
أجرّ قلبي في العتمة… ولا أحد يسمعني ، بقلم: رانية مرجية
على سجية الليل، مرهقة ولا أعترف، متعبة ولا أكترث، كأنني أجرّ قلبي خلفي دون أن يسمع أحد. د. حنان جبيلي
حين تكتب امرأة على هذا النحو، بكلمات أقل من أن تحيط بالوجع، لكنها أكبر من أن تحتمله اللغة، ندرك أننا لا نقرأ نصًا عابرًا، بل نمرّ بجوار جرحٍ مفتوح، ينبض على هامش الحياة، ولا أحد يراه.
في نصها الوجيز المقتضب، تُلقي د. حنان جبيلي حجارة صمتها في بركة أرواحنا، فنشعر بالتموّجات تتسع شيئًا فشيئًا حتى تطالنا نحن – نحن الذين نجرّ قلوبنا مثلها، ولا يسمعنا أحد.
“على سجية الليل”، وكأن الليل هو الحالة الوحيدة التي تتاح فيها للإنسان لحظة صدق حقيقية. فالنهار ملطّخ بالإكراهات، بالحسابات، بالتمثيل الذي نرتديه مضطرين لننجو من أعين الناس… أما الليل، فهو الوقت الذي نخلع فيه كل شيء، ونقف كما نحن: منطفئين، متعبين، منسيّين.
“مرهقة ولا أعترف، متعبة ولا أكترث”، هنا، نحن لا نقف أمام اعتراف بالضعف، بل أمام فلسفة ألم جديدة: ألم لا يُعرض في المزادات، تعب لا يُحوّل إلى دراما، إنما يُحمل كالصليب على الكتف دون أن يُقال. إنها بطولة الصامتين، الذين تعبوا من الشرح، وارتضوا الصمت حكمة وكرامة.
ثم تأتي القفلة التي تهدّ الجدار بين النص والقارئ:
“كأنني أجرّ قلبي خلفي دون أن يسمع أحد”.
أي وجع هذا الذي يجعل القلب يُجرّ كما لو كان جسدًا بلا حياة؟
أليس القلب هو النابض، النذير، منبع الشغف والانتماء؟
في نص جبيلي، يتحوّل القلب إلى عبء، إلى شيء يُجرّ وراء الذات المنهكة، لا يسعها أن تحمله أمامها، ولا أن تتركه خلفها تمامًا.
وهنا تحديدًا، ندخل في بعدٍ فلسفي وجودي عميق:
كيف نواصل الحياة ونحن نجرّ قلوبنا خلفنا؟
كيف نصمت عن الألم دون أن نفقد إنسانيتنا؟
وهل السكوت عن التعب نوع من المقاومة؟ أم استسلام؟ أم كليهما في آنٍ واحد؟
النص لا يطلب شفقة، بل يعرّي هشاشتنا جميعًا.
إنه مرآة لكل من شعر أن قلبه ثقيلٌ عليه، لكل من مرّ في زحام الحياة واختنق في عزلته، وهو يبتسم.
لكل من عاش فصول الانطفاء الداخلي دون أن يُبدي اعتراضًا، فقط لأن الاعتراض لم يعد مجديًا.
في نص جبيلي، المرأة لا تبكي، لا تصرخ، لا تطلب إنصافًا. لكنها تحفر بكلماتها خندقًا عميقًا في القلب، تجعلنا نرتجف من صمتها أكثر مما نفعل أمام أي عويل.
نصّها هو قصيدة الألم المؤجّل، اعترافٌ مؤلمٌ من طرفٍ واحد.
ولعلّ أكثر ما يُوجع فيه، هو أنه مكتوب بلغة لا تحتمل الزينة، ولا تتدلّل على البلاغة. بل تُشبه الليل الذي أتت منه، عارية، منكسرة، ولكنها باقية.
نحن إذن، أمام نصّ لا يقول “أنا موجوعة”، بل يقول:
“أنا أعيش وجعي بصمت، وأجرّ قلبي كل مساء، بينما أنتم نائمون.”
فيا لهذا الصمت، ما أبلغ صراخه.