8:44 مساءً / 27 يناير، 2026
آخر الاخبار

التوترات الجيوسياسية: من ولادة المصطلح إلى هندسة الفوضى في الشرق الأوسط ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي

التوترات الجيوسياسية: من ولادة المصطلح إلى هندسة الفوضى في الشرق الأوسط ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي

إن الثقافة الصهيونية قائمة على مبدأ واحد: إذا أردت ترميم بيتاً على الطريقة الحداثية فما عليك سوى خدش جدرانها بالإزميل أولا، كي تعيدها بطريقة الألوان المحببة لك. ما نراه اليوم من أحداث متسارعة في الشرق الأوسط ليس سلسلة أزمات منفصلة، ولا انفجارات عشوائية للاحتراب والعنف كما تحاول السردية الغربية ترسيخه، بل هو نتاج مباشر لما يُعرف بالتوترات الجيوسياسية؛ تلك الحالة الرمادية المحضة التي لا هي حرب شاملة ولا سلام، بل صراع دائم يُدار بوعي وتُستخدم فيه الدول والشعوب أدواتٍ لا أطرافاً. إن تصوير المشهد بوصفهِ فوضى نابعة من الداخل وحده، ليس سوى اختزال مُضلّل يخدم إعفاء مراكز القوة الدولية الداعية للديقراطية من مسؤوليتها عن صناعة هذا الواقع واستدامته.

هذا المفهوم ليس طارئاً. فالجذور الفكرية للجيوسياسية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين نظر رودولف تشيلين إلى الدولة ككائن حي تحكمه الجغرافيا والموارد والحدود. غير أن التحوّل الأخطر لم يكن في النظرية، بل في توظيفها بعد الحرب الباردة حين أدركت القوى الكبرى أن السيطرة لم تعد تحتاج إلى احتلال مباشر، بل إلى إبقاء الخصوم في حالة إنهاك دائم. هكذا وُلدت “التوترات الجيوسياسية” كأداة إدارة طويلة الأمد للصراع. في هذا السياق، يصبح الشرق الأوسط الإقليم المثالي والأرض الخصبة لتطبيق هذا النموذج الهدام. دول نشأت بحدود مصطنعة منذ قرن، ومجتمعات هشّة وثروات هائلة وموقع استراتيجي لا يسمح لها بالحياد. لم يعد المطلوب إسقاط الدول أكثر من تعطيلها، ولا تدمير الجيوش أكثر من إنهاكها، ولا إنهاء الصراعات أكثر من إدامتها. وعلى خلاف الخطاب الغربي الذي يختزل الأزمات في “فشل الدولة” أو “العنف الثقافي”، فإن الواقع يشير إلى دول دُفعت إلى الفشل الذريع ولم تُترك له.

حرب غزة ليست استثناءً من هذا السيناريو، بل أحد تعبيراته الأكثر وضوحاً. فإسرائيل لا تخوض حرباً دفاعية كما تزعم الرواية الغربية المصطنعة، بل تدير صراعاً استراتيجياً يهدف إلى كسر أي نموذج مقاومة وفرض وقائع دائمة وتحويل القضية الفلسطينية من صراع تحرر وحقوق إلى ملف أمني قابل للتطويع والإدارة. أما الولايات المتحدة، فلا تنظر إلى الحرب بوصفها مأساة إنسانية، بل كوسيلة لضبط الإقليم ومنع أي تحوّل استراتيجي خارج هيمنتها، ولو على حساب الدم الفلسطيني. هنا تتجلّى إسرائيل كولاية أخرى من ولايات أمريكا، وهنا تزداد تجلياً فجوة الخطاب الغربي بين ادعاء القيم والمبادئ والديمقراطية وممارسة القوة.

وإذا انتقلنا إلى سوريا واليمن والسودان والصومال، سنجد السيناريو ذاته بأشكال مختلفة. دول لم تسقط نهائياً، لكنها فقدت قدرتها على القرار والسيادة. حروب طويلة، انقسامات داخلية، تدخلات خارجية، وغياب أي أفق للحسم. هذا ليس فشلاً عارضاً كما يُقدَّم في التحليلات الغربية، ولكن نتيجة مقصودة لأن الدولة المنهكة أخطر من الدولة التي سقطت بالكامل: لا تشكّل تهديداً ولا تملك القدرة على النهوض ولا تخرج عن مسار الضبط الصهيوني ومجلس الأمن الدولي. في هذا المناخ، تستفيد الولايات المتحدة عبر إدارة الفوضى لا حلّها وتسويق السلاح وإعادة إنتاج التحالفات على قاعدة الخوف والحاجة الأمنية لا الشراكة والتحالف الذي تروج له. أما إسرائيل، فهي الرابح الصامت؛ فكل دولة عربية منشغلة بذاتها وكل جيش مستنزف وكل مجتمع منقسم، يقرّبها خطوة من تفوق استراتيجي مطلق دون الحاجة إلى مواجهة إقليمية شاملة.

أما الحديث عن “إسرائيل الكبرى”، فلا ينبغي اختزاله في خرائط أو شعارات دينية فقط، كما تحاول بعض الدوائر الغربية التقليل من شأنه. المشروع الحقيقي لا يُنفَّذ بالضمّ الجغرافي المباشر، بل بتفكيك المحيط وتحويل الصراع من مواجهة مع الاحتلال إلى صراعات داخلية عربية. إسرائيل لا تحتاج إلى توسيع حدودها بقدر ما تحتاج إلى محيط عاجز عن مواجهتها وهذا ما تحققه التوترات الجيوسياسية بأقل كلفة ممكنة.

الخلاصة القاسية أن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ليست قدراً سماوياً، ولا نتيجة عجز ثقافي كما يُروَّج له، ولكن نِتاج غياب مشروع عربي مستقل وارتهان القرار السياسي، وفشل النخب في إدراك أن ما يبدو أزمات منفصلة هو في الحقيقة سيناريو واحد تُدار حلقاته بوعي. ما لم يُكسر هذا الإدراك المُجزّأ، ستبقى الحروب تُدار لا لتنتهي، وستبقى الفوضى تُهندَس باسم الاستقرار، ويُعاد إنتاجها تحت عناوين براقة ولغة خشبية ناعمة عن السلام والأمن والديقراطية. في الشرق الأوسط، لم تعد المشكلة في اندلاع الحروب، بل في من يستفيد من استمرارها، ومن يملك القدرة على تسويقها بوصفها قدراً لا خياراً سياسياً مقصوداً.

  • – مصطفى عبدالملك الصميدي – اليمن

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم الثلاثاء 27 يناير كالتالي :شراء 5082 بيع 5084