10:34 مساءً / 2 مارس، 2026
آخر الاخبار

أكاديمية الأمل أم أكاديمية التطبيع؟ من يعبث بعقول أطفال غزة؟ بقلم : سامي إبراهيم فودة

أكاديمية الأمل أم أكاديمية التطبيع؟ من يعبث بعقول أطفال غزة؟ بقلم : سامي إبراهيم فودة


في غزة التي ما زالت رائحة البارود عالقة في جدران مدارسها، وفي أرضٍ لم تجفّ دماء أطفالها بعد، تطفو على السطح قضية خطيرة تمسّ جوهر الوعي الجمعي لأجيالنا القادمة. الحديث هنا ليس عن نقص في الكتب، ولا عن اكتظاظ الصفوف، ولا عن مدارس مهدّمة بفعل الحرب… بل عن تغيير في المنهج، في المفاهيم، في البوصلة.

تتردد معلومات عن مجموعة مدارس ميدانية تحت اسم “أكاديمية الأمل – قرية أطفال غزة”، مقرها قرب ما يُعرف بـ المستشفى الأمريكي في دير البلح، يُقال إنها تتلقى تمويلاً من جهة تُسمّى “الصندوق الإسرائيلي”، وأنها تُدرّس مفاهيم حول “المعايشة السلمية” بين الفلسطينيين والإسرائيليين بطريقة تُثير تساؤلات عميقة ومخاوف مشروعة. ويُقال كذلك إن لها عدة فروع، وآخرها قيد الإنشاء.


إن صحّت هذه المعلومات، فنحن أمام مسألة لا تتعلق بتفصيل تربوي عابر، بل بمعركة على الوعي. فالمناهج ليست كلمات تُكتب في دفاتر، بل هي سردية وطن، ورواية شعب، وتاريخ مقاومة، وهوية تُصاغ منذ الطفولة الأولى.
أي سلامٍ هذا الذي يُدرّس تحت القصف؟

نحن لسنا ضد السلام العادل، ولسنا دعاة حرب أبدية. لكن السلام الذي يُبنى على إنكار الألم، أو مساواة الضحية بالجلاد، أو طمس ذاكرة الشهداء، ليس سلامًا… بل إعادة صياغة للهزيمة في قالب تربوي.

حين يُطلب من طفل في غزة أن يرسم علم فلسطين إلى جانب علم دولة تحتل أرضه وتحاصر مدينته، دون سياق تاريخي أو سياسي واضح، فإن السؤال لا يكون عن الرسم ذاته، بل عن الإطار الفكري الذي يُزرع في ذهنه. هل يُقدَّم له الاحتلال كـ”طرف نزاع”؟ أم كحقيقة استعمارية يجب فهمها في سياقها الكامل؟

وهل أصبحت رموز المقاومة، مثل دلال المغربي، تُختزل في توصيفات أحادية تُجرّدها من سياقها التاريخي في الوعي الفلسطيني؟ أم أن هناك محاولة لإعادة تعريف الذاكرة الوطنية بما يتماشى مع أجندات تمويلية مشروطة؟


من يراقب؟ ومن يُحاسب؟


السؤال الأكبر لا يتوقف عند الجهة الممولة أو الإدارة القائمة، بل يتجاوز ذلك إلى الجهات الرسمية والحاكمة في غزة. كيف تُعتمد هذه البرامج؟ من يُراجع محتواها؟ وهل يخضع أي تمويل أجنبي لرقابة وطنية تربوية واضحة؟

إن إدخال مفاهيم حساسة في بيئة خارجة من حرب إبادة، دون حوار مجتمعي واسع وشفاف، يُعدّ مقامرة بمستقبل جيل كامل. التربية ليست مشروعًا تجريبيًا، ولا ساحة مفتوحة لاختبار أفكار مستوردة، خاصة حين يكون مصدرها طرفًا في الصراع.


بين التربية والتطبيع… الخيط الرفيع

قد يقول قائل إن تعليم الأطفال مفاهيم التسامح والإنسانية أمر نبيل. وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن الفرق شاسع بين تعليم القيم الإنسانية العامة، وبين إعادة صياغة الرواية الوطنية تحت عناوين براقة.

غزة لا تحتاج إلى من يُعلّم أبناءها كيف يحبون الحياة، فهم يتشبثون بها رغم الموت. لكنها تحتاج إلى تعليم يحفظ كرامتهم، ويعزز وعيهم بتاريخهم، ويُنمّي قدرتهم على التفكير النقدي دون أن يُفرّغ ذاكرتهم من مضمونها.

في ختام سطور مقالي
إن كانت المعلومات المتداولة دقيقة، فالمطلوب تحقيق شفاف، وتوضيح رسمي، وحوار مجتمعي صريح. أما إن كانت غير دقيقة أو مبالغًا فيها، فواجب الجهات المعنية أن تخرج إلى الناس بالحقائق كاملة، لأن الغموض في قضايا التعليم أخطر من الخطأ نفسه.


أطفال غزة ليسوا حقل تجارب، ولا أوراقًا في لعبة تمويل سياسي. هم أمانة في أعناقنا جميعًا.
والسؤال سيبقى معلّقًا:


هل نُعلّم أبناءنا كيف يصنعون مستقبلهم بوعيٍ وكرامة…
أم نسمح للآخرين أن يعيدوا كتابة وعيهم نيابةً عنّا؟

شاهد أيضاً

وزير خارجية الصين يحث على بذل جهود مشتركة مع فرنسا لخفض حدة التوترات في الشرق الأوسط

وزير خارجية الصين يحث على بذل جهود مشتركة مع فرنسا لخفض حدة التوترات في الشرق الأوسط

شفا – قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي اليوم الاثنين إن الصين تأمل أن تعمل …