
إرث الإمبراطوريات ، بقلم: مصعب صباريني
لا يمكن فهم ما يجري في الشرق الأوسط اليوم بمعزل عن جذوره التاريخية العميقة، فالأحداث الراهنة ليست سوى امتداد لمسار طويل من السياسات الدولية التي حكمتها توازنات القوة أكثر مما حكمتها مبادئ العدالة، وبينما تتغير الشعارات، تبقى الأدوات في كثير من الأحيان كما هي: النفوذ، والضغط، والتحكم بمصائر الشعوب تحت عناوين مختلفة.
في السنوات الأخيرة، عادت المنطقة لتكون ساحة مفتوحة للصراعات الدولية، حيث تتقدم الحسابات الجيوسياسية على حساب الحلول السياسية، وتبقى القوة العسكرية خياراً حاضراً في معادلات الردع والتأثير، وهذا السلوك لا يمكن اعتباره مجرد ردود فعل آنية، بل هو انعكاس لتراكمات تاريخية تعود إلى زمن الإمبراطوريات التي رسمت خرائط النفوذ وفق مصالحها، لا وفق حقائق الجغرافيا البشرية.
الولايات المتحدة، بوصفها القوة الدولية الأبرز منذ نهاية الحرب الباردة، ورثت إلى حدٍّ كبير فلسفة الهيمنة التي حكمت الإمبراطوريات التقليدية، وإن بصيغ حديثة، فمنذ مبدأ مونرو وصولاً إلى تدخلاتها العسكرية في مناطق مختلفة من العالم، بقيت فكرة حماية المصالح الاستراتيجية مبرراً رئيسياً لتحركاتها، حتى عندما تعارض ذلك مع قواعد القانون الدولي أو مع دعوات التسويات الدبلوماسية.
أما بريطانيا، التي كانت يوماً ما القوة الاستعمارية الأكبر، فقد تحولت من مركز قيادة إلى شريك استراتيجي ضمن منظومة التحالف الغربي، محافظة على تأثيرها عبر الشراكات العسكرية والسياسية، ورغم تراجع دورها الإمبراطوري المباشر، فإن إرثها السياسي ما زال حاضراً في طريقة تعاملها مع أزمات المنطقة، سواء عبر الدعم اللوجستي أو عبر الاصطفاف السياسي.
وفي السياق الأوروبي، تبدو مواقف بعض الدول وكأنها محاولة لتحقيق توازن دقيق بين تجنب الانخراط المباشر في الصراعات، والحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، وهذا التوازن يعكس إدراكاً أوروبياً لتكلفة الحروب، لكنه في الوقت ذاته يكشف استمرار منطق المصالح الذي يجعل الحياد الكامل أمراً صعباً.
فرنسا بدورها ما زالت تتعامل مع مناطق نفوذها السابقة، خاصة في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، من زاوية الإرث التاريخي والمصالح الاقتصادية، وإن حاولت تقديم ذلك ضمن خطاب الشراكة والتعاون، لكن تجارب التدخل في بعض الدول أظهرت أن نتائج هذه السياسات غالباً ما تكون أكثر تعقيداً مما خطط لها.
غير أن مفتاح فهم كثير من أزمات الشرق الأوسط يبقى مرتبطاً بمحطات مفصلية في تاريخه الحديث، وفي مقدمتها القرارات التي اتخذتها القوى الاستعمارية خلال القرن العشرين، فبعض هذه القرارات، التي اتخذت دون مراعاة التوازنات السكانية أو الحقوق التاريخية، ما زالت تلقي بظلالها على واقع المنطقة حتى اليوم.
القضية الفلسطينية تمثل المثال الأكثر وضوحاً على ذلك، فالتعهدات المتناقضة، والسياسات التي اتبعتها القوى المنتدبة، خلقت واقعاً معقداً ما زالت تداعياته الإنسانية والسياسية مستمرة، وقد دفع الفلسطينيون ثمن هذه السياسات عبر عقود من اللجوء والصراع وفقدان الاستقرار، ليبقى هذا الملف شاهداً على كلفة الصراعات الدولية عندما تُدار بعيدًا عن العدالة.
إن قراءة التاريخ تظهر بوضوح أن الفراغ الذي تتركه القوى الكبرى لا يبقى فارغًا، بل تملؤه قوى أخرى، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب استقرار الشعوب، وهذا ما حدث بعد تراجع النفوذ الاستعماري التقليدي، حيث دخلت قوى جديدة إلى المشهد، معيدة إنتاج أنماط التأثير ذاتها، ولكن بأدوات مختلفة.
وفي خضم الصراعات الحالية، يتكرر السؤال ذاته: هل تعلمت القوى الكبرى من دروس الماضي؟ التجارب السابقة، من حروب المنطقة إلى حالات انهيار الدول بعد التدخلات الخارجية، تشير إلى أن سياسة فرض الوقائع بالقوة كثيراً ما تؤدي إلى نتائج عكسية، وأن الفوضى التي تصنع لأهداف تكتيكية قد تتحول إلى تهديد استراتيجي للجميع.
ما يجمع بين هذه السياسات، قديمها وحديثها، هو الاعتقاد بإمكانية إدارة العالم عبر موازين القوة فقط، لكن الوقائع تثبت أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم دون احترام إرادة الشعوب وحقوقها، ودون تبني مقاربات تقوم على الشراكة بدل الهيمنة.
لقد أثبت التاريخ أن الإمبراطوريات قد ترحل، لكنها كثيراً ما تترك خلفها أزمات طويلة الأمد، وأن الحروب قد تعيد رسم الخرائط، لكنها لا تنجح في إنهاء الصراعات إذا لم تعالج أسبابها الحقيقية.
يبقى الدرس الأهم أن مستقبل المنطقة لا يجب أن يصاغ في عواصم بعيدة، بل عبر إرادة شعوبها نفسها، فالتاريخ، مهما طال، يثبت حقيقة واحدة: أن الاستقرار الذي يفرض بالقوة لا يدوم، وأن العدالة وحدها هي القادرة على صناعة سلام حقيقي.
⦁ كاتب وباحث فلسطيني مقيم في موسكو
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .