
ما بعد التطبيع الناعم: قراءة استشرافية في المآلات الإقليمية ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي
إذا كان التطبيع الناعم، كما أوضحناه في مقالٍ سابق، يمثل آلية لإعادة تشكيل الوعي الجمعي قبل إعادة تشكيل السياسة، فإن ما يليه لا يمكن – بأي شكلٍ من الأشكال – قراءته باعتبارهِ مرحلة سلام أو استقرار، بل باعتبارهِ طوراً أكثر عمقاً في إدارة الصراع، لا تُرفع فيه الأعلام ولا تُوقَّع فيه الاتفاقيات الصاخبة، بل تُعاد خلاله صياغة المفاهيم، وتُبدَّل فيه بوصلة العِداء، وتُفرَّغ القضايا المحورية من مضمونها التاريخي والأخلاقي.
في هذا المنظور، تتجلَّى أُولى المآلات في التحول التدريجي لإسرائيل من كيان صهيوني غاصب نشأ في قلب صراع تحرري، إلى مرجعية إقليمية يُعاد تقديمها بوصفها فاعلاً طبيعياً ومركزاً تكنولوجياً وأمنياً يُقاس عليه الأداء والكفاءة. ومع هذا التحول، يُعاد تعريف التهديد والحليف وفق معايير جديدة، تُقصى فيها فكرة الصراع العربي-الصهيوني من مركز المشهد، وتُدفع إلى الهامش بوصفها إرثاً سياسياً تجاوزه الزمن. هذا التحول الإقليمي يفضي بالضرورة إلى تفكيك مفهوم الأمن العربي الجماعي. فبدل مقاربة الأمن من منظور المصالح المشتركة وعدالة القضايا، يجري الانتقال إلى أمن مُجزّأ، تُحدَّد فيه التهديدات بشكل فردي، وتُدار التحالفات وفق حسابات آنِية ضيقة. وضمن هذا النموذج، تُستبدل فكرة الصراع الوجودي مع المشروع الصهيوني بصراعات داخلية وإقليمية جانبية، تُستنزف فيها طاقات الدول والمجتمعات بعيداً عن مركز الصراع الحقيقي. وما هو حاصل من صراع داخلي – في حاضر الأيام – لبعض الدول ليس إلا مؤشراً على ذلك.
سياسياً، إن ما يتمخَّضُ بعد التطبيع الناعم ليس إلا نظاماً من الشرعيات الهشة. فالدول التي تراهن على التطبيع كمدخلٍ للأمن والاستقرار والديمقراطية، تجد نفسها أمام فجوة متزايدة بين السلطة والمجتمع. فأي شرعية تُبنى على واقع مفروض من الخارج، لا تملك مقومات الصمود طويلا أمام وعي داخلي يتراكم ببطء حتى وإن بدا صامتاً. ومع أول اختبار حقيقي يتحول الاستقرار الظاهري إلى حالة قابلة للانفجار ليس أكثر.
ومن منظور ثقافي، فإن هذا المسار يقود إلى إعادة إنتاج الإنسان العربي المنزوع السياق والهوية، المنفصل عن قضاياه المركزية، والمنشغل بذاته الفردية أو بأزماته المعيشية أو بصراعاته المصطنعة. ومع مرور الزمن، تُفرَّغ الذاكرة الجماعية من رموزها الجامعة، ويتحول الصراع إلى مادة أرشيفية أو خطاب مناسبات، لا إلى قضية حيّة قادرة على توليد الفعل أو استنهاض الوعي الفردي والجمعي على حدٍّ سواء.
أما اقتصادياً، فيتجلى ما بعد التطبيع نمط من التبعية الذكية. لا احتلال مباشر ولا وصاية معلنة، بل اندماج غير متكافئ في شبكات اقتصادية وتكنولوجية تقودها إسرائيل ولوبياتها وشركاؤها الإقليميين والدوليين. اندماج لا يمنح استقلالا تنموياً حقيقياً، بل يعمّق الارتهان لمراكز القرار الخارجي، ويحوّل التنمية إلى أداة ضبط وإدارة لا إلى مسار تحرّر.
ولا ينفصل ذلك عن بُعد قيمي وديني يجري فيه تحيِيد المفاهيم الجامعة عن سياقها الحضاري. تُنزَع عن مفاهيم الظلم ونصرة المظلوم ومقاومة العدوان دلالاتها السياسية، ويُعاد توجيه الخطاب الديني نحو مساحات فردية وأخلاقية معزولة بما يسهم في تجفيف أي سند قيمي رافض لمسار التطبيع أو ناقد لنتائجه ومخرجاته. في هذا المناخ، تتحول الدبلوماسية من أداة لإدارة الصراع إلى وسيلة لإعادة تشكيل الوعي. تُقدَّم العلاقة مع إسرائيل بوصفها ضرورة عقلانية تفرضها موازين القوى، لا كخيار سياسي قابل للنقاش أو المراجعة. وهنا يتحقق أحد أخطر أشكال الهيمنة، حين لا يُفرض الواقع بالقوة وحدها، بل يُعاد إنتاجه بوصفه الخيار الوحيد الممكن.
أما المآل الأخطر، فيبرز في إعادة تعريف المقاومة ذاتها. فبعد التطبيع الناعم، لا تُحاصَر المقاومة بالسلاح فقط، بل بالخطاب. تُصوَّر بوصفها تهديداً للاستقرار الداخلي والإقليمي والدولي، أو عائقاً أمام التنمية، أو عبئاً أخلاقياً لا يتناسب مع روح العصر، وبذلك، لا يُستهدف الفعل المقاوم فحسب، بل يُستهدف المعنى الذي يمنحه شرعيته التاريخية والأخلاقية.
ومع ذلك، فإن هذه المآلات رغم خطورتها، لا تمثل قدراً محتوماً. فالتاريخ يعلّمنا أن الوعي الذي يُعاد تشكيله قسراً قابل للانبعاث، وأن القضايا التي تُفرَّغ من معناها قادرة على استعادة مركزيتها حين تتغير الشروط. غير أن ذلك يتطلب وعياً مبكراً بطبيعة ما بعد التطبيع الناعم، لا بوصفه سلاماً، بل بوصفه انتقالاً بالصراع من السياسة إلى الوعي. وهكذا في المحصلة، ما بعد التطبيع الناعم ليس نهاية الصراع بل تعميقه. وإذا كانت المعركة قد انتقلتْ إلى هذا المستوى، فإن مواجهتها لم تعد شأن النخب السياسية وحدها، بل مسؤولية ثقافية وفكرية وأخلاقية ودينية تستعيد المعنى قبل أن تستعيد الأرض.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .