
أيُّ فتح نريد بعد 61 عامًا من الانطلاقة؟ ، قراءة في الفكرة الأولى، والواقع الحالي، وأسئلة المستقبل ، بقلم : الصحفي سامح الجدي
المقال الأول من سلسلة مقالات أيُّ فتح نريد بعد 61 عامًا من الانطلاقة؟
في الذكرى الحادية والستين لانطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح، لا يكفي أن نقف عند حدود الاحتفال أو استعادة الصور والشعارات، بل يصبح واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا أن نطرح السؤال الأصعب والأصدق: أيُّ فتح نريد؟ سؤال لا يستهدف جلد الذات ولا التشكيك في التاريخ، بقدر ما يسعى إلى حماية هذا التاريخ من التآكل، وإعادة وصل الماضي المجيد بحاضرٍ مربك ومستقبلٍ مفتوح على الاحتمالات.
فتح .. فكرة قبل أن تكون تنظيمًا
حين انطلقت فتح في الأول من كانون الثاني/يناير عام 1965، لم تكن مجرد تنظيم سياسي، بل كانت فكرة تحررية جامعة. فكرة أعادت الاعتبار للإنسان الفلسطيني بعد نكبةٍ حاولت اقتلاعه من الجغرافيا والتاريخ. جاءت فتح لتقول إن الفلسطيني قادر على المبادرة، وعلى حمل قضيته بيده، بعيدًا عن الوصاية، وبقناعة راسخة أن تحرير الوطن يبدأ من تحرير الإرادة.
هذه الفكرة الأولى هي جوهر فتح الذي لا يجوز التفريط به: حركة وطنية جامعة، تتسع لكل الفلسطينيين، وتضع فلسطين فوق كل اعتبار. ومع مرور 61 عامًا، يبقى السؤال: هل ما زالت هذه الفكرة حاضرة في الوعي والممارسة؟ أم أننا نعيش على رصيد التاريخ دون أن نُجدّد معناه؟
من الثورة إلى السلطة .. التحوّل المعقّد
لا يمكن الحديث عن فتح اليوم دون التوقف عند التحول الكبير الذي عاشته الحركة مع قيام السلطة الوطنية الفلسطينية. فهذا التحول، رغم ضرورته في سياقه التاريخي، أدخل فتح في معادلة معقّدة: كيف تكون حركة تحرر وطني، وفي الوقت نفسه تقود سلطة تحت الاحتلال؟
هنا بدأ التحدي الحقيقي. فبين متطلبات الحكم، وضغوط الواقع الاقتصادي والسياسي، ومتغيرات الإقليم والعالم، وجدت فتح نفسها أحيانًا في موقع الدفاع، وأحيانًا في موقع التبرير، وأحيانًا أخرى في موقع الابتعاد غير المقصود عن نبض الشارع. ولذلك فإن سؤال “أي فتح نريد؟” هو في جوهره سؤال عن إعادة تعريف الدور: فتح التي تقود سلطة فقط، أم فتح التي تقود مشروعًا وطنيًا تحرريًا شاملًا، تكون فيه السلطة أداة لا غاية.
فتح والإنسان الفلسطيني
أي فتح نريد إذا لم تكن منحازة للإنسان الفلسطيني البسيط؟ للعامل، والموظف، والطالب، والأم، والأسير، والجرحى، وأسر الشهداء؟ إن قيمة أي حركة تحرر تُقاس بمدى قربها من الناس، وبقدرتها على التعبير عن آلامهم وآمالهم.
لقد عانت فئات واسعة من أبناء شعبنا من أزمات معيشية خانقة، وباتت الأسئلة اليومية حول الراتب، والعمل، والعلاج، والتعليم، جزءًا من همٍّ عام. وهنا يُطرح السؤال بجرأة: هل كانت فتح، كحركة قائدة، على مستوى هذه التحديات؟ وهل امتلكت دائمًا الجرأة لتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة؟
فتح التي نريدها هي تلك التي تضع كرامة المواطن في صلب برنامجها، وتتعامل مع القضايا الاجتماعية بوصفها جزءًا من النضال الوطني، لا ملفًا ثانويًا أو عبئًا إداريًا.
التنظيم .. بين الفكرة والممارسة
قوة فتح التاريخية لم تكن فقط في برنامجها السياسي، بل في تنظيمها الواسع، وحضورها في كل قرية ومخيم ومدينة، وفي الشتات. لكن التنظيم، كأي كيان حي، يحتاج إلى مراجعة وتحديث دائمين. فالتنظيم الذي لا يسمع قواعده، ولا يفتح المجال أمام النقد، يتحول من أداة تحرر إلى عبء على نفسه.
أي فتح نريد تنظيميًا؟ نريد فتح المؤسسات لا الأفراد، فتح النظام لا المزاج، فتح القرار الجماعي لا التفرد. نريد حركة تحكمها لوائح واضحة، ومحاسبة عادلة، وتكافؤ فرص، لا فتح الألقاب والمواقع الدائمة. فتح التي لا تخشى النقد من أبنائها، بل تعتبره علامة صحة وقوة.
الشباب .. سؤال المستقبل
لا يمكن لأي حركة وطنية أن تستمر دون تجديد دمائها. والشباب الفلسطيني اليوم يواجه واقعًا شديد القسوة: بطالة، انسداد أفق، فقدان ثقة، وتناقض بين الشعارات والواقع. ولهذا فإن سؤال “أي فتح نريد؟” هو أيضًا سؤال: أي فتح نريدها لشبابنا؟
فتح التي نريدها هي التي تفتح أبوابها للشباب، لا بوصفهم جمهورًا للتصفيق، بل شركاء في القرار، وصنّاعًا للمستقبل. حركة تستمع إلى لغتهم، وتفهم أدواتهم، وتؤمن بأن تجديد الخطاب لا يعني التفريط بالثوابت، بل حمايتها بأسلوب معاصر.
فتح والثوابت الوطنية
وسط كل التحولات، تبقى الثوابت الوطنية هي خط الدفاع الأخير عن المشروع الفلسطيني. وفتح، بوصفها العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بحماية هذه الثوابت: حق العودة، والقدس، والدولة الفلسطينية المستقلة، وكرامة الشعب الفلسطيني.
أي فتح نريد؟ نريد فتح التي لا تساوم على الثوابت، ولا تستخدمها شعارات موسمية. فتح التي تمتلك وضوحًا سياسيًا، وشجاعة في الموقف، وقدرة على قراءة المتغيرات دون أن تذوب فيها.
النقد الذاتي .. شرط النهوض
من علامات النضج السياسي أن تمتلك الحركة القدرة على نقد ذاتها. وفتح، بتاريخها الطويل، ليست فوق النقد، بل هي أحوج ما تكون إليه. ليس النقد الذي يهدف إلى التشهير أو الهدم، بل النقد المسؤول الذي يسعى إلى التصحيح والبناء.
فتح التي نريدها هي حركة تعترف بأخطائها، وتتعلم منها، وتفتح صفحة جديدة مع شعبها. فالشعوب لا تطلب الكمال من حركاتها، لكنها تطلب الصدق، والوضوح، والاستعداد للتغيير.
فتح كما نريدها .. وكما يجب أن تكون
في الذكرى 61 للانطلاقة، لا نبحث عن فتح المثالية، بل عن فتح الحقيقية: حركة تعرف حجم التحديات، وتؤمن بأن تجديد ذاتها هو شرط بقائها. فتح التي تجمع ولا تفرّق، تحمي ولا تستقوي، تقود ولا تتعالى، وتبقى قريبة من الناس كما كانت في بداياتها.
“أي فتح نريد؟” ليس سؤالًا تنظيميًا فقط، بل سؤال وطني بامتياز. والإجابة عنه لا تكون بمقال، ولا بخطاب احتفالي، بل بمسار طويل من المراجعة والعمل الجاد. ففتح التي نريدها هي تلك التي تستحق تضحيات الشهداء، وصبر الأسرى، وآمال الأجيال القادمة.
وفي الذكرى الحادية والستين، يبقى الرهان: إما فتح تتجدد لتقود المشروع الوطني، أو فتح تكتفي بظل تاريخها. والتاريخ، كما علّمنا، لا يرحم من يتوقف عن السير.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .