
البوليفونية والذاكرة الوجودية في الرواية غير التقليدية ، قراءة نقدية فلسفية في رواية جنين في جنين لنسيم عزيز قبها ، بقلم : د. حنان عتاملة
أعادتني الرواية إلى الكتابة بالوعي أن الرواية يقرؤها الجميع وهي أداة وضعت بالأساس من أجل ذلك.
إيمانا قاطعا مني أن الإبداع وجهة اختيار…. يختار نسيم أن يكتب بكليّته وبصوته العارف روايته…. لكنه يحاور وعيه للهدف الذي اختاره لكتابة الرواية… فيولد هنا صوت آخر، وتردد يؤكد تعقيبه على الأحداث داخل الرواية. هو يجزم بأن : الذاكرة ليست حنينًا، بل فعل بقاء
وتلتقي هنا مع الوجودية الإنسانية، حيث الإنسان ليس ضحية التاريخ، بل فاعلًا في إنتاج معناه، حتى في أقصى شروط القهر .
ملخص
تتناول هذه الدراسة رواية جنين في جنين بوصفها نصًا سرديًا غير تقليدي يقوم على تعددية الأصوات، وتفكيك المركز السردي، وتحويل الذاكرة من مادة استرجاعية إلى فعل وجودي مقاوم. تعتمد الدراسة المنهج التحليلي النقدي الأدبي–الفلسفي، مستندة إلى مفهوم البوليفونية عند ميخائيل باختين، ومقترنة بقراءة وجودية للرمز والزمن والشخصية، للكشف عن آليات تشكّل المعنى في النص.
أولًا: المنهج والإطار النظري
تعتمد الدراسة المنهج التحليلي النقدي القائم على تفكيك البنية السردية الداخلية للنص، وربطها بسياقها الجمالي والفلسفي، دون إسقاطات خارجية قسرية. ويُستأنس في ذلك بمفهوم البوليفونية كما بلوره ميخائيل باختين، حيث تتحقق الرواية عبر تعدد الأصوات المستقلة، لا عبر صوت أيديولوجي مهيمن (باختين، مشكلات شعرية دوستويفسكي، ص 34).
ثانيًا: الرواية غير التقليدية وتفكيك الشكل
تخرج جنين في جنين عن النموذج الروائي التقليدي القائم على الحبكة الخطية والتصاعد الحدثي، إذ تعتمد بنية مفتتة تتوزع على عناوين دلالية (المرآة، الركام، الضوء، الفجر…) تشكّل وحدات تأملية أكثر من كونها فصولًا حكائية متسلسلة .
فالزمن في الرواية زمن نفسي ويتبع للذاكرة، لا تاريخي، حيث تتداخل الأزمنة داخل الوعي السردي للشخصيات، في ما يشبه “زمن الذاكرة المجروحة”ورد في الرواية ص8: “يتحسس فتحي ربطة العنق قائلا: ما زلت هنا وما زلت أنا”.
ثالثًا: البوليفونية وتعدد الأصوات
- غياب الصوت المركزي
يتكئ النص على راوٍ عليم مهيمن، وأحيانا تتوزع السردية بين شخصيات متعددة، لكل منها رؤيتها ووعيها الخاص، دون أن يُلغى أي صوت لصالح آخر. فتحي، ملك، عمر، نهيل، والجماعة، جميعهم يساهمون في إنتاج الخطاب الروائي.
ولو تداخل صوت الراوي في تفاصيل الشخوص والأشياء دونما تصريح للمتلقي؛ لانسجم أكثر مع تعريف باختين للرواية البوليفونية بوصفها فضاءً حواريًا لا يُختزل في وعي المؤلف (باختين، ص 71). ثمة بضع أمثلة في الرواية يمكن اعتبارها كذلك، ومنها : “المرآة لا تكذب يا فتحي”، همس لنفسه وهو يرى انعكاس وجهه المتجعد” ص9 من الرواية. - الصوت الجمعي
يتحول المخيم ذاته إلى “صوت”، لا كمكان فقط، بل ككيان دلالي حيّ، يحمل الذاكرة والخبرة الجمعية، ويتكلم عبر التفاصيل اليومية (قبها، ص 41–46). تبدأ من اسم الباب أو الفصل ب: ضيق المساحة (المشكلة) ثم الحل (سعة القلب)… لو كان المكان والمساحة والمخيم يضيق على أهله بما يتوفر من موارد وظروف إلا أن السعة تكمن في قلب من يتسّع لاستعياب الحال ويقدّم ويتفهّم ويساهم ويؤمن ويعمل.
رابعًا: الذاكرة كفعل وجودي - الذاكرة ضد المحو
تُقدَّم الذاكرة في الرواية كفعل مقاومة للعدم، لا كاستذكار رومانسي. المرآة المتشققة، على سبيل المثال، “لو تكلمت لروت تاريخًا موازيًا للتاريخ الرسمي”، ما يحوّل الذاكرة إلى خطاب مضاد للطمس. - الذاكرة والزمن
الزمن هنا لا يُقاس بالتتابع، بل بالتجربة. كل شق في المرآة، وكل ندبة في الجسد، يمثل لحظة زمنية مكثفة، وهو ما يتقاطع مع تصور بول ريكور للزمن بوصفه “زمنًا معيشًا” لا كرونولوجيًا (ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ص 112).
خامسًا: الرمز وبناء الدلالة - المرآة
المرآة رمز مركزي يتكرر بوصفه شاهدًا على التحول والجرح والاستمرار، حيث تعكس الذات في هشاشتها، لا في كمالها. وهي بذلك تمثل وعيًا وجوديًا يرى الحقيقة متشققة لا مطلقة. - المفتاح والبيت
يتحول المفتاح من أداة مادية إلى رمز متعدد الطبقات: ذاكرة، وهوية، ووعد مستقبلي وهو ما يجعل الرمز هنا منتجًا للمعنى لا تابعًا له.
سادسًا: البعد الفلسفي الوجودي
تطرح الرواية أسئلة وجودية صريحة: • كيف يُنتَج المعنى في عالم مهدد؟
• كيف يتحول الألم إلى معرفة؟
وتجيب عبر الممارسة اليومية: التعلم في الظلام، تقاسم الماء، إضاءة الشموع (قبها، ص 75–78). وهي أفعال صغيرة، لكنها مشحونة بدلالة أخلاقية، تذكّر بفكرة «الوجود الأصيل» عند هايدغر (الوجود والزمان، ص 185).
سابعًا: القارئ والقراءة البوليفونية
لا تمنح الرواية الناجحة قارئها حقيقة جاهزة، بل تفرض عليه دورًا تأويليًا فاعلًا، إذ تتجاور الأصوات دون حسم نهائي، وتُترك الفجوات ليملأها القارئ وفق أفقه المعرفي، وهذا ما يجعل القراءة فعل مشاركة في إنتاج المعنى، لا استهلاكًا له.
خاتمة
تخلص الدراسة إلى أن جنين في جنين يمكن أن تعتبر رواية بوليفونية، تتأسس على تعدد الأصوات إذا ما اشتغل في مقاربتها على المعاني الدقيقة التي تجمع ثقافة النص بثقافة الناقد، في تفكيك الزمن، وتحويل الذاكرة إلى فعل وجودي مقاوم.
مثال اقتباس نصيّ يمكننا اختزاله بأصوات أكثر وتعددية أكثر تتأتى من النص ومتلقيه:
كان انقطاع الكهرباء يعني أكثر من مجرد ظلام. يعني أن الثلاجة ستتوقف عن
العمل والطعام سيفسد. يعني أن شحن الهواتف سينتهي وستنقطع آخر صلة
لهم بالعالم. يعني أن المضخات ستتوقف وأن المياه ستنقطع قريبًا
كانت هذه هي الضربة القاضية. لم يكن انقطاع الكهرباء مجرد انقطاع للتيار، بل
كان انقطاعًا للزمن نفسه. الساعات توقفت، والثلاجة صمتت، والهواتف ماتت. لكن
في هذا الظلام، ولد نوع جديد من التواصل. من النافذة، كانوا يسمعون همسات
الجيران في الشقق المجاورة، يتبادلون الأخبار والطمأنينات ‘عمر، أنت معك
شموع؟’ سمعوا صوت الجار من الشقة المقابلة. ‘عندي شمعة واحدة، راح
نقسمها.’ أجاب عمر. في الظلام، كانت الأصوات تصبح أكثر وضوحًا، والقلوب أكثر
قربًا. اكتشفوا أن الظلام يمكن أن يكون نعمة حين يجمع بين قلوب متفرقة، وأن
النور الحقيقي لا يأتي من الكهرباء، بل من بسمة في وجه محتاج،
يا للمصيبة! صرخ فؤاد… بدأت تبحث وصال عن شمعة في درج الخزانة. تعالوا هنا معنا واحدة نقتسمها معا نادى فلان، اندس الأب تحت الغطاء البالي يبحث عن دفء وجده في همس: وضعت لك فنجانا من الشاي قبل قليل يا رب يكون بعدو سخن….
هذه الرواية التي لا تسرد المأساة بقدر ما تعيد بناء معناها فلسفيًا وجماليًا، رافضة الصوت الواحد والحقيقة المغلقة.
أما بشأن كلمة بوليفوني يقول كونديرا في كتابه فن الرواية : “ألا تؤدي هذه الكلمة المطبقة على الأدب بشكل مجازي إلى متطلبات لا تستطيع الرواية إرضاءها؟ ثم يوضّح: إن البوليفونية الموسيقية هي تطوير متزامن لصوتين أو لعدة أصوات(خطوط لحنية) تحتفظ-رغم ارتباطها- على نحو كامل باستقلال نسبي، البوليفونية الروائية؟ لنقل قبل كل شيء ما الذي يقف على النقيض منها؟ الـتأليف وفق خط واحد، في حين أن الرواية قد حاولت منذ بداية تاريخها التخلّص من الخط الواحد، وفتح ثغرات في القص المستمر لحكاية ما.
ميّز باختين بين نمطين روائيين متباينين من حيث الشكل والتوظيف الأيديولوجي، أولا: الرواية المنولوجية وهي كلاسيكية وهي رواية ذات بناء تقليدي تعرض أيديولوجيا واحدة وصوتا واحدا، أو تسمى الرواية المناجاتية التي تبنى على مبدأ أحادية الصوت، فهي لا تسمح بأيديولوجيات أخرى بالبروز إلا بما ينفعها ويخدمها في النهاية. ثانيا” الرواية الحوارية والتي اعتبرها “باختين” الرواية المثلى التي تحقق مبدأ الحوارية من خلال تعدد الأصوات داخل الرواية وتحاور شخصياتها، لتؤدي كل شخصية دورها، يغيب بالمقابل صوت الراوي مفسحا المجال للشخصيات لتعبر بكل تلقائية، عد “باختين” هذا التعدد دعامة أساسية في تحقق الحوارية، وخلق جو تسوده الديموقراطية في توزيع الأدوار، لكي تمنح الحق لكل الأفكار في التعبير والتمثيل، كما تحقق صراعا أيديولوجيا عميقا، وتعدد للآراء ورؤية أكثر شمولا للواقع، ليجد المتلقي ما يماثل أفكاره ورؤاه.
وهذا يفسر افتراض “قيام العمل الروائي على تعدد الأصوات، ومناسبة الأسلوب طبيعة الشخوص، وهو أسلوب يناسب تلك الشخوص التي تفرض البنية الحكائية في العمل أن تفيض بما يثقل عليها، فالحكمة الفنية تكون أيضا في إفضاء الشخوص فيما بينهم وبين المتلقي، وللبوليفون وظيفة أساسية أخرى وهي التكامل في تقديم وجهات النظر، بين أصوات متعارضة أو متوافقة()
وبذرة ذلك في رواية نسيم هي في ذلك الأمل الذي نادى به عبر صوته بأننا سنستمر بفعل البقاء العملي، بالمقاومة السلمية التي لا تتحق إلا عندما نخلق فرصا متساوية للنقاش والحوار والإصغاء للرأي.
أجاب عمر. في الظلام، كانت الأصوات تصبح أكثر وضوحًا، والقلوب أكثر
قربًا. اكتشفوا أن الظلام يمكن أن يكون نعمة حين يجمع بين قلوب متفرقة، وأن
النور الحقيقي لا يأتي من الكهرباء، بل من بسمة في وجه محتاج،
يا للمصيبة! صرخ فؤاد… بدأت تبحث وصال عن شمعة في درج الخزانة. تعالوا هنا معنا واحدة نقتسمها معا نادى فلان، اندس الأب تحت الغطاء البالي يبحث عن دفء وجده في همس: وضعت لك فنجانا من الشاي قبل قليل يا رب يكون بعدو سخن….
هذه الرواية التي لا تسرد المأساة بقدر ما تعيد بناء معناها فلسفيًا وجماليًا، رافضة الصوت الواحد والحقيقة المغلقة.
أما بشأن كلمة بوليفوني يقول كونديرا في كتابه فن الرواية : “ألا تؤدي هذه الكلمة المطبقة على الأدب بشكل مجازي إلى متطلبات لا تستطيع الرواية إرضاءها؟ ثم يوضّح: إن البوليفونية الموسيقية هي تطوير متزامن لصوتين أو لعدة أصوات(خطوط لحنية) تحتفظ-رغم ارتباطها- على نحو كامل باستقلال نسبي، البوليفونية الروائية؟ لنقل قبل كل شيء ما الذي يقف على النقيض منها؟ الـتأليف وفق خط واحد، في حين أن الرواية قد حاولت منذ بداية تاريخها التخلّص من الخط الواحد، وفتح ثغرات في القص المستمر لحكاية ما.
ميّز باختين بين نمطين روائيين متباينين من حيث الشكل والتوظيف الأيديولوجي، أولا: الرواية المنولوجية وهي كلاسيكية وهي رواية ذات بناء تقليدي تعرض أيديولوجيا واحدة وصوتا واحدا، أو تسمى الرواية المناجاتية التي تبنى على مبدأ أحادية الصوت، فهي لا تسمح بأيديولوجيات أخرى بالبروز إلا بما ينفعها ويخدمها في النهاية. ثانيا” الرواية الحوارية والتي اعتبرها “باختين” الرواية المثلى التي تحقق مبدأ الحوارية من خلال تعدد الأصوات داخل الرواية وتحاور شخصياتها، لتؤدي كل شخصية دورها، يغيب بالمقابل صوت الراوي مفسحا المجال للشخصيات لتعبر بكل تلقائية، عد “باختين” هذا التعدد دعامة أساسية في تحقق الحوارية، وخلق جو تسوده الديموقراطية في توزيع الأدوار، لكي تمنح الحق لكل الأفكار في التعبير والتمثيل، كما تحقق صراعا أيديولوجيا عميقا، وتعدد للآراء ورؤية أكثر شمولا للواقع، ليجد المتلقي ما يماثل أفكاره ورؤاه.
وهذا يفسر افتراض “قيام العمل الروائي على تعدد الأصوات، ومناسبة الأسلوب طبيعة الشخوص، وهو أسلوب يناسب تلك الشخوص التي تفرض البنية الحكائية في العمل أن تفيض بما يثقل عليها، فالحكمة الفنية تكون أيضا في إفضاء الشخوص فيما بينهم وبين المتلقي، وللبوليفون وظيفة أساسية أخرى وهي التكامل في تقديم وجهات النظر، بين أصوات متعارضة أو متوافقة()
وبذرة ذلك في رواية نسيم هي في ذلك الأمل الذي نادى به عبر صوته بأننا سنستمر بفعل البقاء العملي، بالمقاومة السلمية التي لا تتحق إلا عندما نخلق فرصا متساوية للنقاش والحوار والإصغاء للرأي.
قائمة المراجع (موثقة بالصفحات)
أولًا: المتن الروائي
• قبها، نسيم عزيز. جنين في جنين. فلسطين، ص 7–129.
ثانيًا: المراجع النظرية
• باختين، ميخائيل. مشكلات شعرية دوستويفسكي. ترجمة يوسف حلاق، دار الحوار، ص 34، 71.
• ريكور، بول. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، ص 112.
• هايدغر، مارتن. الوجود والزمان. ترجمة فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد، ص 185.
• سارتر، جان بول. الوجودية مذهب إنساني. ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الآداب، ص 29.
• حميداني، حميد. بنية النص السردي. المركز الثقافي العربي، ص 54–60.
• سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة كمال أبو ديب، دار الآداب، ص 91.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .