11:55 مساءً / 7 يناير، 2026
آخر الاخبار

فتح والإنسان الفلسطيني: أين هو في سلم الأولويات؟ القضايا الاجتماعية، المعيشية، والعدالة ، بقلم : الصحفي سامح الجدي

فتح والإنسان الفلسطيني: أين هو في سلم الأولويات؟ القضايا الاجتماعية، المعيشية، والعدالة

فتح والإنسان الفلسطيني: أين هو في سلم الأولويات؟ القضايا الاجتماعية، المعيشية، والعدالة ، بقلم : الصحفي سامح الجدي


(المقال الرابع)

منذ تأسيسها، رفعت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) شعار الإنسان الفلسطيني باعتباره جوهر القضية الوطنية وغايتها الأساسية. فالتحرر، في جوهره، لم يكن يومًا هدفًا مجردًا، بل وسيلة لإنهاء معاناة إنسان يعيش تحت الاحتلال، محرومًا من حقوقه الوطنية والإنسانية. غير أن التحولات السياسية والتنظيمية التي مرت بها الحركة، خاصة بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، أعادت طرح سؤال جوهري بإلحاح متزايد: أين يقف الإنسان الفلسطيني اليوم في سلم أولويات حركة فتح؟ وهل لا تزال القضايا الاجتماعية والمعيشية والعدالة تشكل محورًا فعليًا في سياساتها، أم أنها تراجعت أمام اعتبارات السلطة والسياسة؟


أولًا: الإنسان الفلسطيني في الفكر التأسيسي لحركة فتح


في بداياتها، قدّمت فتح نفسها بوصفها حركة تحرر وطني إنسانية الطابع، ترى في الشعب الفلسطيني صاحب القضية وصانعها في آن واحد. لم يكن الخطاب الفتحاوي المبكر خطابًا نخبويًا أو فئويًا، بل انطلق من هموم اللاجئين، والعمال، والفلاحين، والطلبة، وكل من طالتهم آثار النكبة واللجوء والاحتلال. وكان الإنسان الفلسطيني هو محور الفعل الثوري، وقيم التضحية والانتماء الجماعي هي الأساس الذي قامت عليه الحركة.


في تلك المرحلة، تداخل البعد الوطني مع البعد الاجتماعي؛ فالنضال لم يكن فقط ضد الاحتلال، بل أيضًا من أجل الكرامة، والعدالة، والعيش الكريم. وقد مكّن هذا الارتباط فتح من اكتساب شرعية شعبية واسعة، جعلتها التعبير الأبرز عن آمال الفلسطينيين وتطلعاتهم.


ثانيًا: قيام السلطة وتحول الأولويات


مع إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، دخلت حركة فتح مرحلة جديدة فرضت عليها مسؤوليات غير مسبوقة. فقد أصبحت، بحكم موقعها القيادي، مسؤولة عن إدارة شؤون الناس اليومية: الرواتب، الخدمات، البنية التحتية، والتعليم والصحة. غير أن هذا التحول لم يؤدِ بالضرورة إلى تعزيز مكانة الإنسان الفلسطيني في السياسات العامة، بل أفرز مفارقة واضحة بين الخطاب والممارسة.


فالسلطة، المقيدة بالاحتلال وبالاعتماد الاقتصادي على الخارج، وجدت نفسها عاجزة عن تلبية كثير من الاحتياجات الأساسية. ومع مرور الوقت، بدأ المواطن الفلسطيني يشعر بأن همومه المعيشية لم تعد في صلب الاهتمام، وأن الأولوية باتت للحفاظ على الاستقرار السياسي والإداري، حتى لو جاء ذلك على حساب العدالة الاجتماعية.


ثالثًا: القضايا المعيشية وتحديات الحياة اليومية


يواجه الإنسان الفلسطيني اليوم مجموعة متراكمة من الأزمات المعيشية: البطالة، الفقر، ارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الحماية الاجتماعية. وقد تفاقمت هذه الأزمات نتيجة سياسات الاحتلال، من حصار، واستيطان، وتحكم بالموارد، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن قصور داخلي في إدارة الملف الاقتصادي والاجتماعي.


ويرى كثير من المواطنين أن حركة فتح، بوصفها القوة الرئيسية في الحكم، لم تنجح في بلورة سياسات اقتصادية واضحة تحمي الفئات الأكثر تضررًا. فبدلًا من تبني نموذج تنموي مقاوم يعزز الاعتماد على الذات والعدالة في توزيع الموارد، سادت سياسات جزئية لم تعالج جذور المشكلة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين فئات المجتمع.


رابعًا: العدالة الاجتماعية بين الشعار والواقع


لطالما رفعت فتح شعارات العدالة والمساواة، إلا أن الواقع يشير إلى تحديات حقيقية في هذا المجال. فظواهر مثل الواسطة، والمحسوبية، وتفاوت الفرص، أضعفت ثقة المواطن بمؤسسات الحكم، وأشعرت كثيرين بأن العدالة ليست متاحة للجميع على قدم المساواة.


إن غياب العدالة الاجتماعية لا يهدد فقط الاستقرار المجتمعي، بل ينعكس أيضًا على المشروع الوطني ككل. فمجتمع يشعر أفراده بالظلم والتهميش يصعب عليه الصمود في وجه الاحتلال. ومن هنا، فإن العدالة ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل شرط أساسي لتعزيز الصمود الوطني.


خامسًا: الفئات المهمشة في سلم الأولويات


يبرز سؤال الإنسان الفلسطيني بوضوح عند النظر إلى أوضاع الفئات المهمشة: الشباب، والنساء، وسكان المخيمات، وذوي الدخل المحدود. فالشباب، الذين يشكلون غالبية المجتمع، يعانون من البطالة وانسداد الأفق، ما يدفع بعضهم إلى الهجرة أو الانسحاب من العمل العام. والنساء، رغم دورهن النضالي والتنموي، لا يزلن يواجهن تحديات في المشاركة السياسية والاقتصادية. أما المخيمات، التي شكّلت تاريخيًا خزّان الثورة، فتعيش أوضاعًا معيشية صعبة تفتقر إلى حلول جذرية.


هذه الفئات تمثل مقياسًا حقيقيًا لمكانة الإنسان في أي مشروع سياسي. وأي حركة تدّعي تمثيل الشعب لا يمكنها تجاهل احتياجاتها أو التعامل معها بسياسات موسمية أو خطابية.


سادسًا: العلاقة بين البعد الوطني والبعد الاجتماعي


لا يمكن فصل القضايا الاجتماعية عن القضية الوطنية. فالتحرر الوطني لا يكتمل دون تحرر اجتماعي، والكرامة الوطنية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالكرامة الإنسانية. غير أن الممارسة السياسية في كثير من الأحيان تعاملت مع الملف الاجتماعي باعتباره ثانويًا أو مؤجلًا إلى “ما بعد التحرير”.


هذا المنطق أثبت محدوديته، لأن الإنسان الفلسطيني لا يعيش في المستقبل فقط، بل في واقع يومي مليء بالتحديات. ومن هنا، فإن إعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي يجب أن يكون جزءًا لا يتجزأ من المشروع الوطني، لا ملحقًا به.
سابعًا: أي دور مطلوب من فتح اليوم؟


أمام هذه التحديات، تصبح حركة فتح مطالبة بإعادة ترتيب سلم أولوياتها، ووضع الإنسان الفلسطيني في قلب سياساتها وبرامجها. وهذا يتطلب انتقالًا من الخطاب العام إلى السياسات الملموسة، ومن ردود الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي.


النهج المطلوب هو نهج يوازن بين متطلبات النضال الوطني وحقوق المواطن اليومية، ويعزز مبادئ العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والمساءلة. كما يتطلب الأمر تجديدًا في البنية التنظيمية، يتيح مشاركة أوسع للفئات الاجتماعية المختلفة في صنع القرار.


خاتمة


إن السؤال عن موقع الإنسان الفلسطيني في سلم أولويات حركة فتح ليس سؤالًا نظريًا، بل هو سؤال مصيري يرتبط بمستقبل الحركة والمشروع الوطني على حد سواء. فحركة تحرر لا تضع الإنسان في مركز اهتمامها تفقد مبرر وجودها، وسلطة لا تحقق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية تفقد شرعيتها.


فتح اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تعيد وصل ما انقطع بينها وبين هموم الناس اليومية، وتبني سياسات تعكس التزامها بالعدالة والكرامة الإنسانية، أو أن تستمر الفجوة بينها وبين المجتمع في الاتساع. والرهان، في نهاية المطاف، هو على إنسان فلسطيني صامد، يشعر بأن قضيته الوطنية لا تنفصل عن حقه في العيش الكريم والعدالة.

شاهد أيضاً

في يوم الشهيد الفلسطيني: السفير الاسعد يضع اكليلا من الزهور باسم الرئيس على النصب التذكاري لشهداء الثورة الفلسطينية في بيروت

في يوم الشهيد الفلسطيني: السفير الاسعد يضع اكليلا من الزهور باسم الرئيس على النصب التذكاري لشهداء الثورة الفلسطينية في بيروت

شفا – وضع سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية محمد الاسعد اليوم الاربعاء، اكليلاً من …