
من كسب حرب غزة ؟! مقاربة قانونية في المسؤولية والخسارة وانهيار معيار الشرعية ! بقلم د. عبدالرحيم جاموس
يُعدّ البحث عن “منتصر” في حرب غزة سؤالًا مضللًا من منظور القانون الدولي، لأن النزاعات المسلحة لا تُقاس بنتائجها العسكرية وحدها، بل بمدى احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، وتحقيق الأهداف السياسية المشروعة، وتقليل الأضرار الواقعة على السكان المدنيين.
ووفق هذه المعايير، فإن حرب غزة الأخيرة تُجسّد نموذجًا لحربٍ فاشلة قانونيًا واستراتيجيًا، أفرزت خسائر جسيمة لجميع الأطراف، دون أن تُنتج نصرًا معترفًا به أو مستدامًا.
الشعب الفلسطيني: الضحية المحمية والمنتهكة
يُصنّف المدنيون الفلسطينيون، بموجب اتفاقيات جنيف الرابعة، كأشخاص محميين.
ومع ذلك، تحمّل الشعب الفلسطيني العبء الأكبر للحرب، سواء من حيث الخسائر البشرية أو التدمير الواسع للممتلكات المدنية والبنية التحتية.
وقد أثارت طبيعة العمليات العسكرية إشكالات قانونية جدية تتعلق بمبدأي التمييز والتناسب، وهما من الركائز الأساسية للقانون الدولي الإنساني.
هذه الخسارة ليست إنسانية فحسب، بل قانونية أيضًا، إذ تُبقي مسألة المساءلة الدولية مفتوحة، وتُحمّل المجتمع الدولي مسؤولية التقاعس عن واجب الحماية ومنع الانتهاكات الجسيمة.
القضية الفلسطينية: حقوق قائمة ومسار مُعطَّل
من الناحية القانونية، لم تتعرض القضية الفلسطينية لأي انتقاص في جوهرها، إذ ما زال حق تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال، وعودة اللاجئين، حقوقًا ثابتة ومكفولة بقرارات الشرعية الدولية.
غير أن الحرب أسهمت في تعطيل المسار السياسي والقانوني، وتحويل القضية مجددًا إلى ملف إنساني إغاثي، بدل التعامل معها كقضية تصفية استعمار.
هذه الخسارة تتمثل في تهميش الأدوات القانونية والدبلوماسية لصالح إدارة الأزمة، وهو مسار يُطيل أمد الصراع ولا يُنهيه.
حماس: إشكالية الفعل المسلح خارج الإطار القانوني الجامع …
تُظهر الحرب أن حركة حماس، رغم استمرارها كفاعل ميداني، وقعت في مأزق قانوني وسياسي.
فغياب المرجعية الوطنية الموحدة، وعدم إدماج الفعل العسكري ضمن استراتيجية سياسية معترف بها دوليًا، جعلا الحركة عرضة لتحميلها المسؤولية عن الكلفة الإنسانية، بغضّ النظر عن مشروعية مقاومة الاحتلال من حيث المبدأ.
الخسارة هنا ليست عسكرية بحتة، بل خسارة في القدرة على تحويل شرعية المقاومة إلى مكسب قانوني وسياسي مستدام.
إسرائيل: انتهاك القوة وحدود التفوق العسكري
رغم التفوق العسكري، فشلت إسرائيل في تحقيق نصر قانوني أو سياسي، إذ لم تنهِ النزاع، ولم تفرض تسوية، بل واجهت تصاعدًا في الاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، قد ترقى إلى جرائم حرب.
داخليًا، كشفت الحرب عن أزمة ثقة عميقة في القيادة والمؤسسات، وخارجيًا، أدّت إلى تآكل الصورة القانونية والأخلاقية لإسرائيل، واتساع دائرة المطالبة بالمحاسبة.
وهذه خسارة استراتيجية مؤجلة، تظهر آثارها في الشرعية الدولية لا في ميدان القتال.
من ربح إذن…؟!
من منظور قانوني صارم، لم يربح أحد، فالطرف الأضعف دفع الثمن الإنساني الأعلى، فيما خسر الطرف الأقوى جزءًا من شرعيته الدولية.
وفي الحروب المعاصرة، تآكل الشرعية أخطر من تراجع القوة.
كيف يمكن تقليل الخسائر…؟
توحيد التمثيل السياسي الفلسطيني ضمن مرجعية قانونية معترف بها.
إخضاع أي فعل مسلح لحسابات المصلحة الوطنية واحترام قواعد القانون الدولي.
تفعيل آليات المساءلة الدولية بدل الاكتفاء بالإدانة الخطابية.
كيف يمكن تعويض الخسائر؟
قانونيًا: بتدويل الانتهاكات وملاحقة المسؤولين عنها.
سياسيًا: بإعادة الاعتبار للحل القائم على إنهاء الاحتلال.
إنسانيًا: بإعمار يضمن الكرامة الإنسانية ولا يعيد إنتاج الهشاشة.
خلاصة القول :
تُثبت حرب غزة أن القوة العسكرية، حين تنفصل عن القانون، تفقد معناها الاستراتيجي.
والسؤال الحقيقي لم يعد من انتصر، بل: من يملك القدرة على إعادة الصراع إلى مساره القانوني العادل، بدل تركه رهينة لدورات العنف المفتوحة؟
د. عبدالرحيم جاموس
الرياض
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .