
قراءة نقدية في اكتمل القمر… اكتمال الرعب والحنين ، بقلم : رانية مرجية
حين تكتمل دائرة القمر، يكتمل معه في قصيدة الشاعرة التونسية حياة بن تمنصورت مشهد آخر، أبعد ما يكون عن السكينة والضياء. القمر هنا لا يُطل علينا بوجهه المضيء كما اعتدنا في الأساطير والحكايات، بل يسطع كاشفًا عيون الجثث المكدّسة، ويُحرج التاريخ الذي لا يملك سوى أن يسجّل، مرة أخرى، تفاصيل الجرائم.
منذ السطر الأول، نصطدم بصورة صادمة: الضوء الذي يفترض أن يكون باعث حياة، يتحوّل إلى مرآة للرعب. يتضح أنّ القصيدة تسير بنا في اتجاه معاكس للمألوف، حيث يذوب النور في العتمة، وينقلب اكتمال القمر إلى اكتمال للفجيعة.
تكتب الشاعرة: “بقعة تتسع على صفحة … نهر يأسي.. لامدّ ولا جزر…”. هنا يصبح النهر رمزًا للجمود، لفقدان الأمل، لأن الماء – أصل الحياة – يتوقف عن الحركة. وبينما تطبق الأنقاض على أنفاسها، تصبح الابتسامة “شهادة مزيفة”، وكأنّ البقاء نفسه مجرد تمثيل إجباري أمام قسوة الوجود.
ومع ذلك، وسط هذا الانهيار، يطلّ خيط آخر: الحب. تقول: “ها أنا أحفظ ملامحك التي لم تخن عتمتي… فيشرق في دمي أنتَ… كلما نام القمر.”
هذا التحوّل يفتح نافذة صغيرة وسط الخراب، وكأنها تقول إن الإنسان، مهما غرق في العدم، يجد في الآخر عزاءً يبقيه واقفًا في مواجهة الليل.
قصيدة حياة بن تمنصورت تقوم على ثنائية متوترة:
• قمر يكشف الجريمة/محبوب يوقظ الدم.
• نور يضاعف الرعب/حب يخفف الخوف.
• تاريخ يكتب الدم/قلب يحفظ الملامح.
لغة النص مشحونة بالصور الحسية، مكثّفة، قصيرة، كأنها أنفاس متقطّعة، مما يجعل القارئ يعيش لحظة الاختناق والنجاة معًا.
إنها قصيدة عن زمن عربي مثقل بالدم، عن تاريخ لا يتوقف عن التدوين الأسود، وعن قلب يحاول – رغم كل شيء – أن يتمسك بصورة
وجهٍ لا يخون العتمة
اكتمل القمر – حياة بن تمنصورت*
اكتمل القمر…
لمعت عيون الجثث المكدّسة اكثر واكثر…
واتضّح الرّعب على ملامح التّاريخ وهو يدوّن تفاصيل الجريمة … ويعدّ نفسه كعادته..
لتدوين الجرائم اللّاحقة ….
اكتمل القمر ..
بقعة تتسع على صفحة …نهر …يأسي..
لامدّ ولا جزر….
بينما الانقاض تطبق على انفاسي
تبدو ابتسامتي شهادة مزيفّة صالحة في البحث عن جدوى الحياة.
كأنّه اكثر من المعتاد يشعّ هذه الّليلة ..؟
كأنّ قلبي خائف اكثر..
ها انا احفظ ملامحك التي لم تخن عتمتي
اتحسّسها .. فيشرق في دمي ..انتَ..
كلّما نام القمر…
- – حياة بن تمنصورت – تونس