
كيف نصوم عن الأقصى؟ بقلم : غدير حميدان الزبون
مع اقتراب شهر رمضان تتبدّل ملامح الروح، فتغدو السماء أقرب، وتصبح الدعوات أكثر شفافية، ويصير الجوع لغةً للتطهّر لا للحرمان، لكنْ في فلسطين ثمة سؤال يتقدّم الصفوف كلّ عام ألا وهو:
كيف نصوم عن الماء والخبز، ولا نستطيع أنْ نفطر أعيننا على الأقصى؟
وكيف يُطلب من القلب أنْ يهدأ، وهو محروم من ركعةٍ في ساحاته، ومن تكبيرةٍ تُولد بين قبابه؟
رمضان في القدس هو امتحان حقيقي للوجود، فالأقصى ذاكرة أمة، ومسرى نبي، وشاهدٌ مع كلّ نداء “الله أكبر” على أنّنا لا زلنا هنا.
وعندما يُمنع الفلسطيني من الوصول إليه يُنتزع منه حقّه في رواية نفسه، وفي تثبيت قدميه داخل التاريخ.
فأيُّ صيامٍ هذا الذي يُفرَض على الجسد والمدينة معاً؟
نصوم عن الطعام طاعةً، لكننا نُجبر على الصوم عن الطريق قهراً، ونصوم عن الماء تعبّداً، لكننا نُحاصر بالعطش إلى القدس، فيصبح المنع سياسة، ويغدو الحصار إجراءً، بينما الحقيقة أبسط وأشدّ وضوحاً، فالحقيقة أنهم يخافون من صلاة الجماعة؛ لأنّ في الاجتماع معنى السيادة، وفي الركوع إعلان انتماء، وفي التكبير تأكيد حضور.
الأقصى في رمضان مساحة تتجلّى فيها وحدة الفلسطينيين من الداخل والضفة، ومن القرى والمخيمات، إذْ تتجه الخطى صوبه كما تتجه القلوب إلى القبلة، لذلك، فإنّ منع الوصول إليه محاولة لتفكيك هذا المعنى، ولكسر الصورة التي تقول إنّ الشعب ما زال قادراً على الالتقاء تحت قبة واحدة.
فقد بات الحصار حصارًا للرمز، ومحاولة لتجفيف المعنى، لكنْ هل يُحاصَر المعنى حقاً؟
في كلّ عام يظنّ السجّان أنّ الحواجز تكفي، وأنّ البوابات الحديدية تُطفئ الشوق، غير أنّ القدس تعلّم أبناءها درساً مختلفاً، فيمكن للقدم أنْ تُمنع، لكنّ القلب لا يُستوقف، ويمكن للطريق أنْ يُغلق، لكنّ الدعاء يجد منفذه. الأقصى عقيدة تسكن في الضلوع، وكلّ من صلّى في بيته بنية الوصول إليه كان، بمعنى ما قد وصل.
ومع ذلك لا ينبغي أنْ يتحوّل المنع إلى اعتياد، فالاعتياد أخطر من الحصار، لأنه يطبع القهر بطابع العادي، ومن حقّ الفلسطيني أنْ يصلي في أقصاه دون تصريح، ودون تفتيش، ودون إذنٍ من قوةٍ تحتل أرضه.
إنها قضية كرامة وحقّ طبيعي في الوصول إلى مكان العبادة كما تكفله كلّ الشرائع الأرضية والسّماويّة، فالدفاع عن الأقصى يصبح موقفاً أخلاقيًا، فعندما يُمنع إنسان من الصلاة في مدينته، فإنّ العالم كله يُختبر بسؤاله: أين تقف العدالة؟ وأي معنى يبقى لحرية العبادة إنْ كانت مشروطة بالهوية؟
إنّ الصمت مشاركة في تثبيت الجدار، ومع اقتراب الهلال يعود السؤال كأنه دعاء:
كيف نصوم عن الأقصى؟
ربما لا نستطيع أنْ نصل جميعاً إلى باحاته، لكننا نستطيع أنْ نصل إليه بوعيٍ لا ينسى، وبكلمةٍ لا تخون، وبإصرارٍ لا يلين، بأنْ نكتب عنه، وأنْ نعلّم أبناءنا اسمه، وأنْ نجعل صورته في بيوتنا كما هي في قلوبنا، وأنْ نحمل القدس في أخلاقنا كما نحملها في شعاراتنا.
رمضان مدرسة الصبر، لكنه أيضاً مدرسة الإرادة، وإذا كان الصوم امتناعاً عن المباح ابتغاء وجه الله، فإنّ التمسك بالأقصى هو امتناع عن الاستسلام ابتغاء وجه الحق.
سيبقى الأذان فيه وعداً، وستبقى قبابه شهادة على أنّ الأرض تعرف أهلها، وأنّ الحق مهما طال حصاره لا يموت.
سنصوم عن الخبز، نعم.
لكننا لن نصوم عن الأقصى.
ستظل عيوننا مفطرةً على صورته، وقلوبنا معتكفةً في ساحاته حتى يأذن الله لخطانا أنْ تعود إليه بلا حواجز، وبلا خوف، وبلا سؤال إلّا سؤال الخشوع.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .