3:19 مساءً / 26 يناير، 2026
آخر الاخبار

حماس : من النشأة الوظيفية إلى استكمال مشروع إفشال التسوية ، بقلم : د. عبد الرحيم جاموس

حماس : من النشأة الوظيفية إلى استكمال مشروع إفشال التسوية ، بقلم : د. عبد الرحيم جاموس

قراءة قانونية سياسية ، في الوقائع والمسار والنتائج…
بقلم: د. عبد الرحيم جاموس
في التحليل السياسي والقانوني الرصين، لا تُقاس الحركات بما ترفعه من شعارات أو بما تعلنه من نوايا، بل بما تُنتجه من وقائع، وبما تُرتّبه من آثار ملموسة على الأرض وفي ميزان القانون الدولي.
فالنتائج، لا الخطاب التعبوي، هي المعيار الموضوعي للمساءلة التاريخية.

وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن مقاربة تجربة حركة حماس تستوجب قراءة متصلة لمسارها منذ النشأة، مرورًا بدورها في تعطيل مسار التسوية السياسية منذ التسعينات القرن الماضي ، وصولًا إلى الانقسام الفلسطيني، ثم الحرب الشاملة، وانتهاءً بتحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني يُدار بالوصاية.

نشأت حركة حماس في بيئة لم تكن محايدة سياسيًا. ففي سبعينيات القرن الماضي، وبينما كان الاحتلال الإسرائيلي يفرض قيودًا صارمة على أي نشاط وطني مرتبط بمنظمة التحرير الفلسطينية، شملت الحظر والاعتقال وتجريم العمل النقابي والطلابي، سُمِح في المقابل بتأسيس “المجمع الإسلامي” بقيادة الشيخ أحمد ياسين، ثم جرى ترخيص الجامعة الإسلامية في غزة عام 1978.

هذا التباين لا يمكن تفسيره بوصفه صدفة إدارية أو تساهلًا عابرًا، بل يعكس سياسة إسرائيلية مدروسة هدفت إلى تشجيع بنى اجتماعية–دينية بديلة للمشروع الوطني الجامع، بوصفها منافسًا داخليًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ومن منظور القانون الدولي، فإن تدخل سلطة الاحتلال في البنية السياسية والاجتماعية للشعب الواقع تحت الاحتلال بقصد إضعاف وحدته التمثيلية، يُعد انتهاكًا صريحًا لحق تقرير المصير.

وهنا لا يتعلق الأمر بالادعاء أن إسرائيل “أنشأت” حركة حماس، بل بحقيقة موثقة مفادها أنها سمحت ببناء البيئة التي خرجت منها، ووظّفت صعودها موضوعيًا في إطار استراتيجية تفكيك الداخل الفلسطيني.
وقد لعبت الجامعة الإسلامية في غزة دورًا محوريًا في هذا السياق، إذ تحولت تدريجيًا من مؤسسة تعليمية إلى حاضنة فكرية وتنظيمية للحركة، في وقت جرى فيه التضييق الممنهج على المؤسسات ذات المرجعية الوطنية.
ويقع هذا المسار ضمن ما تصفه العلوم السياسية بالتوظيف غير المباشر لقوى محلية، بهدف إضعاف الخصم الرئيسي دون تحمّل كلفة المواجهة المباشرة.

مع انطلاق مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، دخل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مرحلة جديدة، قوامها الانتقال من إدارة الاحتلال المباشر إلى مسار تسوية سياسية مرحلية.
غير أن هذا المسار واجه منذ بداياته مقاومة شرسة من اليمين الصهيوني، الذي رأى في أي تسوية تهديدًا جوهريًا لمشروعه الاستعماري، كما واجه في الوقت ذاته رفضًا من قوى فلسطينية اعتبرت المسار السياسي تنازلًا مبدئيًا، وفي مقدمتها حركة حماس.
خلال عقد التسعينات، نفذت حماس سلسلة من العمليات العسكرية داخل الخط الأخضر، استُخدمت إسرائيليًا بصورة ممنهجة لتحقيق غايتين متلازمتين: الأولى، تعليق الانسحابات المرحلية بذريعة “غياب الشريك الفلسطيني القادر على ضبط الوضع الأمني”، والثانية، تقويض مصداقية السلطة الفلسطينية وإظهارها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها، رغم التزامها الصريح بالاتفاقات الموقعة باسم الشعب الفلسطيني.

الأثر الأخطر لهذا المسار لم يكن أمنيًا فحسب، بل سياسيًا بامتياز ، فقد أسهمت هذه العمليات في إضعاف قوى السلام داخل إسرائيل، ومحاصرة اليسار الصهيوني، وتعزيز خطاب اليمين القائم على منطق “إدارة الصراع” بدل حله.
وهكذا، تلاقت نتائج الفعل العسكري لحماس، موضوعيًا لا من حيث النوايا المعلنة، مع الأجندة الاستراتيجية لليمين الصهيوني الساعي إلى إفشال أي مسار يؤدي إلى دولة فلسطينية مستقلة.


بلغ هذا المسار ذروته مع الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، حين فازت حماس وشكّلت حكومة دون التزام واضح بالمرجعيات السياسية والقانونية التي قامت عليها السلطة الفلسطينية، وفي مقدمتها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا، والالتزامات الدولية الموقعة باسم الشعب الفلسطيني.
وقد أدى ذلك إلى فرض حصار مالي وسياسي خانق، أدخل السلطة الفلسطينية في أزمة عميقة، ثم تُوّج بالانقلاب المسلح عام 2007 والسيطرة القسرية على قطاع غزة، بما مثّل خروجًا صريحًا على الشرعية الوطنية، وتكريسًا لانقسام جغرافي وسياسي لا يزال الاحتلال يوظفه حتى اليوم.


منذ ذلك التاريخ، تحوّل قطاع غزة إلى مساحة محاصرة، خاضعة لجولات متكررة من العنف، كان المدنيون فيها هم الخاسر الأكبر.
ومع عملية السابع من أكتوبر 2023، دخل الصراع مرحلة غير مسبوقة من التهجير و التشريد و التدمير الشامل والقتل والتجويع، في حرب أعادت إنتاج المأساة الفلسطينية بأقصى وابشع صورها.


غير أن النتيجة الأخطر لم تكن حجم القتل و الدمار فحسب، بل التحول البنيوي في توصيف القضية الفلسطينية نفسها.
فقد أفضت الحرب إلى إطلاق مبادرات دولية أعادت تعريف القضية عمليًا بوصفها أزمة إنسانية، لا قضية تحرر وطني، تُدار عبر الإغاثة وإعادة الإعمار تحت وصاية دولية مباشرة، تُوّجت بمبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المستندة إلى القرار 2803، وما تلاها من إنشاء ما سُمّي “مجلس السلم الدولي”. وبهذا، جرى تهميش منظمة التحرير الفلسطينية، وتحويل الصراع من مسألة حقوق سياسية غير قابلة للتصرف إلى ملف إنساني مشروط، وتكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، بما يخدم جوهر المشروع اليميني الصهيوني.
خاتمة القول :
إن أخطر ما تكشفه القراءة المتأنية لمسار حركة حماس ليس فقط خروجها المتدرج على الشرعية الوطنية الفلسطينية، بل التناقض البنيوي العميق بين خطابها المعلن ومآلات سلوكها السياسي والعسكري. فهذا المسار، بحكم الوقائع والنتائج لا النيات، انتهى إلى التلاقي الموضوعي مع الغايات الاستراتيجية لليمين الصهيوني، الذي عمل منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 على إفشال أي أفق تسوية سياسية، والإبقاء على الصراع في حالة إدارة دائمة لا حلٍّ عادل.
لقد سعى اليمين الصهيوني، تاريخيًا، إلى تقويض فكرة “الشريك الفلسطيني”، وضرب وحدة التمثيل، وتحويل الصراع من مسألة حقوق وطنية إلى مسألة أمنية و إنسانية.


والمفارقة الكارثية أن سياسات وسلوك حماس، عبر تعطيل المسار السياسي، وإضعاف السلطة الفلسطينية، والانقلاب على الشرعية، ثم الزج بقطاع غزة في مواجهات غير متكافئة، قد أسهمت عمليًا في تحقيق هذه الأهداف، وأمدّت المشروع اليميني بأقوى مبرراته السياسية والأمنية والأخلاقية أمام المجتمع الدولي.
إن النتيجة التي لا يمكن القفز عنها هي أن الشعب الفلسطيني كان، ولا يزال، الضحية المباشرة لهذا التلاقي الكارثي. فقد دفع ثمنًا باهظًا من دمه، ووحدته، واستقراره، ومكانة قضيته القانونية. وتحولت قضيته، بفعل هذا المسار المركّب، من قضية تحرر وطني ذات مرجعية قانونية دولية واضحة، إلى ملف إنساني يُدار بمنطق الإغاثة وإعادة الإعمار، وتحت وصاية دولية تُفرغ الحقوق السياسية من مضمونها.


وفي ميزان القانون الدولي، لا تُقاس الأفعال بشعاراتها، بل بآثارها.
وكل مسار سياسي أو عسكري ينتهي إلى تقويض وحدة التمثيل الوطني، وإضعاف حق تقرير المصير، وتمكين قوة الاحتلال من التهرب من التزاماتها، يُعد مسارًا ضارًا بالمصلحة الوطنية العليا، مهما ادّعى من نوايا أو احتكر من خطاب المقاومة.
لقد كان هدف اليمين الصهيوني منذ مدريد 1991 واضحًا: منع الوصول إلى أي حل يحقق الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والإبقاء على الصراع في حالة إدارة دائمة.


والمفارقة المؤلمة أن مسار حركة حماس، بوعي أو دون وعي، انتهى إلى خدمة هذا الهدف ذاته.
إن المساءلة السياسية والقانونية لهذا المسار ليست فعل خصومة، ولا تصفية حسابات، بل واجب وطني وتاريخي، إن كان ثمة أمل في وقف الانحدار، وكسر منطق إدارة الصراع، واستعادة المشروع الوطني الفلسطيني بوصفه مشروع تحرر، لا مجرد عنوان للإغاثة والوصاية.
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض
26/1/2026 م

شاهد أيضاً

لجنة الانتخابات المركزية تبحث مع الأحزاب والفصائل الاستعدادات للانتخابات المحلية

لجنة الانتخابات المركزية تبحث مع الأحزاب والفصائل الاستعدادات للانتخابات المحلية

شفا – عقدت لجنة الانتخابات المركزية، اليوم الاثنين، لقاءً تشاورياً مع ممثلي الأحزاب والفصائل السياسية …