1:27 مساءً / 13 فبراير، 2026
آخر الاخبار

تحالف الظل: كيف تُهندس الدولة العميقة والمجمع العسكري مصير العالم وفلسطين ، بقلم : أ. أمل قبها

تحالف الظل: كيف تُهندس الدولة العميقة والمجمع العسكري مصير العالم وفلسطين ، بقلم : أ. أمل قبها

مقدمة

في ظل تصاعد الأزمات الدولية وتعدد بؤر التوتر حول العالم، يتزايد الجدل في الأوساط السياسية والفكرية حول طبيعة القوى التي تتحكم فعليًا في مسار النظام الدولي، وحدود قدرة الحكومات المنتخبة على صناعة القرار، في مقابل شبكات نفوذ اقتصادية وأمنية تعمل خارج الأطر الرسمية المعلنة.

وتشير متابعات دولية إلى أن إدارة الشؤون العالمية لم تعد محصورة بالمؤسسات السياسية التقليدية، بل باتت تتأثر بتشابك مصالح مالية وصناعية وعسكرية، تُشكّل مجتمعة منظومة ضغط مستمرة على صُنّاع القرار، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على طبيعة الصراعات الممتدة في المنطقة، وعلى رأسها الصراع القائم على الأرض الفلسطينية.

الدولة العميقة: المفهوم والسياقات الدولية

يُشير مصطلح «الدولة العميقة» إلى شبكات نفوذ غير رسمية تتكوّن من قيادات عسكرية وأمنية وبيروقراطية، تعمل بصورة دائمة ومستقرة نسبيًا، وبمعزل عن تغيّر الحكومات المنتخبة، بهدف توجيه سياسات الدولة وحماية مصالح مؤسسية خاصة. ولا تسعى هذه الشبكات إلى الوصول المباشر إلى السلطة أو المناصب السياسية، بقدر ما تعمل على التحكم في مسارات القرار من خلف الكواليس.

ويُنظر إلى الدولة العميقة باعتبارها كيانًا غير معلن، لا يظهر في البنية الرسمية للحكم، لكنه يمتلك قدرة عالية على التأثير في اتجاهات السياسة الداخلية والخارجية، خاصة في القضايا المصنّفة ضمن الأمن القومي أو المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد.

ويعود الاستخدام المبكر للمصطلح إلى تركيا، حيث ارتبط بشبكات من الضباط والمسؤولين الذين قدّموا أنفسهم بوصفهم حراس العلمانية في مواجهة حكومات منتخبة اعتُبر أنها قد تهدد مبادئ الجمهورية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك. كما يُستخدم المفهوم في مصر لوصف تغلغل المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية في مفاصل الدولة، بما يجعل التغيير السياسي معقّدًا حتى في حال تبدّل الرئاسة.

أما في الولايات المتحدة، فقد تصاعد استخدام المصطلح للإشارة إلى ما يُعرف بالبيروقراطية الدائمة داخل أجهزة الاستخبارات والأمن، مثل وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، حيث يُشار إلى قدرتها على معارضة توجهات بعض الرؤساء المنتخبين إذا رأت أنها تتعارض مع ما تعتبره مصالح أمنية أو مؤسسية عليا.

شبكات المال والسلاح وجماعات الضغط

يلعب القطاع المالي العالمي دورًا محوريًا في توجيه سياسات الدول عبر أدوات متعددة تشمل القروض الدولية، والتصنيفات الائتمانية، وبرامج إعادة الهيكلة الاقتصادية، التي غالبًا ما تُفرض ضمن شروط تؤثر في الخيارات السيادية والاقتصادية للدول الواقعة تحت ضغوط سياسية وأمنية.

وفي السياق ذاته، ترتبط الصناعات الدفاعية بعلاقات وثيقة مع الحكومات من خلال عقود تسليح طويلة الأمد، تشمل إنتاج الطائرات المقاتلة، والصواريخ، وأنظمة الدفاع الجوي، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. ويظهر تأثير هذه الشبكات بوضوح في طبيعة الدعم العسكري والسياسي الممنوح لإسرائيل، وفي استمرار تدفق السلاح المستخدم في الأراضي الفلسطينية.

كما تبرز جماعات الضغط كعنصر فاعل في هذا المشهد، حيث تمارس نفوذها داخل مراكز صنع القرار السياسي، مؤثرة في التشريعات والمواقف الخارجية، بما ينعكس على السياسات المرتبطة بالصراع القائم، ويفسر جانبًا من الانحياز المستمر في المحافل الدولية.

الإنفاق الدفاعي واقتصاد الصراعات المفتوحة

سجّل الإنفاق العسكري العالمي خلال الأعوام الأخيرة مستويات غير مسبوقة، متجاوزًا تريليونات الدولارات سنويًا، في ظل تصاعد النزاعات الإقليمية وتزايد الاعتماد على التقنيات العسكرية الحديثة. وتصدّرت الولايات المتحدة ودول أوروبية وآسيوية هذا الارتفاع، مع توسّع ملحوظ في ميزانيات الدفاع.

ويرى مراقبون أن هذا التوسع يرتبط بإدارة صراعات طويلة الأمد منخفضة الحدة، تُدار دون الوصول إلى حسم نهائي، وهو نمط يظهر بوضوح في الصراع المستمر على الأرض الفلسطينية، حيث يُعاد إنتاج التوتر بشكل دوري، بما يضمن استمرار الطلب على السلاح والخدمات الأمنية.

ساحة اختبار للتكنولوجيا العسكرية الحديثة

في هذا الإطار، تبرز غزة بوصفها إحدى أكثر ساحات الصراع كثافة وتأثيرًا على المستوى الدولي. وتشير معطيات متداولة إلى أن جزءًا كبيرًا من المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل يُصرف عبر عقود شراء مباشرة من شركات تصنيع سلاح أمريكية، ما يعيد هذه الأموال إلى الدورة الاقتصادية ذاتها.

كما تُستخدم غزة بشكل متكرر كساحة لتطبيق واختبار تقنيات عسكرية متطورة، تشمل أنظمة المراقبة الشاملة، والطائرات المسيّرة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي ذات الاستخدامات الأمنية والعسكرية. وتُسوَّق هذه التقنيات لاحقًا في الأسواق العالمية بوصفها «مجرّبة ميدانيًا»، ما يمنحها قيمة إضافية في سوق السلاح الدولي.

تعدد الفاعلين وتعقيد مسارات الحل

لا يقتصر المشهد المرتبط بهذا الصراع على طرف دولي واحد، إذ تشارك قوى إقليمية ودولية متعددة في منظومة العلاقات الدفاعية والتجارية المرتبطة بالمنطقة، سواء عبر صفقات السلاح، أو الشراكات الأمنية، أو برامج التدريب ونقل التكنولوجيا.

ويُسهم هذا التعدد في الفاعلين في تعقيد مسارات الحلول السياسية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، ما يُبقي الصراع مفتوحًا ضمن مستويات متفاوتة من التصعيد، ويحول دون الوصول إلى تسوية شاملة تعالج جذوره.

الخاتمة

في ظل هذا الواقع، تستمر الأزمات الدولية، وفي مقدمتها ما يجري على الأرض الفلسطينية، ضمن نظام عالمي معقّد تتداخل فيه الاعتبارات السياسية مع المصالح الاقتصادية والأمنية. ويشير متابعون إلى أن مسارات هذا الصراع لا يمكن فصلها عن البُنى الأعمق المؤثرة في النظام الدولي، والتي تُسهم في إطالة أمده أو إعادة إنتاجه بصيغ مختلفة.

ولا يمكن تجاهل مسؤولية المجتمع الدولي، الذي أثبت في أكثر من محطة عجزه عن تطبيق القانون الدولي حين يتعارض مع مصالح القوة والنفوذ.

فاستمرار الصراع لا يرتبط فقط بفشل المبادرات السياسية، بل بغياب إرادة دولية حقيقية لكبح منطق القوة، ومساءلة الأطراف التي تستفيد من إدارة النزاع بدل إنهائه.

وأمام هذا المشهد، تبقى القضية الفلسطينية اختبارًا فعليًا لمصداقية النظام الدولي، ولقدرته على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، بما يفتح المجال أمام حلول أكثر عدالة واستقرارًا لشعب ما زال يدفع ثمن غياب العدالة السياسية حتى اليوم.

شاهد أيضاً

إصابة عامل برصاص الاحتلال قرب جدار الفصل العنصري في الرام

شفا – أصيب شاب برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الجمعة، في بلدة الرام، شمال …