
فتح والقرار الجماعي: أين هي المؤسسات؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي
تفعيل الأطر التنظيمية
مقدّمة
قامت حركة فتح منذ انطلاقتها على مبدأ العمل الجماعي، واعتبرت أن القرار الوطني والتنظيمي لا يُصنع بإرادة فرد، بل بإرادة جماعية تعبّر عن مختلف مكوّنات الحركة وقواعدها. وقد شكّلت المؤسسات التنظيمية، في مراحل تاريخية متعددة، العمود الفقري لصناعة القرار، وضمان وحدة الحركة، وتوازنها الداخلي، وقدرتها على الاستجابة للتحديات الوطنية.
إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة هو: أين هي المؤسسات في فتح؟ وهل ما زال القرار الجماعي هو القاعدة، أم تراجع لصالح قرارات فردية أو ضيقة؟ وكيف يمكن تفعيل الأطر التنظيمية بما يعيد الاعتبار للعمل المؤسسي، ويضمن مشاركة أوسع في صنع القرار؟
أولًا: القرار الجماعي في الفكر الفتحاوي
القرار الجماعي ليس إجراءً تنظيميًا فحسب، بل هو قيمة سياسية وثقافية، تعبّر عن إيمان فتح بالتعددية، والشراكة، وتحمل المسؤولية المشتركة. ففي الفكر الفتحاوي، يُفترض أن يكون القرار نتاج نقاش واسع، وتفاعل بين المستويات التنظيمية المختلفة، من القاعدة حتى القيادة.
ويهدف القرار الجماعي إلى:
• منع الاستفراد بالقرار.
• تعزيز الشعور بالمسؤولية والانتماء.
• تحسين جودة القرار من خلال تنوّع الآراء.
• حماية الحركة من الأخطاء الفردية والانقسامات.
وعندما يغيب القرار الجماعي، تفقد الحركة أحد أهم عناصر توازنها الداخلي.
ثانيًا: المؤسسات التنظيمية… الدور والمكانة
تضم حركة فتح مجموعة من الأطر التنظيمية، كالمؤتمر العام، والمجلس الثوري، واللجنة المركزية، إضافة إلى الأقاليم والمناطق والشُعب. وقد صُمّمت هذه المؤسسات لتكون ساحات للنقاش، وصناعة القرار، والمساءلة، وضبط العلاقة بين القيادة والقاعدة.
وظيفتها الأساسية لا تقتصر على المصادقة الشكلية، بل تشمل:
• بلورة السياسات والبرامج.
• مراقبة الأداء القيادي والتنظيمي.
• نقل صوت القاعدة التنظيمية.
• إدارة الخلافات ضمن الأطر الشرعية.
غير أن ضعف تفعيل هذه المؤسسات يُفرغها من مضمونها، ويحوّلها إلى هياكل اسمية.
ثالثًا: أين تكمن الأزمة؟
أزمة القرار الجماعي في فتح ليست وليدة اللحظة، بل نتاج تراكمات طويلة، من أبرز مظاهرها:
- تعطيل الأطر التنظيمية: تراجع انتظام الاجتماعات، وتأجيل المؤتمرات، وضعف الدور الفعلي لبعض المؤسسات.
- مركزة القرار: انتقال مركز الثقل من المؤسسات إلى دوائر ضيقة، ما قلّص المشاركة الواسعة.
- الطابع الشكلي للمؤسسية: تحوّل بعض الأطر إلى منصّات للمصادقة، لا للنقاش الحقيقي.
- ضعف المحاسبة الداخلية: غياب آليات فعّالة لمساءلة القيادات عن قراراتها وأدائها.
هذه العوامل مجتمعة أضعفت ثقة القاعدة التنظيمية بالمؤسسات، وأثّرت على وحدة الحركة وحيويتها.
رابعًا: القرار الفردي ومخاطره
حين يتراجع القرار الجماعي، يبرز القرار الفردي أو المحدود، وهو ما يحمل مخاطر كبيرة على التنظيم، من بينها:
• زيادة احتمالات الخطأ وسوء التقدير.
• تعميق الإحباط داخل الصف التنظيمي.
• إضعاف الالتزام بالقرارات الصادرة.
• تغذية النزعات الانقسامية.
فالقواعد التنظيمية تميل إلى الالتزام بالقرار الذي شاركت في صناعته، لا بالقرار المفروض عليها من الأعلى.
خامسًا: تفعيل الأطر التنظيمية كمدخل للإصلاح
لا يمكن استعادة القرار الجماعي دون تفعيل حقيقي للأطر التنظيمية. والتفعيل لا يعني فقط عقد الاجتماعات، بل إعادة الاعتبار لوظيفة هذه الأطر ودورها الحقيقي.
ويتطلّب ذلك: - انتظام الاجتماعات والمؤتمرات وفق اللوائح الداخلية.
- منح المؤسسات صلاحيات فعلية لا شكلية.
- ضمان حرية النقاش والتعبير داخل الأطر التنظيمية.
- الالتزام بقرارات المؤسسات وعدم تجاوزها.
- تعزيز دور القاعدة التنظيمية في نقل الرأي والموقف.
سادسًا: الديمقراطية الداخلية وصناعة القرار
الديمقراطية الداخلية هي الضامن الحقيقي للقرار الجماعي. فكلما اتسعت دائرة المشاركة، زادت قوة القرار ومشروعيته. وفي فتح، لا يمكن الحديث عن قرار جماعي دون:
• انتخابات داخلية نزيهة ودورية.
• تداول المسؤوليات.
• احترام رأي الأقلية.
• حماية حق النقد والاختلاف.
الديمقراطية الداخلية ليست خطرًا على وحدة الحركة، بل صمام أمان لها.
سابعًا: دور القيادة في إعادة الاعتبار للمؤسسات
تقع على عاتق القيادة مسؤولية مركزية في تفعيل الأطر التنظيمية. فالقيادة التي تحترم المؤسسات، وتحتكم إليها، ترسّخ ثقافة العمل الجماعي، وتشجّع الكوادر على المشاركة.
أما القيادة التي تهمّش المؤسسات، أو تلتف على قراراتها، فإنها تُضعف التنظيم، حتى وإن حقّقت مكاسب مؤقتة.
القيادة المطلوبة اليوم هي قيادة:
• تؤمن بالشراكة لا بالاستفراد.
• ترى في المؤسسات سندًا لا عبئًا.
• تقبل بالمحاسبة والنقد.
ثامنًا: الشباب والمؤسسات التنظيمية
يشكّل الشباب فرصة حقيقية لتجديد الأطر التنظيمية، لكن ضعف دور المؤسسات يدفع كثيرين منهم إلى العزوف أو البحث عن مساحات بديلة للتعبير. وتفعيل المؤسسات يعني:
• فتح المجال أمام الشباب للمشاركة في النقاش والقرار.
• إعداد قيادات شابة داخل الأطر الشرعية.
• كسر الجمود التنظيمي وضخ دماء جديدة.
فتح التي تريد مستقبلًا قويًا لا يمكنها تهميش جيلها الجديد.
تاسعًا: من المؤسسية إلى استعادة الثقة
إن استعادة القرار الجماعي عبر تفعيل الأطر التنظيمية لا تنعكس فقط على الداخل الفتحاوي، بل تمتد إلى علاقة الحركة بالشارع الفلسطيني. فالمجتمع يحترم التنظيم الذي يُدار بعقل جماعي، ويثق بالحركة التي تحاسب نفسها عبر مؤسساتها.
حين يشعر الناس بأن فتح تُدار بمؤسسات لا بأشخاص، وبقواعد لا بأمزجة، فإن ذلك يعيد لها جزءًا من مصداقيتها ودورها الوطني.
خاتمة
إن السؤال: فتح والقرار الجماعي: أين هي المؤسسات؟ هو سؤال إصلاحي بامتياز، يضع الإصبع على جوهر الأزمة التنظيمية. فالقرار الجماعي ليس ترفًا، بل ضرورة لحماية الحركة من التفكك، ولتعزيز وحدتها وقدرتها على مواجهة التحديات.
فتح التي نريدها هي فتح المؤسسات الحيّة، لا الهياكل الصامتة؛ فتح الشراكة، لا الاستفراد؛ فتح التي تُدار بعقل جماعي، وتحاسب نفسها عبر أطرها التنظيمية، قبل أن تُحاسَب من قواعدها أو من شعبها.
ومن دون تفعيل حقيقي للأطر التنظيمية، يبقى القرار الجماعي شعارًا جميلًا بلا مضمون، وتبقى المؤسسات أسماء بلا دور.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .