان.
تلقى تعليمه في مدارس وكالة الغوث في المخيم، فدرس المرحلة الابتدائية والإعدادية في مدارس اللاجئين، ثم أكمل دراسته الثانوية في مدرسة مدرسة أسامة بن زيد الثانوية في منطقة الصفطاوي. ورغم ظروف الحياة القاسية التي حالت دون استكمال تعليمه الجامعي، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكون واحداً من أكثر شباب المخيم حضوراً ونشاطاً.
صفاته ومسيرته النضالية
عُرف الشهيد مجدي بين أهله ورفاقه بدماثة الخلق، وصدق المشاعر، والتواضع الكبير. كان شاباً خجولاً مهذباً، محبوباً من الجميع، تجمعه علاقات طيبة مع أبناء المخيم وأقاربه وأصدقائه.
عمل في الشرطة المدنية الفلسطينية برتبة مساعد، لكنه لم يكن مجرد موظف يؤدي واجبه الوظيفي، بل كان شاباً يحمل في قلبه همّ الوطن وقضية شعبه.
مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، كان مجدي من أوائل الشباب الذين انخرطوا في المواجهات مع قوات الاحتلال داخل المخيم، فشارك في فعاليات الانتفاضة الشعبية، وكان أحد الأشبال البارزين في صفوف حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح.
وفي عام 1990 التحق بالحركة الطلابية في شمال قطاع غزة، وكُلّف بالعديد من المهام التنظيمية خلال المرحلة الثانوية، حيث برز كأحد النشطاء الميدانيين الذين ساهموا في العمل الوطني داخل المخيم.
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، التحق الشهيد بصفوف كتائب شهداء الأقصى الجناح العسكري لحركة فتح، ليكون في طليعة المقاومين الذين حملوا السلاح دفاعاً عن شعبهم وأرضهم.
موعد مع الشهادة
في الحادي عشر من آذار عام 2002، وأثناء الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جباليا، وقف مجدي التلولي مع رفاقه في خطوط المواجهة الأولى يدافعون عن المخيم وأهله.
اتخذ الشهيد موقعاً خلف ساتر رملي في منطقة الترك مقابل منطقة أبو قمر، وبدأ بإطلاق النار على قوات الاحتلال المتقدمة، غير آبهٍ بحجم الخطر ولا كثافة النيران.
أصيب أولاً برصاصة فسقط على الأرض… لكنه نهض من جديد.
ثم أصيب برصاصة ثانية… فحاول الوقوف مرة أخرى.
وبينما كان يحاول مواصلة الاشتباك، اخترقت جسده عدة رصاصات، حتى أصابته ست رصاصات أنهت حياته، لينطق بالشهادة ويرتقي شهيداً مقبلاً غير مدبر.
هكذا كتب مجدي التلولي آخر سطور حياته… بدمه.
جنازة تليق بالشهداء
فور انتشار نبأ استشهاده، خرجت آلاف الجماهير الفلسطينية في مخيم جباليا في موكب جنائزي مهيب، حملوا خلاله جثمان الشهيد على الأكتاف، مغطى بالعلم الفلسطيني ورايات الثورة.
سارت الجنازة عبر أزقة المخيم التي عرفته طفلاً وشاباً، حتى وصل الجثمان الطاهر إلى مقبرة الشهداء الشرقية حيث وُوري الثرى وسط هتافات الغضب والفخر، في مشهدٍ اختلطت فيه الدموع بزغاريد الأمهات، وكأن المخيم يودّع أحد أبنائه في عرسٍ وطني كبير.
الخاتمة
إن ذكرى الشهداء ليست مجرد محطة زمنية عابرة، بل هي تجديد للعهد والوفاء، واستحضار لقيم التضحية التي جسّدها أولئك الرجال الذين كتبوا تاريخ فلسطين بدمائهم.
سيبقى اسم الشهيد مجدي التلولي محفوراً في ذاكرة مخيم جباليا، وفي سجل الشهداء الذين وقفوا في وجه الاحتلال بصدورهم العارية وإيمانهم العميق بعدالة قضيتهم.
رحم الله الشهيد البطل مجدي التلولي،
والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار،
والحرية لأسرانا البواسل،
والشفاء العاجل لجرحانا الأوفياء.
فالشهداء…
لا يموتون،
بل يظلون مناراتٍ تهدي الأجيال طريق الحرية.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .