12:38 مساءً / 29 أغسطس، 2025
آخر الاخبار

التمييز في المشهد الثقافي… بقلم : ناديه كيوان

التمييز في المشهد الثقافي… بقلم : ناديه كيوان


“حين تُصفّق العلاقات لا النصوص”


في مشهد الثقافة، حيث يُفترض أن تكون الكلمة معيارًا والكتاب مرآةً للوعي، تتكرّس مفارقة موجعة: الكاتب الذي يملك “الواسطة” والاسم اللامع يحظى بتهنئة دور النشر، ونقد النقاد، وضوء الإعلام، بينما الكاتب المبتدئ يُترَك في الظلّ وكأن حضوره لا قيمة له.


إنها تمثيلية مؤلمة، تتوزع أدوارها بين دور نشرٍ تميل للوجوه الرائجة لأنها تضمن لها بريق السوق، ونقّادٍ يصفقون لما هو شائع بدل أن يغوصوا في النصوص الصادقة، وكتّابٍ يباركون بعضهم بعضًا بحكم العلاقات لا بحكم الجودة.


لكن أين يُترَك الكاتب الأول، ذلك الذي أنهى كتابه الأول بكل شغف وتعب؟ أين يُترَك حين ينتظر – ببساطة – أن يقرأ أحدهم نصّه بعينٍ نقدية، أن يُشير إلى نقاط قوته أو ثغراته، أن يشعر بأن جهده وصل إلى أذنٍ تسمع وقلبٍ يتفاعل؟
الخذلان هنا لا يُقاس فقط بالصمت، بل بالتمييز العلني: أن يُحتفى بكتاب آخر لأنه صدر باسم مشهور، بينما يُتجاهل كتاب جديد كأن صاحبه لم يُولد بعد في عالم الكتابة.


هذه التفرقة ليست مجرد خطأ عابر، إنها جرح في الروح. الكاتب الشاب لا يبحث عن مديح مجاني ولا تصفيق أجوف، بل عن فرصة للوجود في مساحة يفترض أنها عادلة؛ مساحة الثقافة والفكر. وحين يُحرم من هذه الفرصة لأنه “لا يعرف أحدًا” أو “لا يملك الوسائط”، يشعر بأن الكتابة – التي كان يراها ملاذًا – تحولت إلى ساحة مغلقة، لا يدخلها إلا من يحمل مفاتيح العلاقات لا مفاتيح النصوص.


النتيجة؟ إنهاك نفسي، إحباط، وربما انسحاب من الطريق قبل اكتمال الرحلة. كم من صوتٍ صادقٍ كُسر بهذه الطريقة؟ وكم من نصوصٍ جميلة بقيت حبيسة الأدراج، لأن أصحابها لم يتقنوا فنون “التواصل الاجتماعي” في دوائر النشر؟
المؤلم أن دور النشر والنقّاد، الذين يُفترض أن يكونوا جسورًا لتمرير الكلمة من الكاتب إلى القارئ، صاروا في أحيانٍ كثيرة جدرانًا عالية، لا يتجاوزها إلا من يحظى بالمفتاح السحري: العلاقات.


لكن، أليس من حق القارئ أيضًا أن يعرف كل الأصوات، لا فقط الأصوات المدعومة؟ أليس من مسؤولية النقاد أن يكونوا مرآة للصدق لا للوسائط؟ أليست الكتابة فعلًا إنسانيًا يطلب العدل قبل الشهرة؟


إن غياب الاهتمام ليس مسألة عابرة، بل هو إعلان مبطن: “لسنا نراك”. وهذه العبارة قادرة على تحطيم أي روح مهما كانت قوية. ومع ذلك، ربما يولد منها – في بعض الحالات – إصرار أعنف، يدفع الكاتب لأن يكتب لنفسه أولًا، بعيدًا عن تصفيق الآخرين.
لكن يبقى السؤال مفتوحًا:


متى نكسر هذه التمثيلية المرهقة، ونُعيد الاعتبار للكتاب بما يحمله من معنى، لا بما يحمله مؤلفه من علاقات؟

شاهد أيضاً

قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان تنعى شهيدي الجيش اللبناني

شفا – د. وسيم وني ، بقلوب يعتصرها الألم والحزن، تتقدّم قيادة فصائل منظمة التحرير …